- قد أورد بعض أعيان دهلي (هو الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي المتوفي ١٢٣٩ هجري. في الاصل: "الدهلي"، وهو تحريف) في كتابه "بستان المحدثين" المؤلف باللسان الفارسي في ذكر حال الموطَّأ، وترجمة مؤلِّفه، واختلاف نسخه، تفصيلًا حسنًا. وخلاصة ما ذكره فيه معرّبًا أن نسخ الموطأ التي توجد في ديار العرب في هذه الأيام متعددة.
[ ١ / ٨١ ]
النسخة الأولى: المروجة في بلادنا، المفهومة من الموطَّأ عند الإطلاق في عصرنا، هي نسخة يحيى بن يحيى المصمودي (انظر ترجمته في الإنتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص ٥٨ ٦٠، وشذرات الذهب ٢/٨٣)، هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بفتح الواو وسكون السين المهملة، ابن شملل، بفتح الشين المعجمة والللام الأولى بينهما ميم، ابن منقايا، بفتح الميم وسكون النون، المصمودي، بالفتح نسبة إلى مصمودة، قبيلة من بربر وأول من أسلم من أجداده منقايا على يد يزيد بن عامر الليثي، وأول من سكن الأندلس منهم جده كثير، وأخذ يحيى الموطّأ أولًا من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بالشبطون، وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك في الأندلس، ورحل إلى مالك للإستفادة مرتين، ورجع إلى وطنه واشتغل بإفادة علوم الحديث، وطلب منه أمير قرطبة قبول قضاء قرطبة فامتنع، وكان متورعًا زاهدًا مشارًا إليه في عصره، وفاته في السنة التي مات فيها الإمام الشافعي، وهي سنة أربع ومائتين، وارتحل يحيى إلى المدينة، فسمع الموطّأ من مالك بلا واسطة إلا ثلاثة أبواب من كتاب الإعتكاف: باب خروج المعتكف إلى العيد، وباب قضاء الاعتكاف، وباب النكاح في الاعتكاف، وكانت ملاقاته وسماعه في السنة التي مات فيها مالك، يعني سنة تسع وسبعين بعد المائة، وكان حاضرًا في تجهيزه وتكفينه، وأخذ الموطّأ أيضًا من أجل تلامذة مالك عبد الله بن وهب وأدرك كثيرًا من أصحابه، وأخذ العلم عنهم، ووقعت له رحلتان من وطنه، ففي الأولى أخذ عن مالك، وعبد الله بن وهب، وليث بن سعد المصري، وسفيان بن عيينة، ونافع بن نعيم القاري وغيرهم، وفي الثانية أخذ العلم والفقه عن ابن القاسم صاحب المدونة من أعيان تلامذة مالك، وبعدما صار جامعًا بين الرواية والدراية عاد إلى أوطانه وأقام بالأندلس يدرس ويفتي على مذهب مالك، وبه وبعيسى بن دينار تلميذ مالك انتشر مذهبه في بلاد المغرب، وكانت وفاة يحيى في سنة أربعة وثلاثين بعد المائتين، وأول نسخته بعد البسملة، "وقوت الصلاة"، مالك ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يومًا، وهو
[ ١ / ٨٢ ]
بالكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى معه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صلى الحديث.
النسخة الثانية: نسخة ابن وهب (أنظر ترجمته في: ترتيب المدارك ٢/ ٤٢١، تهذيب التهذيب ٦/٧٣، الديباج المذهب ١٣٣، طبقات الحفاظ ص ١٢٦): أولها: أخبرنا مالك عن أبي الزناد، وعن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث، وهذا الحديث من متفردات ابن وهب، ولا يوجد في الموطآت الأُخر إلاّ موطأ ابن القاسم. وهو أبو محمد عبد الله بن سلمة الفهري المصري، ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين بعد مائة، وأخذ عن أربع مائة شيخ، منهم مالك، وليث بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن، والسفيانان وابن جريج، وغيرهم، وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا، وكان تعلم طريق الاجتهاد والتفقه من مالك وليث، وكان في عصره كثير الرواية للحديث، وذكر الذهبي وغيره أنه وجد في تصانيفه مائة ألف حديث وعشرون ألف من رواياته، ومع هذا لا يوجد في أحاديثه منكر فضلًا عن ساقط وموضوع، ومن تصانيفه كتاب مشهور بجامع ابن وهب، وكتاب المناسك وكتاب المغازي، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب القدر وغير ذلك، وكان صنف كتاب أهوال القيامة، فقُرئ عليه يومًا، فغلب عليه الخوف، حتى عرض له الغشي، وتوفي في تلك الحالة يوم خامس شعبان سنة سبع وتسعين بعد مائة.
