١ - قَالَ محمدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عَنْ يزيدَ (٣) بْنِ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٤) بنِ رافعٍ مَوْلَى أمِّ سَلَمَة (٥) ﵂
_________________
(١) قدَّمه لأنها أصل في وجوب الصلاة، فإذا دخل الوقت وجب الوضوء وغيره، قاله الزرقاني (١/١١) .
(٢) قوله: وقوت الصلاة، في رواية ابن بكير أوقات، جمع قلة، وهو أظهر لكونها خمسة: لكن وجه رواية الأكثرين وقوت جمع كثرة، وإنها وإن كانت خمسة، لكن لتكرارها كل يوم صارب كأنها كثيرة، كقولهم شموس وأقمار، ولأن الصلاة فُرضت خمسين وثوابها كثواب الخمسين، ولأن كل واحد من الجَمْعين قد يقوم مصام الآخر توسُّعًا أو لأنهما يشتركان في المبدأ من ثلاثة، ويفترقان في الغاية على ما ذهب إليه بعض المحقِّقين، أو لأن لكل صلاة ثلاثة أوقات: اختباري، وضروري، وقضاء. قاله الزرقاني (١/١١) .
(٣) قوله: عن يزيد، قال ابن حجر في "تقريب التهذيب" (٢/٣٦٤): يزيد بن زياد أو ابن أبي زياد قد يُنسب إلى جدِّه مولى بني مخزوم مدنّي، ثقة.
(٤) قوله عن عبد الله، قال ابن حجر (تقريب التهذيب ١/٤١٣): عبد الله بن رافع المخزومي أبو رافع المدني مولى أم سلمة، ثقة.
(٥) قوله: مولى أم سلمة، هي هند بنت أبي أمية، واسمه حذيفة، القرشية المخزومية، تزوَّجها رسول الله ﷺ عقب وقعة بدر، وماتت في شوال سنة ٦٢، كذا =
[ ١ / ١٥٠ ]
زوجِ (١) النَّبيِّ ﷺ، عَنْ أَبِي هريرةَ (٢) أنَّه (٣) سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصلاةِ (٤) فَقَالَ أبو هُريرة (٥)
_________________
(١) = في "إسعاف السيوطي" (ص ٥٠) .
(٢) قوله زوج النبي إلخ، الزوج: البعل والمرأة أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ (سورة البقرة: آية ٣٥)، وقوله تعالى: ﴿قُلُ لأزْوَاجِكَ﴾ (سورة الأحزاب: آية ٢٨) . كذا في جواهر القرآن لمحمد بن أبي بكر الرازي.
(٣) قوله: عن أبي هريرة، هو حافظ الصحابة، اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، أرْجحها عند الأكثر عبد الرحمن بن صَخْر، مات سنة ٥٩ هـ، وقيل: قبلها بسنة أو سنتين، كذا في "التقريب" (٢/٤٨٤) .
(٤) أي أن أبا رافع سأل أبا هريرة.
(٥) الواحدة أو الجنس.
(٦) قوله: فقال أبو هريرة إلخ، هذا الحديث موقوف (الموقوف من الحديث مايُروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم أو أفعالهم أو تقريرهم. وسُمِّي موقوفًا لأنه وقف عليهم، ولم يتجاوزهم إلى النبي ﷺ. (قال ابن عبد البر بعدما ذكر أثر أبي هريرة المذكور وفقه رواة الموطأ، والمواقيت لا تُؤخذ بالرأي ولا تُدرك إلاَّ بالتوقيف. يعني فهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا. أماني الأحبار ٢/٢٧٥) . من رواية مالك عن أبي هريرة، وقد ذُكر عنه مرفوعًا (المرفوع من الحديث: ما أُضيف إلى النبي ﷺ من أقواله أو أفعاله أو تقريره) في "التمهيد". واقتَصر فيه على ذكر أواخر الأوقات المستحبة دون أوائلها، فكأنَّه قال: الظهر من الزوال إلى أن يكون ظلُّك =
[ ١ / ١٥١ ]
أنا أُخْبِرُكَ: صلِّ الظهرَ (١) إذا كان
_________________
(١) = مثلك، والعصر من ذلك الوقت إلى أن يكون ظلك مثليك، وجعل للمغرب وقتًا واحدًا، وذكر من العشاء أيضًا آخر الوقت المستحب، كذا في "الاستذكار" (١/٦٩)، لابن عبد البر المالكي.
