الحمد لله المحمود بآلائه، الممدوح على نعمائه، المشكور بجزيل عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله، ولي النعم كلها دون سواه، أحمده أبلغ حمد وأزكاه، وأشمله وأنماه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده الذي ارتضاه، ونبيه الذي اختاره واجتباه، ورسوله الذي ائتمنه واصطفاه، ورفعه وأعلاه، وخصه بختم النبوة وحباه، وأبانه بأعلى منازل الفضل على كل آدمي عداه، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته الغر الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
فمما لا شك فيه ولا مرية أن دواوين السنّة، من أعظم ما يَصرف لها العقلاء الأكياس عزيز الأوقات، وغُرر الأنفاس، وذلك لمسيس حاجة العلماء وطلبة العلم إليها، ولعظيم منزلتها السنِية العلية في بناء العلوم الشرعية وتأسيسها، إذ الحَدِيثُ بِمَنزِلَةِ الأَسَاسِ الَّذِي هُوَ الأَصلُ، وَالفِقهُ بِمَنزِلَةِ البِنَاءِ الَّذِي هُوَ لَهُ كَالفَرعِ، وَكُلُّ بِنَاءٍ لَم يُوضَع عَلَى قَاعِدَةٍ وَأَسَاسٍ فَهُوَ مُنهَارٌ، وَكُلُّ أَسَاسٍ خَلَا عَن بِنَاءٍ وَعِمَارَةٍ فَهُوَ قَفْرٌ وَخَرَابٌ (^١).
وقد صرف الأسلاف هممهم لهذه الدواوين، وجعلوا النهل من رياضها
_________________
(١) معالم السنن، للإمام الخطابي (١/ ٣).
[ ٧ ]
ديدنهم وهِجِّيرَاهُم، فقضوا منها بدقيق النظر نَهمتهم، واتخذوا قَفوَ شواردها القلائد، وفوائدها الفرائد، بغيتهم.
وكان من جملة تلكم الدواوين الجليلة، والمصادر الأصيلة الأثيلة، التي ضرب العلماء إلى أحاديثها أكباد الإبل، وحج الناس من كل صقع إلى مجالسها؛ صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، نجم الأسانيد والرواية، وصاحب القدح المعلى في الدراية، الذي ذاع صيته وانتشر، وطَبَّقت شهرته أهل المدر والوبر، فكان كتابه لحملة الآثار وطلبة الفقه والعلم قبلة وشعلة؛ أقبلوا عليه إقبالا عز نظيره في الدواوين قبله، فلا تسل كم من شارح له ومنتصر، ومدرس له ومختصر …
ومن أجَلِّ لبنات هذه الجهود المباركة التي رامت خدمة هذا السفر العظيم، كتاب الإمام العلامة شيخ الإسلام وقوام السنة والدين أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي ﵀، الموسوم بـ (التَّحرِير فِي شَرحِ مُسلِم).
وقد رام بمرقومه ﵀ أن يكون مرجعا للمعتنين بصحيح مسلم في جانبي الفقه والغريب، من خلال تتبع ألفاظ الحديث، وضبطها واستيفاء الكلام عنها، بما يفتح مُغلقها ويزيل مشكلها، وييسر مدارك النظر في معانيها فقها واستنباطا.
فكان سِفْرًا عظيما من نفيس الكتب الخادمة لصحيح مسلم، أطبق جهابذة العلماء بعده على النقل منه والرجوع إليه، كالإمام النووي؛ وابن تيمية؛ وشرف الدين الطيبي؛ والكِرماني؛ وابن المُلقِّن؛ وابن حجر، وأضراب هؤلاء من أساطين العلم وأعلام الأمة الكبار.
وقد وفق الله تعالى مركز أسفار لطباعة نفيس الكتب، لإخراج هذا العمل،
[ ٨ ]
وإثراء المكتبة الإسلامية التراثية بهذا السفر النفيس، الذي يعد إخراجه إلى الوجود إحياء بعد موات، وأملا بعد قنوط، وصلة لرحم العلم بعد قطيعة استمرت لعقود.
ومع أن الذي وصلنا من الكتاب هو نصفه فقط، أو أكثر من النصف بقليل، إلا أنَّه غزير الفائدة، كثير العائدة، حافل بالنوادر اللغوية؛ والنكت العلمية؛ واللطائف المعرفية، والأحكام الفقهية، ولا عجب؛ فالإمام الأصبهاني قد آتاه الله تعالى قدرة فائقة على الفهم واستنباط المعاني الخفية؛ التي غالبا ما تحجبها ظواهر النصوص، وتخفيها المعاني الجلية الواضحة، فجمع من الخواطر والتأملات والإشارات ما لم يسبق إليه.
وليتضح هذا أكثر، فقد قدمت بين يدي التحقيق بهذه المقدمة الدراسية، التي حاولت من خلالها أن أنبذ إلى القارئ نبذة عن الكتاب وصاحبه، وفيها:
الفصل الأول: التعريف بكتاب التحرير وصاحبيه.
* المبحث الأول: التعريف بصاحبي الكتاب.
المطلب الأول: التعريف بالأصبهاني الأب.
المطلب الثاني: التعريف بالأصبهاني الابن.
* المبحث الثاني: اسم الكتاب.
* المبحث الثالث: نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
* المبحث الرابع: تحديد القدر الذي أملاه الابن.
[ ٩ ]
* المبحث الخامس: القيمة العلمية للكتاب.
المطلب الأول: مكانة مؤلفه.
المطلب الثاني: زمان تأليفه.
المطلب الثالث: نقل العلماء عنه ورجوعهم إليه.
المطلب الرابع: مناقشة العلماء لاجتهاداته وتعقيبهم عليه.
* المبحث السادس: موضوعه وسياقه التاريخي.
الفصل الثاني: منهج الإمام الأصبهاني في التحرير
* المبحث الأول: التبويب والترتيب وعدد الأحاديث.
المطلب الأول: تبويبه وترتيبه.
المطلب الثاني: عدد أحاديثه.
* المبحث الثاني: منهجه في شرح الحديث.
* المبحث الثالث: تقريراته العلمية في الكتاب.
المطلب الأول: تقريراته اللغوية.
المطلب الثاني: تقريراته الفقهية.
المطلب الثالث: تقريراته العقدية.
* المبحث الرابع: مصادر المؤلف في الكتاب.
المطلب الأول: مصادره السمعية.
[ ١٠ ]
المطلب الثاني: المصادر النقلية التي صرح بها أو بأصحابها.
المطلب الثالث: المصادر النقلية التي لم يصرح بها، ويغلب على الظن نقله عنها.
* المبحث الخامس: مقارنة بين كتاب التحرير ونظرائه.
الفصل الثالث: وصف المخطوط ومنهج التحقيق
* المبحث الأول: وصف المخطوط وتقدير سقطه.
المطلب الأول: وصف المخطوط.
المطلب الثاني: تقدير ما وقع في المخطوط من السقط
* المبحث الثاني: منهج التحقيق وإخراج الكتاب.
خاتمة ونتائج.
* * *
[ ١١ ]