أخرج البخاري عن أبي بكرة -﵁- أنه انتهى إلى النبي وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي -ﷺ- فقال:
"زادك الله حرصًا، ولا تعد" وفي رواية قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: "أنا".
بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله -ﷺ: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: "أنا" ترجع إلى صور بلاغية متنوعة، فالصورة الأولى تعبر عن قيم خلقية وتشريعية مستمدة من هذا المشهد للصلاة، فالصورة الأولى قامت على الاستفهام في قوله: "أيكم"؛ وليس هنا على حقيقته وهو طلب الإجابة عن السؤال، لأن مقتضى
[ ٦٢ ]
البلاغة أن يكون الاستفهام للإنكار؛ فالنبي يشعر بما حدث أثناء الصلاة بصرف النظر عمن وقع فيه منه الحدث؛ لأن الحكم الشرعي يتعلق بالفعل، لا بذات الشخص، فهو قيمة خلقية وتشريعية عامة للمسلمين؛ فقد أنكر النبي -ﷺ- على أبي بكرة هذا الصنيع، بدليل أنه قال له بعد ذلك: "لا تعد" لمثل هذا، والصورة الثانية في قوله: "الذي ركع دون الصف" تدل على شعور النبي -ﷺ- بما حدث من الركوع قبل الصف وأحس به، وإن لم يره بعينيه، ولم يعرف شخصية الراكع؛ فهو يحتاج إلى الرؤية، وهذا الإحساس والشعور المبهم، يصوره اسم الموصول "الذي" المبهم لأنه لا يدل على تحديد شخص بعينيه، والصورة الثالثة في قوله -ﷺ: "ثم مشى إلى الصف"؛ فهي تصور قيمًا تشريعية، يدل عليها حرف العطف "ثم"؛ فهو يدل على التراخي والنهي عن السرعة، مما يدل على أن الاطمئنان في الركوع ضروري وركن من أركان الصلاة، بحيث لا تصح إلا به، وتدل على قيمة ثانية، وهي أن الحركة القليلة كالمشي لا تبطل الصلاة؛ لأنها خطوة أو خطوتان، وتدل على قيمة تشريعية ثالثة، وهي أن الركعة تحسب إلى الركوع لا بعد ذلك، وكذلك صلاة الجماعة عند بعض الفقهاء وإن كان الجمهور يرى قبيل التسليم ولو لحظة.
التصوير الأدبي لبلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله -ﷺ: " زادك الله حرصًا ولا تعد" من خلال صور بلاغية نبوية اتصفت بما اختص به النبي -ﷺ- بجوامع الكلم من بين أنبياء الله ﷿؛ فالتصوير الأدبي هنا؛ وإن كان موجزًا؛ لكنه يضم صورًا بلاغية، تحمل قيمًا أخلاقية وتشريعية كثيرة، وهي غنية بروافدها وعناصرها التصويرية، وذلك من الجملة الخبرية في قوله: "زادك الله حرصًا"؛ فهي تدل على الدعاء للصحابي الجليل، وهو الشأن في الجملة الإنشائية لا الخبرية؛ لكنها بلاغة الرسول
[ ٦٣ ]
-ﷺ، ومن الجمل الإنشائية، قوله: "ولا تعد"؛ فليس النهي هنا يدل على كراهية التحريم عند الجمهور، بل يدل على كراهة التنزيه، بدليل دعاء النبي للصحابي بزيادة حرصه، ولو كان للتحريم، لما دعا له الرسول -ﷺ، وسبب كراهة التنزيه، حتى لا يتشبه في مشيه راكعًا بالبهائم، وذلك لا يليق بحال المصلي، وفي هذا أيضًا دلالة على قيم تشريعية أخرى، وهي ألا صلاة لمنفرد خلف الصف. أي صلاة تامة لما رواه ابن خزيمة "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" وهو رأي الجمهور، وإن ذهب أحمد وإسحاق وابن خزيمة إلى التحريم، وكذلك عدم المنافاة بين إقرار الرسول لفعل الصحابي، وبين تصويب الفعل، وأيضًا صحة النية حالة الخطأ مع صحة تصحيحه بعد ذلك، وعلى المأموم أن يتبع الإمام في الحالة التي هو عليها، وغيرها من القيم الخلقية والتشريعية، التي دلت عليها روافد التصوير الأدبي، وعناصره من الأساليب الخبرية والإنشائية السابقة، كما ظهر ذلك واضحًا من جوامع كلم النبي -ﷺ.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- عدم المعارضة بين إقرار الرسول -ﷺ- وبين تصحيح خطئه في الدخول إلى صلاة الجماعة بركوعه قبل الصف.
٢- صحة النية حال الخطأ ودوامها بعد تصحيح الخطأ بعد ذلك.
٣- على المأموم أن يتبع الإمام في الحالة التي هو عليها.
٤- الحرص على صلاة الجماعة بدليل دعاء النبي -ﷺ- لأبي بكرة ﵁.
٥- أن المداخلات الخارجية في الصلاة لا تبطلها، وخاصة ما يقع اضطرارًا؛ لكن على المصلي أن يسد منافذها حسب طاقته، كلما أمكن بالحضور مع أقوال الصلاة وأفعالها وأركانها وسننها وهيئتها.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
[ ٦٤ ]