أخرج البخاري عن أبي واقد الليثي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله -ﷺ- وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله -ﷺ؛ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله -ﷺ- قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؛ أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن جماعة كبيرة تنوعت إلى ثلاث جماعات، حسب تصرفاتها من مجلس العلم، في قوله: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله" تدل هذه الصورة الفنية
[ ١٨٣ ]
على قيم أخلاقية سامية، منها صورة أداة العرض والإثارة لأمر هام يحمل قيمًا تعليمية للناس، وذلك في قوله: "ألا أخبركم" عما أوحى الله إليَّ من أمر هؤلاء النفر: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾، ومنها صورة النفر الثلاثة تدل على أنهم ليسوا ثلاثة رجال فقط، بل هم ثلاثة نفر، والنفر هم جماعة دون العشرة، وهذا يدل على أنهم ثلاث جماعات، تنوعت حسب تصرفاتهم من مجلس العلم؛ فمنهم جماعة أوت، وثانية استحيت، وثالثة أدبرت، والصورة الفنية في قوله: "أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله" فكلمة "أحدهم" أي أحد الجماعات الثلاثة أوت إلى الله، فبلاغة "أوى" تدل على السرعة والحرص على القرب من الرسول -ﷺ، وفي سرعة الإقبال عليه وعلى العلم، دلالة على سرعة الإقبال على الله ومحبته؛ لأن "أوى" تجمع بين معاني الإسراع إلى الجلوس والإقبال والتلقي أكثر من التعبير بغيره، مثل: لجأ وقعد وجلس وغيرها، والصورة الفنية في قوله: "فأواه الله" بمعنى أن الله كان أسرع في الاستجابة في تفضله بالرحمة والرضوان؛ لدلالة فاء التعقيب السريع على ذلك، ثم انظر إلى الأسلوب البديع في المشاكلة والمجانسة بين الفعلين "أوى"، مع اختلاف الفاعل والمعنى، ليثير الانتباه ويوقظ الذهن والوجدان عن طريق التناسق بين اللفظين مع اختلاف المعنى؛ فأوى الأولى بمعنى الجلوس، والثانية بمعنى الرحمة من الله تعالى بالجالس ورضوانه عليه.
التصوير البلاغي في قوله -ﷺ: "وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه" يدل على قيم أخلاقية سامية، حين عبر عن النفر الثاني بأن اتخذوا موقفًا آخر، فآثروا الحياء وترك المزاحمة حياء من النبي -ﷺ، وممن حضروا قبلهم، أو حياء من ترك الجلسة العلمية كما فعل النفر الثالث، فجلسوا حيث انتهت بهم حلقة العلم، وفيه دلالة أيضًا على استحباب المزاحمة في
[ ١٨٤ ]
طلب العلم، حثا عليه وترغيبًا فيه، بشرط عدم الضرر والإيذاء، وعدم الفوضى والجلبة، وعدم التعدي على حقوق السابقين بعد أخذ مواقعهم من الجلسة العلمية لقوله -ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"، وقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وما أروع المجانسة في هذه الصورة الفنية بين الفعلين "استحيا" مما يثير الانتباه ويوقظ العقل والوجدان، ليكون أكثر إيمانًا واقتناعًا مع اختلاف المعنى فيهما، فالأول بمعنى انكسار يعتري الإنسان خوفًا من الذم، والثاني وهو "استحيا الله منه" ومعناه ليس كذلك، بل المراد منه لازمه، وهو الرحمة والقبول ورفع العقاب عنه.
التصوير الفني في بلاغة قوله: "وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه"؛ في صور فنية تعبر عن قيم تشريعية، تحذر فيها المسلم من الجهل والإعراض عن العلم، والنفور من الجماعة، وتفرقها؛ لترغيبه في العلم والإقبال عليه، والوحدة والترابط والحرص على الطاعة أمرًا ونهيًا، وذلك في تصويره الفني الرائع "فأعرض فأعرض الله عنه" بمعنى فأدبر عن المجلس وترك العلم والرحمة والرضوان، وآثر الجهل والسخط والعقاب، فاستحق ذلك، لأنه منافق أخبر النبي -ﷺ- بذلك عن الله تعالى، لحديث أنس -﵁: "فاستغنى فاستغنى الله عنه"، وفي ذلك جواز الإخبار عن أهل المعاصي زجرًا لغيرهم، وليس هذا من باب الغيبة المحرمة، ولا يخفى ما في هذه الصورة الفنية البديعة من التجانس بين الفعلين، فأعرض الأولى بمعنى أدبر وولى وترك المجلس، وأعرض الثانية بمعنى مختلف تمامًا، وهو الغضب والسخط والعقاب الشديد من الله تعالى، فالمعاني مختلفة والألفاظ متجانسة في الحروف والحركات؛ لتكون الصورة الفية أجمل إيقاعًا وأقوى تأثيرًا واقتناعًا، إنها بلاغة من اختص بجوامع الكلم -ﷺ.
[ ١٨٥ ]
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- المساجد بيوت الله ﷿ في الأرض وموطن الصفاء الروحي والحكمة والعلم والعبادة، فهي مصدر الإشعاع والتعليم والعبادة والتهذيب.
٢- حرص الصحابة على التعليم والأخذ عن النبي -ﷺ، فكانوا خير الناس وخير القرون والسلف الصالح -﵃ أجمعين.
٣- موقف الناس من تلقي العلم والجلوس في مجالسه ثلاثة، أفضلهم جميعًا هو الذي يزاحم إلى مجلس العلماء، ويسرع إلى الاغتراف من علمهم، ويحرص على المتابعة والتلقي والفهم، والمنافسة والتقدم على غيره في تحصيله، وأوسطهم هو الذي يقبل على مجالسه حيثما كان هو، وفي أي موقع من مجالسة، بلا مزاحمة أو تدافع أو منافسة؛ فهو يجلس حين ينتهي به المجلس، دون بحث عن فرجة قريبة أو مكان ملاصق للعالم؛ فالأول منهما أوى إلى الله فأواه الله، وتغشاهم بفضله ورحمته، ورفع منزلتهم عند الله لأنهم اختاروا الأفضل والأولى، وأما الثاني فلم يحرمه الله ﷿ من رحمته؛ لأنه استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث الذي ترك المجلس وأعرض عنه فأعرض الله تعالى عنه وغضب عليه.
٤- في هذا الحديث الشريف يحث الإسلام على التفوق العلمي، وعلى المنافسة فيه، لأنه دين العلم والتفوق البشري والعلمي؛ فبه يعتز المسلمون وينتشر الإسلام، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، لذلك فضل الله تعالى رسوله بالعلم والحكمة على سائر البشر: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .
[ ١٨٦ ]