(٢) قوله صَلِّ الظُّهرإلخ، أجمع علماء المسلمين على أنَّ أول وقت صلاة الظهر زوال الشمس عن كبد السماء ووسط الفلك إذا استوقن ذلك في الأرض بالتأمل، واختلفوا في آخر وقت الظهر، فقال مالك وأصحابه: أخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس وهو أول وقت العصر بلا فصل. وبذلك قال ابن المبارك وجماعة. وفي الأحاديث الواردة بإمامة جبريل ما يوضِّح لك أن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، وقال الشافعي وأبو ثور وداود: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله، إلاّ أن بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فاصلة، وهو أن يزيد الظل أدنى زيادة على المثل، وقال الحسن بن صالح بن حَيّ والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله، ثم يدخل وقت العصر ولم يذكروا فاصلة. وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثليه. وخالفه أصحابه في ذلك، وذكر الطحاوي رواية أخرى عنه أنه قال: آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مثله مثل قول الجماعة، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه، وهذا لم يتابع عليه. وأما أول وقت العصر، فقد تبيَّن من قول مالك ما ذكرناه فيه، ومن قول الشافعي ومن تابعه ما وصفناه، وقال أبو حنيفة: أول وقت العصر من حين يصير =
[ ١ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الظل مثلين، وهذا خلاف الآثار (حديث أبي هريرة المذكور في الباب صريح فيما ذهب إليه الإمام الأعظم أبي حنيفة - ﵁ - في ظاهر الرواية عنه أنه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر بالمثلين، وبهذا الأثر استدلَّ الإمام محمد على مسلك الإمام، لأنه أمر بصلاة الظهر إذا تحقَّق المثل والعصر إذا صار المثلان، فما قال صاحب "الاستذكار"، أنه اقتصر على أواخر الأوقات تأويل لتاييد مذهبه وتوهم من نقله من الحنفيه في شرح كلام محمد رحمه الله تعالى، فإنه يخالف صريح قول الإمام محمد، ويكون من تأويل الكلام بما لا يرضى به قائله. أوجز المسالك ١/١٥٩) وخلاف الجمهور، وهو قول عند الفقهاء من أصحابه وغيرهم مهجور. واختلفوا في آخر وقت العصر، فقال مالك: آخره حين يصير ظلّ كل شيء مثليه، وهو عندنا محمول على وقت الاختيار وما دامت الشمس بيضاء نقية فهو وقت مختار أيضًا للعصر عنده وعند سائر العلماء. وقال ابن وهب، عن مالك: الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس وهذا كله لأهل الضرورة كالحائض تطهر. وقال أبو يوسف ومحمد: وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله إلى أن تتغير الشمس، وقال أبو ثور: إلى أن تصفر الشمس، وهو قول أحمد بن حنبل، وقال إسحاق: آخر وقته أن يدرك المصلِّي منها ركعة قبل الغروب، وهو قول داود لكل الناس معذور وغير معذور. واختلفوا في آخر وقت المغرب بعدما اتَّفقوا على أن أول وقتها غروب الشمس، فالظاهر من قول مالك أنه عند مغيب الشفق، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف والحسن بن صالح وأبو ثور، والشفق عندهم الحمرة. وقال الشافعي في وقت المغرب قولين، أحدهما: أنه ممدود إلى مغيب الشفق، والثاني: أن وقتها وقت واحد في حالة الاختيار. وأجمعوا على أن أول وقت العشاء مغيب الشفق، واختلفوا في آخر وقتها، فالمشهور من مذهب مالك لغير أصحاب الضرورات ثلث الليل، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تفوت إلاَّ بطلوع الفجر. =
[ ١ / ١٥٣ ]
ظِلُّكَ مِثْلَكَ (١)،
_________________
(١) = وأجمعوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر وانصداعه، وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي. وروى القاسم، عن مالك أن آخر وقتها الإسفار، وقال ابن وهب، عن مالك: آخر وقتها طلوع الشمس، وهو قول الثوري والجماعة، إلاَّ أن منهم من شرط إدراك ركعة منها قبل الطلوع. هذا ملخَّص من الاستذكار (١/٢٦، ٤٦) شرح الموطأ لابن عبد البر ﵀.
