أخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
بلاغة التصوير الفني في التعبير الشريف عن تكفير العمرة لما قبلها من السيئات، وذلك في صورة متنوعة، فجاءت العمرة معرفة "بأل"، لتفيد التعريف، والعهد، والاستغراق، فالتعريف بمعنى العمرة المعروفة في تعاليم شريعة الإسلام سنة مؤكدة عند الأحناف والمالكية لحديث جابر -﵁- أن النبي -ﷺ- سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا وأن تعتمروا أفضل" وفريضة عند الشافعية وأحمد بن حنبل لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لأنها معطوفة على الحج وهو فرض، والأرجح أنها سنة مؤكدة، والعهد بمعنى العمرة المعهودة بأركانها من الإحرام مع النية والطواف حول الكعبة سبعًا، والسعي بين الصفا والمروة سبعًا،
[ ١١٨ ]
والحلق أو التقصير، والمعروفة بسننها المختلفة كالاغتسال قبل الإحرام ودعاء الطواف والملتزم وتقبيل الحجر الأسود، وركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، والشرب من ماء زمزم وغيرها، وتفيد الاستغراق بمعنى استغراق جميع الأركان والمشاعر والمناسك والواجبات والسنن، حتى تكون كاملة تامة، وكذلك جاءت "إلى" بمعنى "مع" أي العمرة مع العمرة كفارة لما بينهما، وفي هذه الصورة الفنية التي تكررت فيها العمرة، تحث على متابعة العمرة من حين لآخر، للحرص على تكفير السيئات تباعًا، كما أنها تفيد القصر والتأكيد، أي قصر التكفير على التتابع بين العمرات وتأكيده، لتعظيم الثواب الجزيل والأجر العظيم، فقد قصر الحديث الشريف تكفير السيئات على أداء العمرة بعد العمرة، أو قصر التكفير على السيئات التي كانت قبل أداء العمرة وإن طالت المدة قبلها، وكذلك تجد الصورة الأدبية في صيغة المبالغة في "كفارة" بالتشديد، تدل على محو جميع السيئات الصغائر والكبائر غير حقوق العباد في أرجح الأقوال عند العلماء، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فلا تبقي منها بقية، فالإبهام في دلالة "ما" اللغوية، تدل على هذا العموم والشمول لكل السيئات صغيرة كانت أم كبيرة، أما حقوق العباد ومظالمهم لا بد من ردها إلى أصحابها، أخرج ابن ماجة عن النبي -ﷺ- قال: "جزاء الحج جهاد والعمرة تطوع".
روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الحج المبرور في قوله: "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" في صور أدبية بليغة متنوعة، فالصورة الفنية في مفهوم "الحج" "بأل" التي تفيد التعريف والعهد والاستغراق، أي الحج المعروف في تعاليم الشريعة الإسلامية ركنًا من الأركان الخمسة، التي بني عليها الإسلام؛ فلا يتحقق الإسلام إلا بالتصديق بها، ولا تسقط عن المستطيع إلا بعد أدائها بنفسه أو ورثته من
[ ١١٩ ]
بعده من تركته أو من غير، وكذلك الحج المعهود بأركانه، وهي النية والإحرام من الميقات والطواف والسعي والوقوف بعرفة والحلق والتقصير، وبواجباته من المبيت بمزدلفة والمشعر الحرام ورمي الجمرات والمبيت بمنى، وطواف الوداع، والحج المعهود بسننه الكثيرة، وباجتناب محرماته وممنوعاته، والمعهود بنسكه من الهدي والأضحية وغيرها، ويفيد التعريف الاستغراق والشمول، فلا يكون تامًا إلا باستغراقه لجميع الأركان والواجبات والسنن والبعد عن المحرمات والممنوعات، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ .
والصورة الأدبية الثانية جاءت بلاغتها في اسمية الجملة، التي تقصر الخبر على المبتدأ الموصوف بصفة المبرور، فلا يتجاوزه إلى المتصف بالرياء والتظاهر والمخالط للرفث والفسوق والجدال والمعاصي، أما الصورة البليغة الثالثة في قوله: "ليس له جزاء إلا الجنة" فقد جاءت على سبيل القصر أيضًا والتأكيد بالنفي والاستثناء بمعنى أن الجنة مقصورة على جزاء الحج المبرور، لا يتجاوزه إلى المأزور غير المأجور تأكيدًا وتعظيمًا لثوابه الجزيل، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- بالإضافة إلى ما ذكره في التصوير النبوي للحديث الشريف للقيم الخلقية والتشريعية نذكر ما يلي:
٢- الحث على أداء العمرة وتكرارها كلما أمكن ذلك.
٣- متابعة العمرات تكفر ما بينهما من السيئات والأوزار.
٤- الحث على أداء فريضة الحج.
٥- الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
[ ١٢٠ ]