- وكان لكل بلد من البلدان التي فتحها الإسلامُ الحنيف واستقرَّ فيها المسلمون، نصيبٌ من العلم، يختلف عن الآخر قلةً وكثرة، بحسب كثرة الصحابة الواردين عليه
[ ١ / ١١ ]
والمقيمين فيه، فكان نصيبُ دارِ الهجرة النبوية: المدينةِ المنوَّرة أوفَى نصيب، لتوفر وجود الصحابة الكرام فيها، إذ كانت هي ومكةُ المكرَّمةُ بعدَ فتحها دارَ الإسلام الأولى ومَهْوَى أفئدة المؤمنين.
فعاشت فيها السنة وجاشت، وانتشرت في آفاق الإسلام، وتوارثها الناس جيلًا عن جيل، وقبيلًا عن قبيل، وكثر في دار الهجرة الفقهاء والمحدثون كثرة بالغة، فقد نُقل عن مالك، أنه قال: عرضتُ كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة. فلمَّا نشأ مالك، كانت السنة قد أخذت طريقها إلى التدوين.
وكان تدوينها في المدينة المنورة قبلَ كل الأمصار، فألَّف فيها الإمام محمد بن شهاب الزهريُّ المدني، شيخ مالك، المتوفى سنة ١٢٤، وموسى بن عقبة المدني شيخ مالك أيضا المتوفي سنة ١٤١، ومحمد بن إسحاق المُطَّلبي المدني، المتوفى سنة ١٥١، وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن المدني، المتوفى سنة ١٥٨.
وألَّف في زمن هؤلاء وبعدَهم غيرُهم من أئمة الحديث والسنَّة، في مكة المكرمة، والكوفة، والبصرة، وخراسان، ولكنَّ السَّبْقَ الأول في تدوين السنَّة كان لعلماء المدينة الأعلام، ويأتي تأليفُ الإمام مالكٍ "الموطأ" في عِداد الكتب التي دَوَّنَتْ السنَّة في المدينة وغيرها: (الكتاب العاشر) تدوينًا، والأولَ تصنيفًا على الأبواب الفقهية، كما يُستفاد من "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنَّة المشرَّفة" (للعلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى، ص ٣٢٧، وص ٤ من الطبعة الرابعة)، فجاء الإمام مالك وقد تعقَّد التأليف في السنَّة بعضَ الشيء، وبَلَغ مالكٌ في الإمامة للمسلمين مبلغًا رفيعًا، فألَّف كتابَه العظيم: "الموطأ".