(٢) قوله: إذا كان ظلك مثلك، قال الزرقاني (شرح الزرقاني: ١/٢٣): أي مثل ظلك يعني قريبًا منه بغير فيء الزوال. انتهى. ووجه تفسيره أنه إذا كان الظل مثلًا يخرج وقت الظهر، فلذا فسَّره بالقرب، وهذا الوقت هو الذي صلّى فيه النبي ﷺ بجبريل في اليوم الثاني من يومَيْ إمامته، وصلّى في ذلك اليوم العصر إذا صار الظل مثلين، وأما في اليوم الأول، فصلّى الظهر حين زالت الشمس وصار الفيء مثل الشراك، والعصر حين كان ظل كل شيء مثله، وهكذا ورد في رواية أبي داود والحاكم، وصحَّحه من حديث ابن عباس، وفي روايتهم من حديث جابر، وفي رواية البيهقي والطبراني وإسحاق بن راهويه، من حديث أبي مسعود الأنصاري، وفي رواية البزار والنسائي من حديث أبي هريرة، وفي رواية عبد الرزاق من حديث عمرو بن حزم، وفي رواية أحمد من حديث أبي سعيد الخدري وغيرهم. وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (شرح معاني الآثار ١/٨٩)، بعد ذكر الروايات: ذُكر عن النبي ﷺ أنه صلّى الظهر حين زالت الشمس، وعلى ذلك اتفاق المسلمين أن ذلك أول وقتها. وأما آخر وقتها، فإن ابن عباس وأبا سعيد وجابرًا وأبا هريرة روَوْا أنه صلاّها في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، فاحتمل أن يكون ذلك =
[ ١ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعدما صار ظل كل شيء مثله، فيكون هو وفت الظهر، ويحتمل أن يكون ذلك على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله. وهذا جائز في اللغة، فما روي أنه صلّى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، يحتمل أن يكون على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله، فيكون الظل إذا صار مثله فقد خرج وقت الظهر، والدليل على ما ذكرنا من ذلك أن الذين ذكروا هذا عنه قد ذكروا عنه أيضًا أنه صلّى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، ثم قال: ما بين هذين وقت، فاستحال أن يكون مابينهما وقت، وقد جمعهما في وقت واحد، وقد دلَّ على ذلك أيضًا ما في حديث أبي موسى، وذلك أنه قال في ما أخبر عن صلاته ﷺ في اليوم الثاني: "ثم أخَّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر"، فأخبر أنه صلاّها في ذلك اليوم في قرب دخول وقت العصر لا في وقت العصر، فثبت بذلك إذا أجمعوا في هذه الروايات أن بعدما يصير ظل كل شيء مثله وقت العصر، وأنه محال أن يكون وقت الظهر. وأما ما ذُكر عنه في صلاة العصر، فلم يختلف عنه أنه صلاّها في اليوم الأول في الوقت الذي ذكرناه عنه، فثبت بذلك أنه أول وقتها، وذكر عنه أنه صلاّها في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، فاحتمل أن يكون هو آخر وقتها الذي خرج، واحتمل أن يكون هو الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخِّر الصلاة عنه، وأن من صلاّها بعده إن كان قد صلاّها في وقتها مفرِّط، وقد دلَّ عليه ما حدَّثنا ربيع المؤذِّن، نا أسد، نا محمد بن الفضل، عن الأعمش، عن أبي صالح، علن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفرُّ الشمس". ففي هذا أن آخر وقتها حين تصفر الشمس، غير أن قومًا ذهبوا إلى أنَّ آخر وقتها إلى غروب الشمس، واحتجّوا بما حدَّثنا ابن مرزوق، نا وهب بن جرير، نا شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك =
[ ١ / ١٥٥ ]
وَالْعَصْرَ (١) إِذَا كَانَ ظِلُّك مِثلَيْكَ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَمسُ (٢)، والعِشاء مَا بَيْنَكَ (٣)
_________________
(١) = الصبح، ومن أدرك ركعة مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسِ فَقَدْ أدرك العصر. انتهى كلام الطحاوي ملخَّصًا.
