[٤٤] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الأزهري، حدثنا أبو عوانة الإسفرايني، حدثنا أبو داود الحراني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، وأخبرنا أبو بكر الصابوني، - ولفظ الحديث له - أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن
_________________
(١) برقم: ١٠٦٩، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٩١.
(٢) برقم: ١٠٧٠، وأخرج أحمد برقم: ٨٢١٣.
(٣) برقم: ١٠٧١، وأخرجه البخاري برقم: ٢٠٥٥.
[ ١٥٧ ]
مالك، عن الزهري: أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفي رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة حدثه قال:
(اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب ﵄ فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين - قال لي وللفضل بن العباس - إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأَمَّرَهُما على هذه الصدقات، فأدَّيا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيبه الناس، قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، قال علي ﵁: لا تفعلا، فوالله، ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله، لقد نلتَ صهر رسول الله ﷺ فما نَفِسْنَاه عليك، قال علي ﵁: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عَلِيٌّ ﵁، فلما صلَّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ)، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينبَ بنتِ جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لِتُؤَمِّرَنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِعُ إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنبَغِي لَآلِ مُحَمَّد)، وفي رواية أبي عوانة: (لَا يَنبَغِي لمحمد ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ) وكان على الخمس، وفي رواية أبي عوانة: (والعشور)، (وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، قال: فجاءاه، فقال لمَحْمِيَة: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ) - للفضل بن العباس - فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: (أَنكِح هَذَا الغُلَامَ ابْنَتَكَ) - لي -
[ ١٥٨ ]
فأنكحني، وقال لمحمية: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا)، وَكَذَا، قال الزهري: ولم يسمه لي) (^١).
وفي رواية أبي عَوانة: (وَأَبَا سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ) بدل نوفل بن الحارث، وقال: أبو سفيان هو نوفل بن الحارث.
وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه: فألقى عَلِيٌّ رداءه ثم اضطجع عليه فقال: أنا أبو حسن القَرْمُ، وفي نسخة أنا أبو حسنٍ القَوْم، والله، لا أَرِيمُ مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْرِ ما بَعَثْتُما به، وفي هذه الرواية: فقال رسول الله ﷺ: (ادعُوَا لِي مَحمِيَّةَ بْنَ جَزءٍ)، وهو رجل من بني أسد، كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.
(رَبِيعَةُ بنُ الْحَارِثِ): بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ، و(العَبَّاسُ): عمه، و(عَبدَ الْمُطَّلِبِ): هو ابن ربيعة، و(الفَضلُ): هو ابن العباس، وهم جميعا من بني عبد المطلب، وصلِيبَةُ بني هاشم وبني المطلب حرمت عليهم الصدقة المفروضة، وجعل لهم نصيبهم من خمس الخمس عوضا منها.
وقوله: (فَأَمَّرَهُمَا): من الإمرة؛ وهي الولاية، (فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ) يعني ما يكون للمسلمين من الحق في تلك الصدقات، (وَأَصَابَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ) (^٢) يعني من أجر العمل، وقوله: (وَاللهِ، لَو بَعَثْنَا هَذَيْنِ الغُلَامَيْنِ) لفظه لفظ القسم، وليس بقسم، إذا أرادوا تأكيد الكلام أدخلوا فيه هذا اللفظ، وقوله: (قَالَ لِي) هذا كلام عبد المطلب بن ربيعة، أي: قال العباس، أو قال ربيعة هذا الكلام
_________________
(١) برقم: ١٠٧٢، وأخرجه أحمد برقم: ١٧٥٢٦، وأبو داود برقم: ٢٩٨٥.
(٢) اللفظ عند مسلم وغيره: (مَا يُصِيبُ).
[ ١٥٩ ]
لأجلي وفي حقي، ولأجل الفضل وفي حقه، يعني: قولهما: (لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ)، وأظن في نسخة: (قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ) (^١)، وقوله: (فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ) أي: قصده بالكلام، وقوله: (إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) التنافسُ: الحسد، وشيء مُنْفِسٌ ونفيس أي: يحسد به، وقوله: (نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّهْرُ هاهنا بمنزلة المُصَاهَرة، قال:
فَجئْت ابْن أَحْلَام النيام وَلم تَجِد … لصهرك إِلَّا نَفسها من تباعل (^٢)
يقال لأهل بيت الخَتَنِ (^٣)، وأهل بيت المرأة جميعا: أصهار، وقوله فقال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) أي: ما في قلوبكما، أي ما تَجْمعان في صدوركما، وكلُّ شيء جمعته فقد صَرَرْتَهُ، فإذا أردت التأكيد شددته فقلت صررته، وقوله: (وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ) أي: وقت النكاح، وقوله: (تُلْمعُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) يقال: لمَعَ الطائر بجناحيه إذا خَفَق بهما، ولَمَع الرجل بيده إذا أشار بها، ويقال: للجناح مِلْمَعٌ، قال حُمَيْدُ:
لَهَا مِلْمَعانِ، إِذا أَوْغَفَا … يَحُثَّانِ جُؤْجُؤَها بالوَحَى (^٤)
يصف قَطاة (^٥)، يقول لها جناحان تحركهما إذا أسرعت الطيران، يحث
_________________
(١) كما في الطبعة التركية لصحيح مسلم: ٣/ ١١٨.
