كما نرى الإمام الأصبهاني في كتاب التحرير أصوليا ضليعا، يعمل مجموعة من القواعد والأصول، ما يدل على تمكنه من جميع أدوات الاجتهاد، وهو القائل في موضع من هذا الكتاب: (إِنَّمَا يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَو أَكثَرِهِمَا مِمَّا لَابُدَّ مِنْهُ، وَبِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَبِلِسَانِ العَرَبِ، وَكَانَ لَهُ مَعرِفَةٌ، يَفصِل بَينَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ، وَبَينَ القَوِيِّ مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالضَّعِيفِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ حَكَمَ بِحُكمٍ؛ فَإِن كَانَ مُصِيبًا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِن كَانَ مُخطِئًا فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجتهَادِه) (^١).
ومن الأمثلة على جملة ما ذكره من القواعد:
* الاجتهاد والقياس: قال ﵀: (وَفِي الحَدِيثِ أَنّ الحَادِثَةَ يُطلَبُ حُكمُهَا مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، فَإِن لَم يَأْتِ بهِ كِتَابٌ وَلَم تَمضِ بِهِ سُنَّةٌ، يُقَاسُ الأُمُور بَعضُهَا بِبَعضٍ، وَيُؤخَذُ بِأَقرَبِهَا شَبَهًا بِالحَقِّ، فَيُحكَمُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّغلِيبِ؛ لَا عَلَى سَبِيلِ القَطعِ) (^٢)
* الخاص والعام: قال ﵀: (وقَسْمُ شَعرِهِ بَينَ النَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الشُّعُورِ، لأَنَّ الخُصُوصَ لَا يَخلُو مِن دَلِيلِ، وَإِذَا تَعَرَّى الخَبَرُ مِن دَلِيلِ الخُصُوصِ فَهُوَ عَلَى العُمُومِ) (^٣).
_________________
(١) ص ٣٨٤.
(٢) ص ٢٨٨ من هذا الكتاب.
(٣) ص ٣٢٨ منه.
[ ٨٢ ]
* المثبت مقدم على النافي: قال ﵀: (وَفِيهِ: أَنَّ حَدِيثَ بِلَالٍ أُولَى؟ مِن حَدِيثِ ابن عَبَّاس ﵄ أَنَّ النَّبِيَ ﷺ: (دَعَا وَلَم يُصَلِّ)، لِأَنَّ حَدِيثَ بِلَالٍ مُثبِتٌ، وَحَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ نَافٍ، وَالمُثبِتُ أَولَى مِنَ النَّافِي) (^١).
* دلالة الأمر على التكرار: قال ﵀: (في الحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ الأَمَرَ بِالشَّيءِ يَقتَضِي مَرَّةً وَاحِدَةً، إِلَّا أَن يَقتَرِنَ بِهِ دِلِيلُ التَّرَادُفِ، وَالنَّهِيَ يَقتَضِي التَّأبِيدَ؛ إِلَّا أَن يَقتَرِنَ بِهِ دَلِيلُ المَرَّةِ الوَاحِدَة) (^٢).
* الجمع أولى من الترجيح: قال ﵀: (وَسَبِيلُ الحَدِيثَينِ إِذَا اختَلَفَا في الظَّاهِرِ وَأَمَكَنَ التَّوفِيقُ بَينَهُمَا، أَلَّا يُحمَلَا عَلَى المُنَافَاةِ، وَلَا يُضَرَبَ بَعضُهَا بِبَعضٍ، لَكِن يُستَعمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوضِعِه) (^٣).
* دلالة المفهوم: قال ﵀: (وَفِي الحَدِيثِ إِنْبَاتُ الشُّفْعَةِ فِي الشَّرِكَةِ، وَلَيسَ فِيهِ نَفْيُهَا عَن المَقسُومِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وَلَكِنَّ دَلَالَتَهُ مِن طَرِيقِ المَفهُومِ ألَّا شُفعَةَ فِي المَقسُوم) (^٤).
وهذه نماذج فقط من القواعد التي أوردها المؤلف في سياق الشرح.
* * *
_________________
(١) ص ٢٥٠ من هذا الكتاب (التحرير).
(٢) ص ٢٥٢ من الكتاب.
(٣) ص ٣٣٣ من الكتاب.
(٤) ص ٣٥٧ من الكتاب.
[ ٨٣ ]