(٢) بالنصب، أي وصلِّه.
(٣) قوله: إذا غربت الشمس، قال الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/٩١، ٩٢) وقد ذهب قوم (قال العلامة العيني: وذهب طاوس وعطاء ووهب بن منبِّه إلى أن أول وقت المغرب حين طلوع النجم، وقال أبو بكر الجصاص الرازي: وقد ذهب شواذ من الناس إلى أنَّ أول وقت المغرب حين يطلع النجم. أماني الأحبار ٢/٩٢١) . إلى خلاف ذلك، فقالوا: أول وقت المغرب حين يطلع النجم، واحتجّوا بما حدَّثنا فهد، نا عبد الله بن صالح، أخبرني الليث بن سعد، عن جبير بن نعيم، عن ابن هبيرة الشيباني، عن أبي تميم، عن أبي نصر الغفاري، قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ العصر، فقال: "إن هذه الصلاة عُرضت على من كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، ويحتمل أن يكون الشاهد هو الليل، وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب.
(٤) قوله: ما بينك وبين ثلث الليل، تكلم الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/٩٣، باب مواقيت الصلاة) ها ههنا كلامًا حسنًا ملخَّصه، أنه قال: يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر، وذلك أن ابن عباس وأبا موسى وأبا سعيد رووا أن النبي ﷺ أخَّرها إلى ثلث الليل، وروى أبو هريرة وأنس أنه أخَّرها حتى انتصف الليل، وروى ابن عمر أنه أخَّرها حتى ذهب ثلث الليل، وروت عائشة أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل، وكل هذه الروايات في "الصحيح"، قال: فثبت بهذا كله أن =
[ ١ / ١٥٦ ]
وبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ (١)، فَإنْ نِمْتَ إِلَى نصفِ اللَّيلِ فَلا نامَتْ عَيْنَاكَ (٢)، وَصَلِّ (٣) الصُّبْحَ بِغَلَسٍ (٤) .
_________________
(١) = الليل كله وقت لها، ولكنه على أوقات ثلاثة، فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل فأفضل وقت صُلِّيت فيه، وأما بعد ذلك إلى نصف الليل ففي الفضل دون ذلك، وأما بعد نصف الليل فدونه، ثم ساق بسنده، عن نافع بن جبير، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: وصلِّ العشاء أيَّ الليل شئت ولا تغفلها. ولمسلم في قصة التعريس (صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٨٤، باب قضاء الفائتة، ط دار الفكر)، عن أبي قتادة، أن النبي ﷺ قال: "ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط أن يؤخِّر صلاةً حتى يدخل وقت الأخرى"، فدلَّ على أن بقاء وقت الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى، كذا في "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية"، للزيلعي (١/٢٣٤، ٢٣٥) .
(٢) قوله: ثلث الليل، بضمتين وقد يسكَّن الوسط، وقد جاءت على الوجهين أخواته إلى العشر، ذكره النووي في شرح صحيح مسلم.
(٣) قوله: فلا نامت عيناك، وهو دعاء بنفي الاستراحة على من يسهو عن صلاة العشاء وينام قبل أدائها، كذا في "مجمع البحار" (٤/٨٠٤) لمحمد طاهر الفَتَّني.
(٤) أعاد العامل اهتمامًا أو لطول الكلام فصلًا.
(٥) قوله: بغَلَس، هو بفتح الغين المعجمة والباء الموحَّدة وشين معجمة في رواية يحيى بن يحيى وزاد يعني الغلس، وفي رواية يحيى بن بكير والقعنبي وسويد بن سعيد بغلس، قال الرافعي: هي ظلمة آخر الليل، وقيل اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. وقال الخطابي: الغبش بالباء والشين المعجمة قيل الغبس =
[ ١ / ١٥٧ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا قولُ أَبِي حنيْفَةَ ﵀ (١) في وَقْتِ
_________________
(١) = بالسين المهملة وبعده الغلس باللام، وهي كلها في آخر الليل، كذا في "تنوير الحوالك على موطأ مالك" (١/١٨، ٢٠)، للسيوطي رحمه.
