[٤] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا يَنقِمُ ابن جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ الله) (^١)، ما ينقم؛ أي: ما ينكر وما يكره، أي: لم يكره من الإسلام شيئا؛ سوى إغناء الله إياه من فضله بالغنائم، وهذا مما لا يُنْقَم ولا يُنكر، وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا) يجوز أن يكون في موضع نصب مفعول ينقم، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، والتقدير: ما ينقم شيئا، لكنه بطر النعمة فمنع الزكاة؛ أي: جعل موضعَ شكر الغنى منع الزكاة.
وقوله: (فَإِنَّكُم تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ)، قوله: (احتَبَسَ) لغة في أَحْبَسَ، ومعناه: وقف، و(الأعتَادُ): جمع العَتَد، والعَتَدُ: ما يُعد للحاجة وكذلك العتيد، وفي رواية: (حبَّس عبيده وكُراعه) (^٢)، حبَّس بتشديد الباء بمعنى: وقف، والعبيد: جمع العبد، والكُرَاع: الخيل.
وفي الحديث ما يدل على وجوب زكاة التجارة في العروض، إذا اشتُرِيت بنية التجارة، وفيه دليل على سقوط الزكاة من الأوقاف، قيل: فإن طولب بالزكاة عن ثمن الأدراع والأعتاد، على معنى أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أن لا زكاة عليه فيها؛ إذ جعلها حبْسا في سبيل الله، وقيل: أجاز لخالد أن يحتسب بما قد احتبسه من الأدراع والأعتاد في سبيل الله في الصدقة التي أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد أصناف المستحقين للصدقات (سبيل الله)؛ وهم
_________________
(١) أخرجه برقم: ٩٨٣، وأبو داود: ١٦٢٣.
(٢) لم أقف على هذه الرواية، لكن ورد عند ابن خزيمة في صحيحه برقم: ٢٣٣٠ بلفظ: (أدراعه وأعبده).
[ ١٢٢ ]
المجاهدون، فصرفها إليهم كصرف الأموال، وفي هذا دليل على جواز أخذ القِيَم من أعيان الأموال.
وقوله: (وَأَمَّا العَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (^١)، قيل: فيه دليل على أن للإمام أن يأخذ الصدقة؛ ومن منعها فله أن يُعَزِّرَه؛ على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده: أضعَفَ الصدقة عليه على ضرب من التعزير.
وقيل: للإمام أن يُؤخر الصدقة عمن تجب عليه، فقال: (هِيَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: عليه صدقة هذا العام؛ والعام الذي قبله؛ دينا عليه؛ رفقا به، ليجد سعة فيؤدي.
كأن الرجل الذي بعثه على أخذ الصدقة، ظن أنه مَنَع صدقة هذا العام، ولم يعلم أن عليه مع هذا صدقة العام الذي قبله، فقال النبي ﷺ هي عليه، يعني: الذي تعلمُه، وعليه سوى ما تعلمه، صدقةُ عامٍ آخر.
وفي قوله: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُل صِنْوُ أَبِيهِ؟) دليل على أنه موضعُ الرفق به، وأنه يجوز أن يُخَصَّ بشيء لا يُخَصُّ به غيرُه.
وصِنْو الرجل: أخوه، أي: هو وأبي من أصل واحد، وأنا من ذلك الأصل، فاعرفوا ذلك له لمكاني منه، قال أهل اللغة: إذا خرج نخلتان من أصل واحد فكل واحدة منهما صنو الآخر (^٢).
_________________
(١) اللفظ عند مسلم: (فهي عليَّ ومثلها)، ولفظ (عليه) من رواية البخاري، وهو مشكل عند شراحه: ابن بطال ٣/ ٤٩٩ وابن حجر ٣/ ٣٣٤ وابن الجوزي في مشكل الصحيحين ٣/ ٥١٩. وحملوه على رواية مسلم لفظا أو معنى.
(٢) ينظر: العين: ٧/ ١٥٨، الصحاح: ٦/ ٢٤٠٤، تهذيب اللغة: ١٢/ ١٧٠، مجمل اللغة: ٥٤٢.
[ ١٢٣ ]