أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان".
بلاغة التصوير الأدبي في الجمع بين الصيام والقرآن معًا، ترجع إلى عناصر جمالية في الأسلوب النبوي الشريف، منها فضل شهر رمضان المعظم على بقية شهور السنة؛ لأن رمضان المبارك يجمع بين فضيلتين: إحداهما فضيلة الصيام بمعنى مقاومة الصائم لهوى النفس وشيطانها. حتى تصفو روحه، وتتهذب نفسه، ويصح جسده، ويقوى بدنه. وثانيهما: فضيلة قراءة القرآن في شهر اختصه الله تعالى بنزول كتابه المقدس لهداية الناس بقيمة الأخلاقية، ومبادئه التشريعية والإنسانية، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ ولهذا الفضل العظيم لهما بين الشهور والتشريعات السماوية استحق الشفاعة من أداهما ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ فالصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، ومن ذلك أيضًا الدليل على أن الشفاعة أنواع، منها الشفاعة العظمى للنبي -ﷺ، ومنها شفاعة الأعمال الصالحة ومنها شفاعة الصيام والقرآن، ومنها شفاعة العلماء والشهداء وغيرها قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ .
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه" وترجع روعة التصوير الفني إلى التشخيص وحيويته في الصيام، فقد شخص الصيام إنسانًا محاميًا يدافع عن الصائم يوم القيامة، ويذبُّ عنه عنف المحشر العسير ولفح النار ولهيبها، لينجو بصاحبه من الحساب الشديد ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، واعتمد أيضًا على عناصر الإمتاع والتأثير وعلى أدلة
[ ٩٧ ]
الإقناع، مما يعين على الاستجابة السريعة للشفاعة، فيقول الصيام: قد حرمته من ضروريات الحياة، وهي الطعام والشراب وكلاهما يحفظ النفس من الموت، ومن كماليات الحياة، وهي الحرمان من الشهوات والملذات، ومن منهيات الحياة ومحرماتها فلا يشهد الزور، ولا يقع منه اللغو ولا الغيبة والنميمة، ليلتزم بأخلاق الصيام وتعاليمه؛ لذلك جاءت آية استجابة الدعاء وقبول الشفاعة بين آيات الصيام قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
روعة التصوير البلاغي في قوله: "يقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه" فقد جاءت الصورة البلاغية أيضًا على سبيل التشخيص، حين كان التشخيص في القرآن خير مدافع لمن يقرؤه في ليل رمضان، ويعمل بقيمه وتشريعه في جميع الأحوال؛ فهو يستحق منه الدفاع والحماية، لينجو من عذاب القبر وعذاب القيامة في وقفة المحشر الرهيب، وشدة الحساب ولهيب جهنم، والحرمان من الجنة، ثم خص الصيام بالنهار لأنه مجاله من مطلع الفجر إلى مغرب الشمس قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ كما خص قراءة القرآن بالليل، لأن فيه أعظم العبادات وهي التهجد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، وللدلالة أيضًا على أن نزول القرآن الكريم كان ليلًا أيضًا، وفي ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ .
[ ٩٨ ]
القيم الخلقية والتشريعية للحديث الشريف:
١- ارتباط صيام رمضان بالقرآن الكريم دليل على أنهما متلازمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فنزول القرآن في شهر رمضان، رفع منزلة فريضة الصيام ومنزلة الشهر المبارك.
٢- يشفع الصيام لصاحبه يوم القيامة، فأداء فريضة الصيام على وجهها المشروع من المشرع الحكيم بمثابة السماح له بالشفاعة لصاحبه وإعطائه الأمر بها ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
٣- كذلك القرآن الكريم يشفع لمن يحفظه أو يتلوه ويرتله، ويستقيم على أوامره ونواهيه.
٤- أن الله ﷾ خص الصيام بالنهار ورغب فيه، وخص التهجد والقيام بالليل وحث عليه، وفي الحديث الشريف "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
٥- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
[ ٩٩ ]