أخرج البخاري عن عثمان بن عفان ﵁ عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله -ﷺ- قال: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة".
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله: "من بنى مسجدًا" حين تقول الناسُ على الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، معترضين على تجديد المسجد النبويِّ وتوسيعه؛ فرد عليهم إنكارهم
[ ٥٣ ]
واعتراضهم بالنص الصريح مدعومًا بالدليل الواضح حين قال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من بني مسجدًا " إلخ الحديث، وهذا يتفق مع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أجمع العلماء على أن عمارة المساجد تكون بالبناء والتجديد والتوسعة والزيادة والتجميل والتعليم والذكر، بدليل الواو قبل الصلاة في الآية؛ فإنها تقتضي المغايرة أي أن العمارة غير الصلاة، التي هي سبب تعمير بيوت الله تعالى.
وبلاغة التعبير بـ "مَنْ" تشمل كلَّ قادرٍ على المشاركة في البناء رجلًا أو امرأة صغيرًا أو كبيرًا، بنفسه وجهده أو بماله وأدواته، أو بقوله وحث الآخرين، كما يقتضي بناء المسجد كله أو بعضه، مهما قل حجمه، كما جاء في رواية ابن خزيمة عن جابر: "ولو كمفحص قطاة" بأن كانت الزيادة بمقدار مفحصها التي تضع بيضها فيه، وهذا ما يفيده التنكير في قوله: "مسجدًا" على أي هيئة من الهيئات السابقة.
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب في قوله: "يبتغي به وجه الله"، فصيغة الفعل "يبتغي" لها دلالتان، الأولى دلالة الوضع اللغوي، ومعناها الحب النابع من القلب لا من اللسان ولا من الجوارح، والثانية: دلالة المضارعة في الفعل على استمرار الحب وتجدده مع الأيام والعمر، وهذا ما يدل عليه المضارع، وفي تعلق الفعل -بمعنى الحب القلبي- إلى متعلقاته. "يبتغي به وجه الله" قمة البلاغة النبوية، في الدلالة على الإخلاص والصدق، لأنه الحبُّ القلبي الخالص لا لحاجة مادية ولا لغرض دنيوي أو
[ ٥٤ ]
انفعال وقتي، بل يعتمد على قيم سامية فهو شكرٌ لله تعالى على نعمائه، وطاعة وعبادة وتقديس لذاته مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
التصوير الفني في بلاغة الحديث الشريف في قوله: "بنى الله له مثله في الجنة"، فقد اعتمد التعبير على النسق الإيقاعي الجميل، والتوازن الموسيقي الجذاب، مما يهز العاطفة، ويثير الوجدان، لأنه يصدر عن أنغام تصدر عن طرح المقدمات في قوله: "من بنى مسجدًا"، وهو أسلوب الشرط، الذي يؤدي إلى استلزام الحكم، وحتمية النتيجة، والقرار، في أسلوب الجواب والجزاء، في قوله: "بنى الله له مثله في الجنة"، وهذه صورة فنية تجمع بين العاطفة والفكرة، وتتلاحم فيها الخواطر بالوجدان، ليكون الحكم فيها ملزمًا وقاطعًا، وهو تبشير من يعمر مساجد الله تعالى بالجنة أولًا، ومضاعفة الأجر فيها ثانيًا، وبلاغة التعبير بالمثل في الآخرة، لا يقتصر على نظير ما بُني في الدنيا فقط، فإن دلالة المثل الوضعية في اللغة، تجاوز ذلك بكثير، لأن المثل في الحديث الشريف له معانٍ منها: المعنى اللغوي وهو النظير، وقد يتكرر، ولا يقتصر على مرة واحدة، ومنها: المعنى البلاغي، وهو إضافة "مثل" النكرة إلى ضمير الهاء، بمعنى العموم والشمول، ليدل على تعدد المثل، فلا يقتصر على مدة واحدة، ومنها: المعنى البلاغي، وهو إضافة "مثل" النكرة إلى ضمير الهاء، بمعنى العموم والشمول، ليدل على تعدد المثل، فلا يقتصر على مدة واحدة، ومنها: المعنى الاصطلاحي في الشريعة الإسلامية، وهو مضاعفة الطاعة والعمل الصالح إلى أكثر من عشرة أمثال كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- فضل بناء المساجد وتعميرها وتوسعتها والتجديد فيها.
[ ٥٥ ]
٢- المساجد بيوت الله في الأرض فهي أولى بالبناء والتعمير والتجديد.
٣- حث المسلمين على تعمير المساجد وبنائها؛ فله مثلها في الجنة، ويضاعف الله تعالى لمن يشاء أضعافًا مضاعفة.
٤- أن يكون التعمير والبناء ابتغاء مرضاة الله ﷿ لا رياء وتظاهرًا.
٥- السير على سنن الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح والتابعين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
[ ٥٦ ]