النسخة الثالثة: نسخة ابن القاسم، ومن متفرداتها: مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "قال الله: من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري فهو له كلّه، أنا أغنى الشركاء". قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث لا يوجد إلا في موطأ ابن القاسم وابن عفير.
وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري (انظر ترجمته في: وفيات الاعيان ١/٢٧٦، الديباج المذهب ١٤٦، حسن المحاضرة ١/٣٠٣، تذكرة الحفاظ ١/٣٥٦، طبقات السيوطي ١٤٨.)، ولد سنة
[ ١ / ٨٣ ]
اثنتين وثلاثين بعد مائة، أخذ العلم عن كثير من الشيوخ منهم مالك، وكان زاهدًا، فقيهًا، متورعًا، كان يختم القرآن كل يوم ختمتين، وهو أول من دون مذهب مالك في"المدونة" وعليها اعتمد فقهاء مذهبه، وكانت وفاته في مصر سنة إحدى وتسعين بعد مائة.
النسخة الرابعة: معن بن عيسى، ومن متفرداتها: مالك، عن سالم أبي النضر، عن أبي سلمة، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصلي من الليل، فإذا فرغ من صلاته، فإن كنت يقظانة تحدث معي، وإلاّ اضطجع حتى يأتيه المؤذن.
وهو أبو يحيى معن (له ترجمة في: الانتقاء لابن عبد البر ص ٦١، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٥٢، والديباج ٣٤٧)، بالفتح، ابن عيسى بن دينار المدني القّزاز، يعني بائع القز، الأشجعي، مولاهم، من كبار أصحاب مالك، ومحققيهم، ملازمًا له، ويقال له: عصا مالك، لأن مالك كان يتكئ عليه حين خروجه من المسجد بعدما كبر وأسن، وتوفي بالمدينة سنة ثمانية وتسعين ومائة في شوال.
النسخة الخامسة: نسخة القعنبي، ومن متفرداتها: أخبرنا مالك عن ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عباس أن رسول الله ﷺ قال: لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله.
وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي القعنبي (له ترجمة في: تذكرة الحفاظ ١/ ٣٨٣، والديباج المذهب ١٣١، والعبر ١/٣٨٢)، بفتح القاف وسكون العين، نسبة إلى جده. كان أصله من المدينة، وسكن البصرة، ومات بمكة، في شوال سنة إحدى وعشرون بعد المائتين، وكانت ولادته بعد ثلاثين ومائة، وأخذ عن مالك والليث وحماد وشعبة وغيرهم، قال ابن معين: ما رأينا من يحدث لله إلا وكيعًا، والقعنبي، له فضائل جمّة، وكان مجاب الدعوات، وعُدّ من الأبدال.
[ ١ / ٨٤ ]
النسحة السادسة: نسخة عبد الله بن يوسف (له ترجمة في: تهذيب التهذيب ٦/٨٨، تقريب التهذيب ١/٤٦٣) الدمشقي الأصل التِّنِّيسي المسكن إلى تنّيس، بكسر التاء المثناة الفوقية وكسر النون الممشددة بعدها ياء مثناة تحتية آخره سين مهملة، بلدة من بلاد المغرب، وذكر السمعاني أنها من (في الأصل: "من بلاد"، وهو خطأ) بلاد مصر. وثقه البخاري وأبو حاتم، وأكثر عنه البخاري في كتبه، ومن متفرداتها إلاَّ بالنسبة إلى موطّأ ابن وهب: مالك عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن عروة: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله الحديث.
النسخة السابعة: نسخة يحيى بن يحيى بن بكير أبو زكريا المعروف بابن بكير المصري (له ترجمة في: تذكرة الحفاظ ٢/٤٢٠، حسن المحاضرة ١/٤٣٧، شذرات الذهب ٢/٧١)، أخذ عن مالك والليث وغيرهما، وروى عنه البخاري ومسلم بواسطة في صحيحيهما، ووثقه جماعة، ومن لم يوثقه لم يقف على مناقبه، مات في صفر سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين. ومن متفرداتها: مالك عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ، عن عائشة أن رسول الله ﷺ، قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنّه". قلت: هذا الحديث موجود في موطّأ محمد أيضًا برواية مالك عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى (رقم الحديث ٩٣٥) .
النسخة الثامنة: نسخة سعيد بن عفير (له ترجمة في: تذكرة الحفاظ ٢/٤٢٧، وتهذيب النهذيب ٤/٧٤، وميزان الاعتدال ٢/١٥٥)، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري، أخذ عن مالك والليث وغيرهما، وروى عنه البخاري وغيره، ولد سنة ست وأربعين بعد مائة، توفي في رمضان سنة ست وعشرين بعد المائتين. ومن متفرداتها: مالك عن ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثابت بن قيس بن شمّاس، عن جده، أنه قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: نَهَانَا الله أن نُحمَد بما لم نفعل، وأجدني أحب أن نحمد الحديث. قلت: هذا موجود في موطّأ محمد أيضاّ.
