[٧٠] حديث أبي هريرة ﵁: (فَأُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمَرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّق بِهَذَا فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَينَ لَابَتَيهَا أَهْلُ بَيتٍ أَحوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا) (^٣)، قيل: العَرَق: القُفَّة الكبيرة، وقيل: السَّفِيفَة المنسوجة من الخُوصِ (^٤) وغيره، وقيل: العَرَقُ: الزِّنْبيل، وقيل: يقال لكل شيء مضفور: عرَق (^٥).
في الحديث: دليل على أن على المُجامِع متعمدا في نهار رمضان القضاءَ والكفارةَ، وفيه: أن من قدر على عتق الرقبة، لم يجزئه الصيام ولا الإطعام، لأنه
_________________
(١) رواية أحمد: ٧٣٨٨ لحديث أبي هريرة.
(٢) في الأصل: (الذي لا يخالف) ولا شك أنه معنى غير مراد.
(٣) أخرجه برقم: ١١١١ بلفظ: (قال: أفقر منا؟)، وعند البخاري برقم: ١٩٣٦ بلفظ: (أعلى أفقر منا).
(٤) السفيفة شيء ينسج من الخُوص كالقفة والزنبيل، والخُوصُ ورق النخل ونحوه.
(٥) ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ١٠٥.
[ ١٨١ ]
قدَّم العتق ثم نَسَقَ عليه الصيام ثم الإطعام، وقال مالك: هو مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام، وحكي عنه أنه قال: الإطعام أحب إليّ من العتق (^١).
وفي قوله: (هَل تَجِدُ مَا تُطِعِمُ سِتِّينَ مِسكِينًا؟)، وقوله: (تَصَدَّق بِهَذَا) دلالة أن كفارة الإطعام لكل مسكين مدٌّ، لأن خمسة عشر صاعا (^٢) إذا قُسِمت بين ستين لم يخُصَّ كل واحد منهم أكثر من مد، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: يُطعِم كلَّ مسكين نصفَ صاع (^٣).
وفي رواية: (وَصُمْ يَومًا، وَاسْتَغْفِرِ الله) (^٤) فيه بيان أن صوم ذلك اليوم الذي هو القضاء، لا يدخل في صيام الشهرين.
قيل: وقول الرجل: (أَصَبتُ أَهْلِي) سؤال عن حكمه وحكمها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه ومنها معًا، ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة، فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل، دل أن ذلك يجزي عنهما (^٥).
وقد اختلف الناس في تأويل قوله: (كُلهُ) و(أَطْعِمهُ أَهْلَكَ) فقال الزهري (^٦):
_________________
(١) خلافا للجمهور ينظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٢١، الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٣٤، بداية المجتهد ٢/ ٦٧، النوادر والزيادات ٥/ ٥٢، مناهج التحصيل ٢/ ١٤٦.
(٢) حسب ما ورد عند أبي داود برقم: ٢٣٩٣: (فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا).
(٣) الحاوي الكبير ٢/ ٤٣٣، بداية المجتهد ٢/ ٦٧.
(٤) رواية أبي داود المشار إليها.
(٥) معالم السنن: ٢/ ١١٧.
(٦) عند أبي داود: ٢٣٩١: زاد الزهري، وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير، وينظر: معالم السنن: ٢/ ١١٩، إكمال المعلم: ٤/ ٥٦، فتح الباري: ٤/ ١٧١.
[ ١٨٢ ]
هذا خاص لذلك الرجل، وقال غيره: هذا منسوخ (^١)، وقال البويطي: وجبت عليه الرقبة، فلم يكن عنده ما يشتري به رقبة فقيل له: صم، فلم يطق الصوم، فقيل له: أطعم ستين مسكينا، فلم يجد ما يطعم، فأمر له النبي ﷺ بطعام ليتصدق به، فقال: ليس بالمدينة أحوج مني، فلم ير له أن يتصدق على غيره، ويتركَ نفسه وعيالَه، فلما نَقَص من ذلك، بقدر ما أطعم أهلَه لِقوت يومهم، صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت، وكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمفلس يُمهَل ويؤجل (^٢).
وقوله: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) يريد حَرَّتَيْ المدينة، واحدتها لَابَةٌ، وفي رواية هشام بن سعد عن ابن شهاب خارج الصحيح: (فَأُتِيَ بِعَرَقٍ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا) (^٣)، وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغَيْرَنَا؟) يعني: أَتُعْطِي غيرَنا، أو تريدُ بذلك غيرنا.
_________________
(١) ذكر هذا القول جملة من العلماء، ولعل القصد ما ذهب إليه سعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، وقتادة من عدم إيجاب الكفارة حتى على المجامع، وكأنهم يرون أن حكم الكفارة في الحديث منسوخ بالزيادة الواردة في آخره عند أبي داود برقم: ٢٣٩٣: (وصم يوما واستغفر الله)، وعند ابن ماجة برقم: ١٦٧١: (وصم يوما مكانه) ينظر: معرفة السنن والآثار ٨٦٩٤، شرح السنة للبغوي: ٦/ ٢٨٤، الإشراف لابن المنذر: ٣/ ١٢١.
(٢) نقل عنه ذلك الخطابي في معالم السنن: ٢/ ١١٩، وقال: (وأحسن ما سمعت فيه - أي: في تأويل الحديث - قول أبي يعقوب البويطي) وذكره، وفي أعلام الحديث له ٢/ ٩٦٥: أن أبا بكر الأثرم سأل عنه البويطي فأجابه بذلك.
(٣) سبق تخريجها من سنن أبي داود: ٢٣٩٣، وهي بهذا اللفظ عند الدارقطني: ٢٣٠٥.
[ ١٨٣ ]