- تأليفُ الحديث وجمعه في كتاب على الأبواب الفقهية، لا ينهض به إلا فقيه يدري معاني الأحاديث، ويفقه مداركها ومقاصدها، ويميز بين لفظ ولفظ فيها، وهذا النمط من العلماء المحدِّثين الفقهاء يُعَدُّ نَزْرًا يسيرًا بالنظر إلى كثرة المحدثين الرواة والحفاظ الأثبات، إذ الحفظُ شيء والفقه شيء آخرُ أميَزُ منه وأشرف، وأهم وأنفع، فإن الفقه دِقَّةُ الفهم للنصوص من الكتاب والسنَّة - عبارةً أو إشارةً، صراحةً أو كنايةً - وتنزيلها منازلها في مراتب الأحكام، لا وَكسَ ولا شطط، ولا تهوُّر ولاجمود.
وهذه الأوصاف عزيزةُ الوجود في العلماء قديمًا فضلًا عن شدة عزتها في الخلف المتأخر، ويخطئُ خطأ مكعبًا من يظن أويزعم أن مجرد حفظ الحديث أو اقتناء كتبه والوقوف عليه، يجعل من فاعل ذلك فقيهًا عارفًا بالأحكام الشرعية ودقيق الاستنباط. قال محمد بن يزيد المستملي: سألت أحمد بن حنبل عن - شيخه - عبد الرزاق - صاحب
[ ١ / ١٨ ]
المصنف المطبوع في أحد عشر مجلدًا -: أكان له فقه؟ فقال: ما أقلَّ الفقه في أصحاب الحديث (كما في ترجمة (محمد بن يزيد المستملي) في "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى ٣٢٩: ١) .
وجاء في "تقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (ص ٢٩٣)، في ترجمة (أحمد بن حنبل)، وفي "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي (ص ٦٣)، وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي - مخطوط - من طريق ابن أبي حاتم، في ترجمة (أحمد بن حنبل) أيضًا، ما يلي:
"قال إسحاق بن راهويه: كنتُ أجالس بالعراق أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأصحابَنا، فكنا نتذاكرُ الحديث من طريق وطريقين وثلاثة، فيقول يحيى بن معين من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صح هذا بأجماع منا؟ فيقولون: نعم، فأقول: ما مرادُهُ؟ ما تفسيرُهُ؟ ما فقهه؟ فيَبقون - أي يسكتون مُفحَمين - كلُّهم! إلا أحمد بن حنبل". انتهى.