[٩] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِن نَارٍ، فَأُحمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهِرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَت أُعِيدَت لَهُ، فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ إِبِلِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، أَوفَرَ مَا كَانَت، لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَحْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخرَاهَا، فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنهَا شَيْئًا، لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ، وَلَا جَلحَاءُ، وَلَا عَضبَاءُ تَنطَحْهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: (الخَيلُ ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِترٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ (^١)، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ
_________________
(١) سقط من الحديث: (فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ).
[ ١٢٨ ]
الإِسلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِترٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَم يَنسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورهَا) وذكر الحديث (^١).
قوله: (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا)، الضمير في الظاهر راجع إلى الفضة، ومن حيث المعنى، راجع إلى الذهب والفضة جميعا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قيل المعنى: الذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه، والفضة ولا ينفقونها، اكتفى بضمير أحدهما عن الآخر، قال الشاعر:
أَنْتَ بِمَا عِنْدَنَا وَنَحْنُ بِمَا … عندك راضٍ، والرّأي: مُختلفُ (^٢)
والمعنى: راضيان، وقوله: (صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ) الصَّفيحة: الحجارة العريضة، والجمع صفائح، و(صُفِّحَت) أي: عُرضت وجعلت عَريضة، قال طرفة:
تَرَى جُثوَتَينِ مِنْ تُرابٍ، عَلَيهِما … صفائحُ صُمٌّ مِنْ صَفيحٍ مُنَضَّدِ (^٣)
يصف قبرين جعل عليهما التراب، والجثوة: التراب المجموع.
وقوله: (كُلَّمَا بَرَدَت)، كذا [في] (^٤) الكتاب، وفي نسخة (رُدَّت) (^٥)،
_________________
(١) أخرجه برقم: ٩٨٧، وأخرج البخاري طرفا منه: ٢٨٦٠.
(٢) حصل للمؤلف قلب في صدر البيت، وصوابه: (نَحنُ بما عندنا وأنتَ بما)، وهو لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، ينظر: جمهرة أشعار العرب: ٥٣١، البيان والتبيين: ٣/ ٦٩.
(٣) من معلقة طرفة بن العبد البكري، ينظر جمهرة أشعار العرب: ٣٢٨، شرح المعلقات السبع للزوزني: ١١٠.
(٤) عدم وضوح في الأصل.
(٥) في المفهم: ٣/ ٢٥ (وقوله: كلما بَرَدَت أُعِيدَت؛ كذا رواية السجزي، ولكافة الرواة: كلما رُدَّت، =
[ ١٢٩ ]
والمحفوظ (نَفَذَت) (^١)، أي: مضت، يقال: نَفَذ الشيء نفاذًا، وهو نافذ في أمره، أي: ماض، ونفَذَ السهم في الرمية نفاذا، وأَنْفَذْتُه أنا.
وقوله: (فَيُرَى سَبِيلَهُ)، سبيله نصب مفعول ما لم يسم فاعله، وضمير اسم ما لم يسم فاعله مستكن في يرى، أي: يعرف إما طريق الجنة، وإما طريق النار فيسلكُه، يعني: إن تفضل الله عليه وعفا؛ سلك طريق الجنة، وإن آخذه بذلك وعاقبه العقوبة الشديدة؛ سلك طريق النار.
وقوله: (وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا) فيه دليل على أن في المال حقوقا سوى الزكاة، منها: حلبها يوم وردها، يعني: يحلبُها على الماء يوم ترد الإبل الماء، فيسقي اللبن من يحضر الماء، وقوله: (بُطحَ لها)؛ أي: بُطِح صاحب الإبل للإبل، يقال: بَطَحْتُه: أي: ألقيته على وجهه، و(القَاعُ): المكان المستوي الذي ليس فيه ارتفاع ولا انخفاض، وجمعه: قِيعَان؛ وقِيعَة، و(القَرقَرُ): المكان الأملس، وقوله: (أَوْفَرَ مَا كَانَت) أي: أكثر ما كانت في الدنيا، وهو نصب على الحال، (لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا) أي: لا يغيب عنه منها فَصيلٌ، والفَصيلُ: ولد الناقة.
