- قال الإمام المحقق ابن حجر المكي الهَيتَمي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى، في كتابه: "الخيرات الحِسَان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان" (ص ٩٨): (الفصلُ السابع والثلاثون في الرد على من قدح في أبي حنيفة، لتقديمه القياس على السنة):
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر [الإمامُ المحدِّث الفقيه المالكي الأندلسي، في "جامع بيان العلم وفضله" (١٤٨: ٢ وما تراه بين هاتين المعكوفتين [] هو من زيادتي على كلام ابن حجر الهيتمي من "جامع بيان العلم")، في (باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل) بعد أن نَقَل طائفةً من أقوال بعض المحدثين في الغَمز بأبي حنيفة]، ما يلي:
أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي، وتجاوزوا الحد في ذلك، لتقديمه الرأي والقياس على الآثار. وأكثَرُ أهل العلم يقولون: إذا صح الحديث بَطَل الرأي والقياس. وكان رَدُّهُ لما من أخبار الآحاد بتأويلٍ محتَمل. وكثيرٌ منه قد تقدَّمه إليه غيرُه، وتابَعَهُ عليه مثلُه [ممن قال بالرأي] .
وجُلُّ ما يُوجَدُ له من ذلك تَبِعَ فيه أهلَ علم بلدِه، كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلاَّ أنه أكثَرَ من ذلك هو وأَصحابُه. وغيرُهُ إنما يوجد له ذلك قليلًا.
[وما أعلمُ أحدًا من أهل العلم إلاَّ وله تأويلٌ في آية، أو مَذْهَبٌ في سُنة، فرَدَّ من أجل ذلك المذهب سُنَّةً أخرى بتأويلٍ سائغ، أو ادّعاء نَسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا، وهو يوجَدُ لغيره قليلًا] .
قال الليث بن سعد: أَحصيتُ على مالك سبعين مسألةً، قال فيها برأيه، وكلُّها مخالفةٌ لسنةِ رسولِ الله ﷺ، ولقد كتبتُ إليه أعِظُهُ في ذلك.
ومِن ثمة لمَّا قيل لأحمد بن حنبل: ما الذي نَقَمتُم على أبي حنيفة؟ قال الرأي،
[ ١ / ٤١ ]
قيل: أليس مالكٌ تكلَّم بالرأي؟ قال: بلى، ولكن أبو حنيفة أكثَرُ رأيًا منه، قيل: فهلاَّ تكلَّمتم في هذا بحصته وهذا بحصته؟ فسكت أحمد.
قال أبو عمر: ولم نجد أحدًا من علماء الأمة أثبَتَ حديثًا عن رسول الله ﷺ ثم رَدَّه إلاَّ بحُجَّة، كادِّعاءِ نسخ بأثرٍ مِثلِه، أو بإجماع، أو بعملٍ يجبُ على أصلِهِ الانقيادُ إليه، أو طعنٍ في سند. ولو رَدَّهُ أحدٌ من غير حجة لسقطَتْ عدالتُه فضلًا عن إمامتِه، ولَزِمَهُ اسمُ الفِسْق، ولقد عافاهم الله من ذلك.
ولقد جاء عن الصحابة ﵃ من اجتهاد الرأي والقولِ بالقياس على الأصول، ما يطولُ ذكرُه، وكذلك التابعون. وعدَّدَ ابنُ عبد البر منهم خلقًا كثيرين.
انتهى كلامُ ابن عبد البر، وفيه جوابٌ شافٍ عن ذلك القَدْح. والحاصلُ أنَّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقولِ بالقياس، بل على ذلك عمَلُ فقهاء الأمصار كما قاله ابن عبد البر، وبَسَط الكلامَ عليه رَدًَّا على من جَهِلَ فجعَلَ ذلك عَيْبًا". انتهى كلام ابن حجر الهَيْتَمي.
وهذا القَدْرُ من كلام الإمامين: ابنِ حجر المكي الشافعي، ابن عبد البر الأندلسي المالكي - إلى جانب كلام الإمام ابن تيمية الحَرَّاني الحنبلى - كافٍ في تجليةِ رَدِّ جرح الراوي بالعمل بالرأي، والله ﷾ أعلم.