[ ١ / ٨٥ ]
النسخة التاسعة: نسخة أبو مصعب الزهري (له ترجمة في: شذرات الذهب ٢/١٠٠، والانتقاء ص ٦٢، وترتيب المدارك ٣/٣٤٧)، أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من شيوخ أهل المدينة وقضاتها، ولد سنة خمسين مائة، ولازم مالكًا وتفقَّه، وأخرج عنه أصحاب الكتب الستة إلاَّ أن النسائي روى عنه بواسطة، توفي في رمضان سنة اثنتين وأربعين بعد المائتين، وقالوا موطّأه آخر الموطآت التي عرضت على مالك، ويوجد في موطّئه وموطّأ أبو حذافة السهمي نحو مائة حديث زائدًا على الموطّأت الأخر، ومن متفرداتها: مالك عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أن رسول الله ﷺ سئل عن الرقاب أيها أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها. وقال ابن عبد البر: هذا الحديث موجود في موطّأ يحيى أيضًا.
النسخة العاشرة: نسخة مصعب بن عبد الله الزبيري (له ترجمة في: ترتيب المدارك ٣/١٧٠ - ١٧٢، توفي سنة ٢٣٦ هـ، وطبقات ابن سعد ٥/٤٣٩)، قال بعضهم من متفرداتها: مالك عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال لأَصْحَابِ الْحِجْر: "لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ المعذّبين الإ أن تكونوا باكين " الحديث، وقال ابن عبد البر: هذا موجود في موطّأ يحيى بن بكير وسليمان أيضًا، قلت: وفي موطّأ محمد أيضًا.
النسخة الحادية عشر: نسخة محمد بن مبارك الصوري (له ترجمة في: تهذيب التهذيب ٩/٤٢٤، تقريب التهذيب ١/٢٠٤) .
النسخة الثانية عشرة: نسخة سليمان بن برد (له ترجمة في: ترتيب المدارك ٢/٤٦٠) .
النسخة الثالثة عشرة: نسخة أبي حذافة السهمي أحمد بن إسماعيل (تهذيب التهذيب ١/١٦، وميزان الاعتدال ١/٨٣)، آخر أصحاب مالك موتًا، كانت وفاته ببغداد سنة تسع وخمسين بعد المائتين يوم عيد الفطر، لكنه لم يكن معتبرًا في الرواية، ضعّفه الدارقطني وغيره.
[ ١ / ٨٦ ]
النسخة الرابعة عشرة: نسخة سويد بن سعيد أبي محمد الهروي (تهذيب التهذيب ٤/٢٧٢)، روى عنه مسلم وابن ماجه وغيرهما، وكان من الحفاظ المعتبرين، مات سنة أربعين بعد المائتين، ومن مفرداتها: مالك عن هشام عن عروة، عن أبيه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يقبض العلم إنتزاعًا.." الحديث.
النسخة الخامسة عشر: نسخة محمد بن حسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة، ومن مفرداته على ما سيأتي ذكره حديث "إنما الأعمال بالنية". هذا خلاصة ما في "البستان" مع زيادات عليه. وقد ذكر في "البستان" أيضا.
النسخة السادسة عشر: وهي نسخة يحيى بن يحيى التميمي، وقال إنّ آخر أبوابه باب ما جاء في أسماء النبي ﷺ، وقال فيه مالك، عن ابن الشهاب، عن محمد بن جببير بن مطعم، أن رسول الله ﷺ قال: لي خمسة أسماءٍ: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب.