وقوله: (لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ)، أي: ملتويةَ القرن، (وَلَا جَلحَاء): وهي التي لا قرن لها، (ولَا عَصْبَاءَ): وهي المكسورة القرن، وقوله: (نِوَاء)؛ يقال: ناوأه مناوأة، ونوى أي: عاداه معاداة، أي: ربطها لمعاداة أهل الإسلام وليقاتلَهم عليها، و(المَرجُ): المرعى، و(الطِّوَلُ): الحبل الذي يُشد به الفرس، و(اسْتَنَّت)
_________________
(١) = والأول هو الصواب، فتأمله فإنه هو المناسب للمعنى).
(٢) كذا في رواية ابن خزيمة: ٢٢٥١، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧٢٨٤.
[ ١٣٠ ]
أي: عدت ومرجت في الطِّوَل، وفرس سنين؛ أي نشيط، وقال أبو عبيدة (^١): الاستنان: أن يحضر وليس عليه فارس، وقوله: (شَرَفًا، أَو شَرَفَين)؛ أي: طلَقا أو طلَقين (^٢)، يقال: عدا طلَقا أو طلَقين، وقوله: (مَا أُنزِلَ عَلَيَّ فِي الحُمُرِ شَيءٌ، إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ) يعني: المنفردة في معناها، الجامعة لأعمال البر كلِّها، دقيقها وجليلها، ولأعمال الشر دقيقها وجليلها.
و(الآثار): جمع الأثر، يعني: آثارَ سيرها في الأرض، و(الأَروَاث) جمع روث، وفي الحديث الآخر: (فَلَا تُغَيِّبُ شَيئًا فِي بُطُونِهَا) يعني: من الكلإ والماء، وقوله: (فِي عُسرِهَا وَيُسرِهَا) أي: في حال قلّتها وكثرتها، وهُزالها وسِمَنها، وقوله: (بَذَخًا): كِبرا ورِئاء؛ أي: مراءاة.
* * *
[١٠] وفي رواية جابر: (لَيسَ فِيهَا جَمَّاءُ) (^٣) الجمَّاء: أي: التي لا قرن لها، و(الشُّجَاعُ): الحية الذَّكَر، و(الأَقرَعُ): الذي لا شعر على رأسه [لكثرة] (^٤) السُّم فيه، (فَيَقضَمُهَا)؛ أي: يعضُّها، يقال: قضمت الدابة شعيرها تقضَمُه، (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا)؛ أضاف الدلو إليها لأنه يستقي به لها، أي: يُعير الدلو الذي يستقي به الماء، ليستقي هو به أيضا؛ فيسقي إبله، (وَإِعَارَةُ فَحَلِهَا): لينزو على الأنثى، (وَمَنِيحَتُهَا): هو أن يعيرَ غيرَه ناقتَه ليحلُبَها مدة، وينتفعَ بلبنها ثم يردُّها، (وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله) أي يحمل عليها الغزاة في سبيل الله.
_________________
(١) الغريبين في القرآن والحديث: ٣/ ٩٤١، نسبه لأبي عبيد.
(٢) (هو بالتحريك: الشوط والغاية التي تجري إليها الفرس) النهاية ٣/ ١٣٤.
(٣) أخرجه مسلم برقم: ٩٨٨، وأحمد برقم: ١٤٤٤٢.
(٤) في الأصل: (أكثره)، وهو تصحيف.
[ ١٣١ ]
وفي هذا الحديث تأكيد أمر الزكاة، وفيه: الإيعاد لمانع الزكاة، وقوله: (قَعَدَ لَهَا) المشهور: (أقعِدَ لَهَا) (^١)، ويحتمل أن يكون قعد لازما ومتعديا، ويحتمل أن يُعَدَّى بالتشديد، إن كانت رواية تساعده.
[١١] وفي حديث جرير ﵁: (فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا) (^٢)، المُصَدِّق: الساعي الذي يأخذ الصدقة، وفي الحديث: دليل على معرفة حق الولاة، وفي قوله: (أَرضُوا مُصَدِّقِيكُم) دليل على أن المتظلم لا يُقبل قوله، إلا بعد الوقوف على صحته.