- ولا غضاضة في هذا، فالعلم رزقٌ وعطاء من الله تعالى، وهو كثير وكبير وثقيل، ولا يَملك كلُّ إمام ناصيةَ كل علم أراد معرفَته، فقد قال الإمام أبو حامد الغزالي، وتَبِعَهُ الإمام ابن قدامة الحنبلي، في بعض مباحث الإجماع، في كتابيهما: "المستصفَى" و"روضة الناظر"، ما معناه: كم من عالم إمامٌ في علم، عاميٌّ في علم آخر.
قال الإمام أبو حامد الغزالي في آخر رسالته: "قانون التأويل": "واعلم أنَّ بضاعتي في علم الحديث مُزجاة". انتهى.
ومثلُ هذه الكلمة المملوءة بالتواضع، لا يقولها هذا الإمامُ العظيم والمحجاجُ الفريد حُجَّةُ الإسلام، لولا ما كان عليه من السلوك السَّنِي والخُلُق السَّنِي والخُلُق السُّنِّي: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
[ ١ / ٢٢ ]
فهل رأيت في هؤلاء الأدعياء المدَّعين للاجتهاد، من يُنصف الواقع والحق، فيقولُ عن نفسِهِ فيما لا يُحسنه مثلَ هذا؟!
خلق الله للعلوم رجالًا * ورجالًا لنَفْشَةٍ ودَعَاوي!
وقال الحافظ الإمام أبو عًمَر بن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (١٦٠: ٢)، تعقيبًا على قول الإمام أحمد: "من أين يَعرفُ يحيى بنُ معين الشافعي؟! هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل ﵀، إنَّ ابن معين لا يَعرفُ الشافعي. وقد حُكي عن ابن معين أنه سُئل عن مسألةٍ من التيمم، فلم يعرفها!
حدثنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن زهير، قال: سُئل يحيى بن معين وأنا حاضر، عن رجل خيَّر امرأتَه، فاختارت نفسَها؟ فقال: "سَلْ عن هذا أهلَ العلم". انتهى.
وجاء في "ذيل طبقات الحنابلة" للحافظ ابن رجب (١٣١: ١)، و"المنهج الأحمد" للعُلَيمي (٢٠٨: ٢)، في ترجمة (يحيى بن منده الأصبهاني): "قال فُوْرَان: ماتت امرأة لبعض أهل العلم، فجاء يحيى بن معين والدَّوْرَقي، فلم يجدوا امرأةً تغسِلُها إلاَّ امرأةً حائضًا، فجاء أحمد بن حنبل وهو جلوس، فقال: ما شأنكم؟ فقال أهلُ المرأة: ليس يجدُ غاسلةً إلاَّ امرأةً حائضًا، فقال أحمد بن حنبل: أليس تَرْوُون عن النبي ﷺ: "يا عائشة، ناولِيني الخمْرة، قالت: إني حائض، فقال: إنَّ حَيضَتَك ليست في يدكِ"، يجوزُ أن تغسِلَها، فخجلوا وبَقُوا! ". انتهى.