سيظهر للمطالع من قراءة هذا الموطأ وفرةُ شيوخ الإمام محمد بن الحسن ومكانته في الحديث، إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد، فقد ظلمه جملةُ من المحدِّثين ظلمًا شديدًا، لما كان عليه من الاجتهاد والعمل بالرأي، والرأيُ عند الكثير منهم أو أكثرهم من خوارم الثقة بالراوي يذكرونه في ترجمة الراوي في جملة المغامز له ولو كان إماما ثقة كل الثقة في الحديث! مع أنه لا فقه بلا رأي، ولا أحد من الأئمة المتبوعين والمعتبرين لم يعمل بالرأي، فهم في نقد الراوي الذي لديه رأي يمشون على طريقة من لم يكن مثلَنا، فهو خصمٌ لنا، إنا لله!
فأذكُرُ هنا جُملًا يسيرة أقطِفها من ترجمة الإمام محمد بن الحسن، في "الجزء" المطبوع مع جزء "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن" للحافظ الذهبي (ص ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٤، ٩٣، ٩٤، من الطبعة الثالثة في بيروت سنة ١٤٠٨)، للتعريف بَطَرَفٍ من سيرة هذا الإمام الجليل.
"انتهًتْ إليه رياسةُ الفقه بالعراق بعدَ أبي يوسف، وتفقَّهَ به أئمة، وصنَّف التصانيف، وكان من أذكياء العالم. وُلِّي قضاءَ القُضاة للرشيد، ونال من الجاه والحِشمة ما لا مزيد عليه. احتَجَّ به الشافعي في الحديث، يُحكَى عنه ذكاءٌ مفرط، وعقلٌ تام، وسُؤْدُد، وكثرةُ تلاوة
[ ١ / ٣١ ]
(في "الآداب الشرعية" لابن مفلح الحنبلي ٢: ١٦٥ بالسند إلى الربع المُرادي: "سمعتُ الشافعي يقول: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمُهُ") .
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرُه، ثنا الشافعي، قال: قال محمد بن الحسن: أقمتُ على باب مالك ثلاث سنين، وسمعتُ منه لفظًا سبعَ مئةِ حديث ونيفًا لفظًا.
الربيعُ بن سليمان المُزني، سمعتُ الشافعي يقول: لو أشاءُ أن أقول: نَزَل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته، لفصاحته، وسمعتُ الشافعي يقول: مارأيتُ سمينًا أخفَّ روحًا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصحَ منه، كنتُ إذا رأيته يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته.
إدريس بن يوسف القراطيسي، سمعتُ الشافعي يقول: ما رأيت أعلمَ بكتاب الله من محمد بن الحسن، كأنه عليه نزل.
الطحاويُّ، سمعتُ أحمد بن أبي داود المكي، سمعتُ حرملة بن يحيى، سمعت الشافعي يقول: ما سمعتُ أحدًا قط كان إذا تكلم رأيتُ أن القرآن نزل بلغته غيرَ محمد بن الحسن وقد كتبتُ عنه حِمْلَ بُخْتِيّ.
محمدُ بن إسماعيل الرَّقِّي، ثنا؟؟ الربيع ثنا الشافعي قال: حملتُ عن محمد الحسن حِمْلَ بُخْتِي كتبًا، وما ناظرتُ أحدًا إلاَّ تغيَّر وجههُ ما خلا محمد بنَ الحسن.
ابنُ أبي حاتم، ثنا الربيع سمعتُ الشافعي يقول: حملتُ عن محمد بن الحسن، حِمْلَ بُخْتي، ليس عليه إلا سَمَاعِي قال عبد الفتاح: كم يكون من الأحاديث في حِمل هذا البُختي: الجمل الطويل العنق الضخم الجسم؟ وكم هي قيمة هذه الشهادة الغالية من الشافعي؟
عباسُ بن محمد، سمعتُ ابن مَعين يقول: كتبتُ عن محمد بن الحسن "الجامع الصغير".
أبو خَازم القاضي، ثنا بَكرٌ العَمِّيُّ، سمعتُ محمد بن سَماعة يقول: كان محمد بن الحسن قج انقطع قلبُهُ مِن فكرِهِ في الفقه - يعني يقعُ له استغراق فكرٍ وخاطرٍ في مسائل
[ ١ / ٣٢ ]
الفقه يأخذه عمن حَوْلَه - حتى كان الرجلُ يُسَلِّمُ عليه، فيدعو له محمد، فيزيدُه الرجل في السلام، فيردُّ عليه ذلك الدعاءَ بعينه، الذي ليس من جواب الزيادة في شيء.
محمد بن سَمَاعة قال: كان محمد بن الحسن كثيرًا ما يَتمثَّلُ بهذا البيت:
"مُحَسَّدون وشَرُّ منزلةً * مَن عاشَ في الناس يومًا غير محسود"
انتهى ما قطفتُه من جزء الحافظ الذهبي في ترحمة محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى.
ومصداقًا لما وصفه به الإمام الشافعي، من سعة الصدر وكثرة الحِلم في المناظرة وعلى المخالفين والمعارضين، أوردُ هذه الواقعة، وفيها أكثرُ من شاهد وفائدة.
روى الحافظ الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٥٨: ١١، وفي "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" للقاضي أبي عبد الله الصيمري ص ١٢٨)، في ترجمة (عيسى بن أبان) المحدِّث الفقيه، عن "محمد بن سَمَاعة قال " كان عيسى بن أبان يصلي معنا، وكنتُ أدعوه أن يأتي - مجلسَ - محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالقون الحديث، وكان عيسى حسَنَ الحفظ للحديث، فصلَّى معنا يومًا الصبح، وكان يومَ مجلسِ محمد، فلم أفارقه حتى جلس في المجلس.
فلما فرغ محمد - من المجلس - أدنيتُهُ إليه وقلتُ: هذا ابن أخيك أبانُ بنُ صدقة الكاتب، ومعه ذكاءٌ ومعرفةٌ بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول: إنَّا نخالفُ الحديث، فأقبَلَ عليه - محمد - وقال له: يابُنَيَّ، ما الذي رأيتنَا نخالفُهُ من الحديث، لا تَشهَد علينا حتى تَسمع منا.
فسأله يومئذٍ عن خمسةٍ وعشرين بابًا من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يُجيبه عنها، ويُخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل. فالتفَتَ إليَّ عندما خرجنا فقال: كان بيني وبين النُّور سِتر، فارتفع عني، ما ظننتُ أنَّ في مُلكِ الله مِثلَ هذا الرجلِ يُظهِرُهُ للناس، ولَزِمَ محمد بن الحسن لزومًا شديدًا حتى تفقَّه به". انتهى.
هذه لَمْعَةٌ من ترجمة محمد بن الحسن راوي"الموطأ" عن الإمام مالك ﵄ وجزاهما عن العلم والدين والمسلمين خيرَ الجزاء.
[ ١ / ٣٣ ]