- قال عبد الفتاح: هذا النص يفيدنا بجلاء أن المعرفة التامة بعلم الحديث - ولو من أولئك الأئمة الكبار أركان علم الحديث في أزهى عصور العلم - لا تجعل المحدث الحافظ (فقيهًا مجتهدًا) إذ لو كان الاشتغال بالحديث يجعل (الحافظَ): (فقيهًا مجتهدًا)، لكان الحفاظ الذين لا يُحصى عددهم، والذين بَلَغَ حفظ كل واحد منهم للمتون والأسانيد ما لا يحفظه أهل مصر من الأمصار اليوم: أولى بالاجتهاد ولكنهم صانهم الله تعالى فما زعموه لأنفسهم.
بل إن سيد الحفاظ الإمام (يحيى بن سعيد القطان) البصري، إمام المحدثين وشيخ الجرح والتعديل: كان لا يجتهد في استنباط الأحكام، بل يأخذ بقول الإمام أبي حنيفة، كما في ترجمة (وكيع بن الجراح) في "تذكرة الحفاظ" للحافظ الذهبي (٣٠٧: ١) . وفي "تهذيب التهذيب" (٤٥٠: ١٠) في ترجمة (أبي حنيفة النعمان بن ثابت): "قال أحمد بن
[ ١ / ١٩ ]
سعيد القاضي: سمعتُ يحيى بن معين - تلميذ يحيى القِطان - يقول: سمعتُ يحيى بن سعيد القطان يقول: لا نَكذِبُ اللَّهَ، ما سمعنا رأيًا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله". انتهى.
وكان إمام أهل الحفظ في عصره وكيع بن الجراح الكوفي، محدثُ العراق، لا يجتهدُ أيضًا، ويفتي برأي الإمام أبي حنيفة الكوفي، ففي "تذكرة الحفاظ" للحافظ الذهبي (٣٠٧: ١)، و"تهذيب التهذيب" (١٢٦: ١١ - ١٢٧): "قال حسين بن حبان، عن ابن معين - تلميذ وكيع -: "ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويَسرُدُ الصوم، ويُفتي بقول أبي حنيفة".
وكذلك هؤلاء الحفاظ الأئمة الأجلة، الذين عناهم الإمام إسحاق بن راهويه في كلمته المذكورة، ومنهم يحيى بن معين، كانوا لا يجتهدون، وقد أخبر عنهم أنهم كانوا يفيضون في ذكر طرق الحديث الواحد إفاضةً زائدة، فيقول لهم: ما مُرادُ الحديث؟ ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيبقون كلُّهم إلا أحمد بن حنبل.
وهذا عنوان دينهم وأمانتهم وحصافتهم وورعهم، إذ وقفوا عند ما يُحسنون، ولم يخوضوا فيما لا يُحسنون، وذلك لصعوبة الفقه الذي يعتمد على الدراية وعُمق الفهم للنصوص من الكتاب والسنَّة والآثار، وعلى معرفة التوفيق بينها، وعلى معرفة الناسخ والمنسوخ، وما أُجمعَ عليه، وما اختلف فيه، وعلى معرفة الجرح والتعديل، وقُدرةِ الترجيح بين الأدلة، وعلى معرفة لغة العرب، ألفاظًا وبلاغةً ونحوًا ومجازًا وحقيقةً
ومن أجلِ هذا قال الإمام أحمد، لمَّا سأله محمد بن يزيد المستملي - كما تقدم -، عن المحدث الحافظ الكبير (عبد الرزاق بن همام الصنعاني) صاحب التصانيف التي منها "المصنف"، وشيخ الإمام أحمد نفسِه، وشيخ إسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، أركان علم الحديث وروايته في ذلك العصر، وشيخ خلق سواهم، المتوفى سنة ٢١١ عن ٨٥ سنة: "أكان له فقه؟ فقال الإمام أحمد: ما أقلَّ الفقه في أصحاب الحديث! ".