(٢) البيت للشاعر زُمَيل بن أُبَيْر الفزاري، ديوان الحماسة بشرح التبريزي ٢/ ١٧٨، وبشرح الأصفهاني ١٠٠٥.
(٣) قال الخليل بن أحمد: (ولا يقال لأهل بيت الختن إلا أختان، ولأهل بيت المرأة إلا أصهار. ومن العرب من يجعلهم كلهم أصهارا) العين ٤/ ٤٧١.
(٤) القائل حميد بن ثور الهلالي، المعاني الكبير لابن قتيبة: ١/ ٣٠٧، لسان العرب: ٨/ ٣٢٥، ديوانه: ص ٤٧.
(٥) (القطا: طائر معروف، سمي بذلك لثقل مشيه، واحدته قطاة). لسان العرب ٨/ ٣٢٥.
[ ١٦٠ ]
ذلك الجناحان الصدرَ على موافقتهما، فيُسمعُ لذلك صوتٌ، ووَحْيُ الجناح حَفِيفُ صَوتِه.
وقوله: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ - للفضل بن العباس) أي: قال ذلك لأجل الفضل بن العباس كما ذكرناه، وكذلك قوله: (ابْنَتَكَ - لي -)، وقوله: (أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَوْمُ)؛ قوله: (الْقَرْمُ): قال أهل اللغة: القَرْم: السيد، وقال صاحب المجمل: القَرْم: السيد؛ شُبِّه بالقرم: وهو الفحل المكرم؛ لا يُحمل عليه؛ بل يترك للفحلة) (^١)، ومن رواه: (أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ) (^٢) بالواو، كأنه جعل الكلمتين كلمة، وأخرجها من باب الكنية إلى باب الاسم، وأضافه إلى القوم، ومعناه: أنا رجل القوم، وأنا فطِن القوم، وأنا ذو رأي القوم، وقوله: (لَا أَرِيمُ مَكَانِي) أي: لا أبرح مكاني، وقوله: (بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ) أي: بجواب ما بعثتما به، يقال: كلمته فما رجع إليّ حوارًا وحَوِيرًا وحَوْرًا ومَحُورَةً يعني: جوابًا، وقوله: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ)؛ أظن أن الصواب من بني زُبَيْدٍ، ولم يحضرني في الوقت كتابٌ أنظر فيه فأتقنُه (^٣).
_________________
(١) ابن فارس، مجمل اللغة: ٧٤٩.
(٢) وكذا عند أحمد ١٧٥١٨، وابن خزيمة: ٢٣٤٢، وهي رواية عند مسلم، قال عياض ﵀ بعد ذكر رواية: (القرم): ورواه عامة الرواة عن مسلم: أنا أبو حسن القَوْمِ بالواو وخفض الميم على الإضافة أي: رجل الجماعة وذو رأيها وكان أبو بحر يرفع الميم ويجعل القوم مبتدأ لما بعده) مشارق الأنوار: ٢/ ١٨٢، وقال ابن الجوزي ﵀: وقد رواه بعض المحدثين: أنا أبو حسن القوم، وهو غلط وقلة معرفة بالكلام) كشف المشكل من حديث الصحيحين ٤/ ١٨٠.
(٣) على هذا رواية أبي داود: ٢٩٨٥، وابن خزيمة: ٢٣٤٢، وفي إكمال المعلم: ٣/ ٦٢٧: (هكذا قال مسلم: هو رجل من بني أسد، والمحفوظ: من بني زبيد)، وهو محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي، حليف بني جمح، أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة، وتأخر رجوعه منها، وأول مشاهده المريسيع، وكان النبي ﷺ قد استعمله على الأخماس،=
[ ١٦١ ]
وفي الحديث: دليل على جواز طلب الولاية إذا كانت بحق، ودليل على جواز طلب المعاش من حل، وجواز إعطاء العالة، ودليل أن خمس الخمس جُعل لأهل بيت النبي ﷺ عِوضا من الصدقة.