وهو يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري المتوفَّي سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين (قال الحافظ في تهذيب التهذيب ١١/٢٩٦: مات في آخر صفر سنة ست وعشرين بعد المائتين. وله ترجمة في المدارك ٢/٤٠٨، والديباج ٣٤٩، والانتقاء ص ١٣، وتذكرة الحفاظ ٢/٤١٥. قال السيوطي في "االتنوير": ويحيى بن يحيى هذا ليس هو صاحب الرواية المشهورة الآن. مقدمة "أوجز المسالك" ١/٣٩)، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. قلت: هذا هو آخر (أي آخر أبواب نسخة المصمودي أيضًا) نسخة المصمودي الأندلسي المتعارفة في ديارنا وشرح عليها الزرقاني وغيره كما لا يخفى على من طالعه. وقد ذكر السيوطي في "تنوير الحوالك" (١/١٠) أربعة عشر نسخة، حيث قال في
[ ١ / ٨٧ ]
مقدمة "تنوير الحوالك": قال الحافظ صلاح الدين العلائي: روى الموطأ عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياتهم اختلاف في تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وأكثرها زيادةً رواية القعنبي، ومن أكبرها وأكثرها زيادة رواية أبي مصعب، فقد قال ابن حزم: في موطأ أبي مصعب زيادة عن سائر الموطآت نحو مائة حديث، وقال الغافقي في "مسند الموطأ" أي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الفقيه المالكي، المتوفي سنة إحدى وثمانين بعد ثلاث مائة (تزين الممالك ص ٤٨، الديباج المذهب ص ١٤٨): اشتمل كتابنا هذا على ستة مائة حديث وستة وستين حديثا، وهو الذي انتهى إلينا من مسند موطأ مالك، وذلك أني نظرت الموطأ من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك وهي رواية عبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن مسلمة القعبني، وعبد الله بن يوسف التّنيسي، ومعن بن عيسى، وسعيد بن عفير، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، ومصعب عبد الله الزبيري، ومحمد بن المبارك الصوري، وسليمان بن برد، ويحيى بن يحيى الأندلسي، فأخذت الأكثر من رواياتهم، فذكرت اختلافهم في الحديث والألفاظ، وما أرسله بعضهم، أو أوقفه، وأسنده غيرهم، وما كان من المرسل اللاحق بالمسند وعدة رجال مالك الذين روى عنهم في هذا المسند خمسة وتسعون، وعدة من روي له فيه من رجال الصحابة خمسة وثمانون رجلًا، ومن نسائهم ثلاث وعشرون إمرأ ةً، ومن التابعين ثماني وأربعون رجلًا، كلهم من أهل المدينة إلا ستة رجالٍ: أبو الزبير من أهل مكة، وحميد الطويل وأيوب السختياني من أهل البصرة، وعطاء بن عبد الله من أهل خراسان، وعبد الكريم من أهل الجزيرة، وإبراهيم بن أبي عبلة من أهل الشام،. هذا كله كلام الغافقي.
قلت: وقد وقفت على الموطأ من روايتين أخريين سوى ما ذكره الغافقي، أحدهما: رواية سويد بن سعيد، والأخرى برواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وفيها أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت، منها حديث "إنما الأعمال بالنية"، وبذلك تبين صحة قول ما عزا روايتة إلى الموطّأ، ووهم من
[ ١ / ٨٨ ]
خطّأه في ذلك، وقد بنيت في "الشرح الكبير" على هذه الروايات الأربعة عشر. انتهى كلام السيوطي.
قال الزرقاني في مقدمة شرحه (١/٦) بعد نقل قوله: وفيها أحاديث يسيرة إلخ: مراده الرد على قول "فتح الباري": هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا صاحب الموطأ (في الأصل: "إلا الموطأ"، وهو خطأ)، ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي بطريق مالك. انتهى. وقال في "منتهى الأعمال": لم يهم، فإنه وإن لم يكن في الروايات الشهيرة، فإنه في رواية محمد بن الحسن، أورده في آخر "كتاب النوارد" قبل آخر الكتاب بثلاث ورقات، وتاريخ النسخة التي وقفت عليها مكتوبة في صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وفيها أحاديث يسيرة زائدة عن الروايات المشهورة، وهي خالية من عدة أحاديث ثابتة في سائر الروايات. وانتهى كلام الزرقاني.
وفي "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" (لمصطفى بن القسطنطيني عبد الله الشهير بملاّ كاتب الجلبي المتوفي سنة ١٠٦٧ هجري. (ش»: قال أبو القاسم محمد بن حسين الشافعي (كشف الظنون ٢/١٩٠٨): الموطآت المعروفة عن مالك إحدى عشر معناها متقارب، والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى بن يحيى، وابن بكير، وأبي مصعب الزهري، وابن وهب، ثم ضعف الإستعمال إلا في موطأ يحيى، ثم في موطأ ابن بكير. وفي تقديم الأبواب وتأخيرها اختلاف في النسخ، وأكثر ما يوجد فيها ترتيب الباجي، وهو أن يعقب الصلاة بالجنائز ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم اتفقت النسخ إلى الحج، ثم اختلفت بعد ذلك، وقد روى أبو نعيم في "حلية الأولياء" عن مالك أنه قال: شاوَرَني هارون الرشيد في أن يعلّق الموطأ على الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقلت: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكلٌّ مصيب، فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله. وروى
[ ١ / ٨٩ ]
ابن سعد في"الطبقات" عن مالك أنه لما حجّ المنصور قال لي: عزمت على أن آمر بكتبك هذة التي وضعتها، فتُنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوا إلى غيرها فقلت لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم الأقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. كذا في عقود الجمان. انتهى.