(٢) قوله: هذا قول أبي حنيفة إلخ، إشارة إلى ما يشهد به ظاهر حديث أبي هريرة، فأنه يدل على بقاء وقت الظهر إلى المثل حيث جوَّز الظهر عند كون الظل بقدر المثل، وعلى أن وقت التصر حين يدخل ظل كل شيء مثليه حيث أخبر عن وقت العصر بأنه إذا صار ظل كل شيء مثليه، والذي يقتضيه النظر، أنه ليس غرض أبي هريرة من هذا الكلام بيان أوائل أوقات الصلاة ولا بيان أواخرها، فإنه لو حمل على الأول لم يصح كلامه في الظهر، فإن أول وقته عند دلوك الشمس ولو حمل على الثاني لم يصح كلامه في العصر والصبح، فإن صيرورة الظل مثلين ليس آخر وقت العصر، ولا الغلس آخر وقت الصبح، بل غرضه بيان الأوقات التي صلّى فيها النبي ﵌ بجبريل في اليوم الثاني من يومَيْ إمامته ليعرف به منتهى الأوقات المستحبة، فإنه قد ورد في روايات من أشرنا إليه سابقًا وغيرهم أن جبريل أمَّ النبي ﷺ في يومين، فصلَّى معه الظهر في اليوم الأول حين زوال الشمس، والعصر حين صار ظل كل شيء مثله، والمغرب عند الغروب، والعشاء عند غيبوبة الشفق، والصبح بغَلَس، ثم صلَّى معه في اليوم الثاني الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، والعصر حين صار ظل كل شيء مثليه، والمغرب في الوقت الأول، والعشاء عند ثلث الليل، والصبح بحيث أسفر جدًا، فبيَّن أبو هريرة تلك الأوقات مشيرًا إلى ذلك، وزاد في العشاء ما يشير إلى أن وقته إلى نصف الليل، آخذًا ذلك مما سمع عن رسول الله ﷺ أن للصلاة أوَّلًا وآخرًا، وأن أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، وأن آخر وقتها حين ينتصف الليل، أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (أخرجه الطحاوي في باب مواقيت الصلاة، ١/٩٣) من حديثه، والترمذي أيضًا في جامعه =
[ ١ / ١٥٨ ]
الْعَصْرِ، وكان يَرى الإِسْفَارَ في الْفَجْرِ (١)،
_________________
(١) = (أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، رقم ١٥١)، وأما الصبح فإن كان قد صلاّها جبريل مع رسول الله ﷺ في اليوم الثاني حين أسفر، لكن لما كان النبي ﷺ داوم على الغلس بعد ذلك إلاَّ أحيانًا أشار إلى كونه مستَحبًّا واكتفى بذكره. وإذا تحقَّق هذا فليس في هذا الأثر ما يفيد مذهب أبي حنيفة، أنه يجوز الظهر إلى الظل، ولا يدخل وقت العصر إلاَّ عند الظلين.