[ ١ / ٢٠ ]
وروى الإمام البيهقي في "مناقب الشافعي" (١٥٢: ٢): "عن الربيع المُرادي قال: سمعت الشافعي يقول لأبي علي بن مِقلاص - عبد العزيز بن عمران، المتوفى سنة ٢٣٤، الإمام الفقيه -: تريد تحفظ الحديث وتكونُ فقيهًا؟ هيهات! ما أبعَدك من ذلك - ولم يكن هذا لبلادة فيه حاشاه -.
قلت - القائل البيهقي -: وإنما أراد به حفظه على رَسم أهل الحديث، من حفظ الأبواب والمذاكرة بها، وذلك علم كثير إذا اشتغل به، فربما لم يتفرغ إلى الفقه، فأما الأحاديث التي يحتاج إليها في الفقه، فلا بد من حفظها معه، فعلى الكتاب والسنة بناء أصول الفقه، وبالله التوفيق.
وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - هو الحاكم النيسابوري - قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المؤذن، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن الحسن يقول: سمعت إبراهيم بن محمد الصيدلاني يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو إسحاق بن راهويه - يقول: ذاكرت الشافعي، فقال: لو كنتُ أحفظ كما تحفظ لغلبت أهل الدنيا.
وهذا لأن إسحاق الحنظلي كان يحفظه على رسم أهل الحديث، ويَسرد أبوابه سردًا وكان لا يهتدي إلى ما كان يهتدي إليه الشافعي من الاستنباط والفقه، وكان الشافعي يحفظُ من الحديث ما كان يحتاج إليه، وكان لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتَبَه عليه، وذلك لشدة اتقائهِ لله ﷿، وخشيته منه، واحتياطه لدينه". انتهى.
قال عبد الفتاح: وفي كلٍ من هذين النصين الغاليين فوائد عظيمة جدًا، ففيه أن الجمع بين الفقه والحديث على رسم أهل الحديث متعذر - إلا لمن أكرمه الله بذلك - إذ قال الشافعي في هذا: هيهات!.
وفيه بيانُ الإمام البيهقي لهذا المعنى بجلاء ووضوح وهو إمام محدث وفقيه، فلكلامه مَقامٌ رفيع في هذا الباب.
وفيه دَعم الإمام البيهقي رحمه الله تعالى هذا الذي قاله في تفسير كلمة الشافعي
[ ١ / ٢١ ]
لابن مقلاص، بكلمة الشافعي لإسحاق بن راهويه ﵄، بشكل يَقطع لسان كل مشاغب على الفقهاء من رواة الحديث، بدعوى أنه أهل للاستنباط والفقه والاجتهاد في الأحكام.
فهذا يحيى بن معين إمامُ الحفظ للحديث، وإمامُ الجرح والتعديل، يقفُ ساكتاُ في مسألة جواز تغسيل المرأة الحائض للمرأة الميتة، حتى يأتيَ الإمام أحمد بن حنبل فيُفتيَهم بجواز ذلك، ويذكُرَ لهم دليلَه مما هو محفوظ لديهم كل الحفظ من عِدَّة طرق. كما سيأتي نقلُه قريبًا.
وهذا الإمام الشافعي يقول لإسحاق بن راهويه: لو كنتُ أحفظ ما تحفظ لغلبتُ أهل الدنيا. وفيه بيانً تميُّز الشافعي بالفقه، وتميُّزِ ابن راهويه بالحفظ، ولكنه لم يُمكِّي ابنَ راهويه أن يبلغ مبلغ الشافعي بالفقه، مع إقرار الشافعي له بالتفوق العظيم الباهر في الحفظ، لأنه كما قال البيهقي: كان يَسردُ الحديثَ سردًا، مع أنه قد ذكره بعضُهم في عدادِ من كان له مذهب فقهي.
فسَرْد الحديث وحفظه وروايتُه: غيرُ فهمه واستنباط معنايه على وجهها، إذْ خلق الله تعالى لكل علم أهلًا ينهضون به ويتميزون على سواهم.