أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله -ﷺ- قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة".
بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله -ﷺ: "من قال حين يسمع النداء" فقد جاء التعبير بـ "مَن"، ليدل على العاقل البالغ المكلف ذكرًا كان أو أنثى، وعبر بالقول للدلالة على التلفظ بالنداء قولًا مسموعًا، فلا يصح أن يجري على القلب سرًا، بل لا بد من الجهر والعلانية، وما أبلغ التعبير بالفعل المضارع لإفادة التكرار والتجدد والاستمرار، وما دام المؤمن مكلفًا لم يسقط عنه التكليف، فلا بد أن يردده حين يسمع النداء في اليوم والليلة
[ ٥٩ ]
عشر مرات، خمسًا لأذان الفريضة وخمسًا لإقامتها، وبلاغة التعبير "بالنداء" في الدلالة على وجوب التلبية لأمرين، للمناجاة بهذا الدعاء المأثور، وللاستجابة بأداء الجماعة في بيوت الله التي يصدر منها النداء، لأن صيغة النداء تقتضي الاستجابة للمنادى وتلبية ندائه؛ لذلك ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب صلاة الجماعة للفريضة في المساجد، ولو من باب فرض الكفاية، إذا قام بها بعضهم سقط عن الباقين، وذهب آخرون إلى أنها سنة مؤكدة، ويؤكد الوجوب حديث مسلم عن ابن عمر ﵄ فقد ورد بصيغة فعل الأمر في قوله: "قولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي".
التصوير الأدبي في التعبير بالمناجاة لله تعالى والصلاة على النبي -ﷺ- في قوله: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته"، وذلك في صور بلاغية متنوعة منها الأسلوب الإنشائي الذي يدل على النداء، ومناجاة الله ﷿ بلفظ الجلالة أي يا الله، وبلفظ الرب أي يا رب، فقد جمع الأسلوب الإنشائي بين الألوهية والربوبية، وهما أساس التوحيد وجوهر العقيدة الإسلامية، ومنها الأسلوب الخبري الذي يدل على التعظيم في اسم الإشارة "هذه"، وفي دلالة أداة التعريف على الاستغراق والكمال في "الدعوة التامة" و"الصلاة القائمة"، وتأكد هذا الاستغراق والكمال بوصف الدعوة بالتامة، ووصف الصلاة بالقائمة أي الباقية، قال الطيبي: الدعوة التامة من أول النداء إلى محمد رسول الله، والصلاة القائمة هي الحيعلة. ومنها الصورة البلاغية التي قامت على الأسلوب الإنشائي المثير، الذي تتفتح له منافذ الإدراك في النفس المتنوعة، فتتمكن قيمها الخلقية منها كل التمكن، لأنه قام على الإثارة والإقناع، وذلك في أسلوب الأمر
[ ٦٠ ]
الذي يدل على الدعاء والمناجاة، لا على وجوب تنفيذ المطلوب، فالله وحده هو الآمر الناهي في قوله: "آت محمدًا الوسيلة وابعثه مقامًا محمودًا"، وما أبلغ التعبير بالوسيلة أي المنزلة العالية في الجنة التي لا تنبغي إلا له، والتعبير بالفضيلة أي المرتبة الزائدة على المخلوقين، ثم ما أروع التعبير بالتنكير في قوله: "مقامًا محمودًا" للدلالة على التعظيم بما يتلاءم مع منزلة الرسول العظيمة عند الله ﷿، فمقامه يحمده الأولون والآخرون، وأكد هذا التعظيم فجاء الوصف بجملة اسمية، وهي "الذي وعدته" كما ورد في القرآن الكريم: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودا﴾، وهو مقام الشفاعة العظمى.
التصوير الأدبي في بلاغة أسلوب الشرط والجزاء في قوله: "من قال حلت له شفاعتي يوم القيامة" في صور فنية بليغة منها: ذلك التناسق الموسيقي في الإيقاع المتوازن بين جملة الشرط وهو "من قال حين يسمع النداء" إلخ، وبين جملة الجواب والجزاء في قوله: "حلت له شفاعتي"، فيحرك به المشاعر، ويهز الوجدان العامر بالإيمان الصادق، وبلاغة التعبير بقوله: "حلت له" بمعنى وجبت له الشفاعة، لأن التعبير بـ "حلت" أبلغ من "وجبت" فلا تجب الشفاعة للعباد على الله تعالى ولا على رسوله -ﷺ، بل هي تفضل وزيادة لمن ﵃، فيشفع لهم بعد أن يأذن الله له: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وإضافة الشفاعة للنبي محمد -ﷺ- تدل على أنها خاصة به من بين عباد الله وأنبيائه؛ فلا تكون لغيره كما ورد في الأحاديث الصحيحة أن الخلق يطلبون الشفاعة من الرسل السابقين؛ فلا يملكون لأنفسهم شيئًا، ويدفعونهم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وبلاغة التقييد بيوم القيامة للدلالة على أن الشفاعة خاصة بها ولا تكون لأحد في الدنيا.
[ ٦١ ]
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تشريع ترديد صيغة الأذان وقت الصلاة فنقول مثل ما يقول المؤذن.
٢- مشروعية الصيغة التي تقال عقب الأذان كما وردت في هذا الحديث الشريف.
٣- المأثور لمن استحق الوسيلة والفضيلة وهي أعلى منزلة في الجنة -ﷺ.
٤- من يحرص على ترديد الأذان والتعقيب عليه بهذا الدعاء المأثور استحق الشفاعة من الشفيع الحبيب -ﷺ.
٥- الحرص على أداء الصلاة في جماعة على خلاف بين الوجوب العيني أو الكفائي والسنة المؤكدة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
[ ٦٢ ]