(٢) في نسخة: بالفجر، قوله: وكان يرى الإسفار بالفجر، أي كان يعتقد أبو حنيفة استحباب الإسفار بالفجر، وقد اختلفت فيه الأخبار القولية والفعلية والآثار، أما اختلاف الأخبار فمنها ما ورد في الإسفار، ومنها ما ورد في التغليس. أما أحاديث الإسفار، فأخرج أصحاب السنن الأربعة (أخرجه أبو داود في المواقيت ١/١٦٢، والترمذي في باب ما جاء في الإسفار بالفجر ١/٢٩٠، والنسائي ١/٩٤، وابن ماجه، في باب وقت الفجر ١/١١٩، الطحاوي ١/١٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/٢٧٧، والتلخيص الحبير: ١/١٨٢) وغيرهم من حديث محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان بلفظ: "أسفروا بصلاة الصبح، فإنه أعظم للأجر". وفي لفظٍ له: "فكلما أصبحتم بالصبح، فإنه أعظم لأجوركم"، وفي لفظ للطبراني: "وكلما أسفرتم بالفجر، فإنه أعظم للأجر". وأخرجه أحمد في مسنده "من حديث محمود بن لبيد مرفوعًا، والبزار في مسنده من حديث بلال نحوه. وأخرجه البزار من حديث أنس بلفظ: "أسفروا بصلاة الفجر، فإنه أعظم للأجر". =
[ ١ / ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني والبزَّار من حديث قتادة بن النعمان، والطبراني أيضًا من حديث ابن مسعود، وابن حبان في "كتاب الضعفاء" من حديث أبي هريرة، والطبراني من حديث حوّا الأنصارية بنحو ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني، عن رافع بن خديج سمعت رسول الله ﷺ قال لبلال: "يا بلال، نوِّرْ بصلاة الصبح حتى يُبْصر القوم مواضع نَبْلهم من الإسفار". وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في "علله" وابن عَدِيّ في "كامله"، وأخرج الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في "غريب الحديث"، عن أنس: "كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح حين يفسح البصر". وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" من حديث رافع مرفوعًا: "نوّروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر، وعن بلال مثله، وعن عاصم بن عمرو، عن رجال من قومه من الأنصار من الصحابة أنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ: "أصبحوا الصبح فكلما أصبحتم فهو أعظم للأجر". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة: أنَّه ﷺ كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه". وأخرجا أيضًا، عن ابن مسعود، قال: "مارأيت رسول الله ﷺ صلّى صلاةً لغيرِ وقتها إلاَّ بجَمْعٍ، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجَمْع، وصلّى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها، يعني وقتها المعتاد، فإنه صلّى هناك في الغلس. وأخرج أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "أسفروا بالفجر تغنموا". وأما أحاديث الغلس، فأخرج ابن ماجة، عن مغيث: صليت بعبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلَّمت أقبلتُ على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ =
[ ١ / ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال: هذه كانت صلاتنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما طُعن عمر أسفر بها عثمان. وأخرج مالك والبخاري ومسلم وغيرهم، عن عائشة: كنَّ نساءَ المؤمنين يصلِّين مع رسول الله ﷺ الصبح، ثم ينصرفن متلفِّفات بمروطهن ما يُعْرَفْن من الغَلَس. وأخرج أبو داود وابن حبان في "صحيحه" والحازمي في "كتاب الناسخ والمنسوخ"، عن أبي مسعود أنه ﷺ صلّى الصبح بغلس، ثم صلّى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس إلى أن مات، ولم يعد إلى أن يسفر. وأخرج الطبراني في "معجمه" من حديث جابر: كان رسول الله ﷺ يصلّي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حيَّة، والمغرب إذا وجبت الشمس، والعشاء إذا كثر الناس عجَّل، وإذا قلّوا أخَّر، والصبح بغلس. وفي الباب أحاديث كثيرة مرويَّة في كتب شهيرة. وأما اختلاف الآثار، فأثر أبي هريرة المذكور في الكتاب يدل على اختيار الغلس. وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/١٠٦)، عن قرة بن حبان: تسحَّرنا مع عليّ، فلما فرغ من السحور أمر المؤذن، فأقام الصلاة. وعن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه: كان علي يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى بالشمس مخافة أن يكون قد طلعت. وعن عبد خير: كان عليّ ينوِّر بالفجر أحيانًا ويغلس بها أحيانا. وعن حرشة: كان عمر بن الخطاب ينوِّر بالفجر ويغلِّس، ويصلّي في ما بين ذلك، ويقرأ بسورة يوسف ويونس وقصار المثاني والمفصّل. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة: =
[ ١ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صلينا وراء عمر بن الخطاب صلاة الصبح، فقرأ فيها بسورة يوسف والحج قراءة بطيئة فقلت: والله إذًا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر؟ قال: أجل. وعن السائب: صلَّيت خلف عمر الصبح، فقرأ فيها بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وعن زيد بن وهب: صلى بنا عمر صلاة الصبح، فقرأ بني إسرائيل والكهف حتى جعلتُ أنظر إلى جدار المسجد هل طلعت الشمس. وعن محمد بن سيرين، عن المهاجر، أن عمر كتب إلى أبي موسى: أن صلِّ الفجر بسواد، أو قال فغلّس، وأطِل القراءة. وعن أنس بن مالك: صلّى بنا أبو بكر صلاة الصبح، فقرأ بسورة آل عمران، فقالوا: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وعن عبد الرحمن بن يزيد: كنا نصلّي مع ابن مسعود، فكان يسفر بصلاة الصبح. وعن جبير بن نفير: صلّى بنا معاوية الصبح فغلّس فقال أبو الدرداء: أسفروا بهذه الصلاة. وعن إبراهيم النخعي، قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التنوير. وفي الباب آثار كثيرة، وقد وقع الاختلاف باختلاف الأخبار والآثار. فذهب الكوفيون: أبو حنيفة وأصحابه والثوريُ والحسن بن حَيّ وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار أفضل من التغليس في الأزمنة كلها، وذهب مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود بن علي وأبو جعفر الطبري إلى أن الغلس أفضل، كذا ذكره ابن عبد البر (الاستذكار ١/٥١) . وقد استدلَّ كل فرقة بما يوافقها وأجابه عما يخالفها، فمن المغلِّسين من قال: تأويل الإسفار حصول اليقين بطلوع الصبح، وهو تأويل باطل يردّه اللغة. =
[ ١ / ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويردُّه أيضًا بعض ألفاظ الخبر الدالة صريحًا على التنوير كما مر ومنهم من قال: الإسفار منسوخ، لأنه ﷺ أسفر، ثم غلَّس إلى أن مات، وهذا أيضًا باطل، لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والاجتهاد ما لم يوجد نص صريح على ذلك ويتعذَّر الجمع ومنهم من قال: لو كان الإسفار أفضل لما داوم النبي ﷺ على خلافه، وهذا جواب غير شافٍ بعد ثبوت أحاديث الإسفار. ومنهم من ناقش في طرق أحاديث الإسفار، وهي مناقشة لا طائل تحتها، إذ لا شك في ثبوت بعض طرقها، وضَعْفُ بعضها لا يضرّ، على أن الجمع مقدَّم على الترجيح على المذهب الراجح. ومن المُسفرين من قال: التغليس كان في الابتداء ثم نُسخ، وفيه أنه نَسْخٌ اجتهاديّ مع ثبوت حديث الغلس إلى وفاته ﷺ ومنهم من قال: لو كان الغلس مستحبًا لما اجتمع الصحابة على خلافه، وفيه أن الإجماع غير ثابت لمكان الاختلاف فيما بينهم. ومنهم من ادعى انتفاء الغلس عن النبي ﷺ أخذًا من حديث ابن مسعود وغيره. وهذا كقول بعض المغلِّسين أن الإسفار لم يثبت عن النبي ﷺ باطل، فإن كلًاّ منهما ثابت، وإن كان الغلس أكثر. ومنهم من قال: لمّا اختلفتْ الأحاديث المرفوعة تركناها، ورجعنا إلى الآثار في الإسفار، وفيه أن الآثار أيضًا مختلفة، ومنهم من سلك مسلك المناقشة في طرق أحاديث الغلس، وهي مناقشة أخرى (في نسخة: أخزى) من المناقشة الأولى. ومنهم من سلك مسلك الجمع باختيار الابتداء في الغلس والاختتام في الإسفار بتطويل القراءة، وبه يجتمع أكثر الأخبار والآثار. وهذا الذي اختاره الطحاوي (شرح معاني الآثار ١/١٠٩)، وحكم بأنه المستحب، وأن أحاديث الإسفار محمولة على الاختتام في الإسفار، وأحاديث الغلس على الابتداء فيه، وقال: هذا هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو جَمع حسن لولا ما دلَّ عليه حديث عائشة من انصراف النساء بعد الصلاة بمروطهن لا يُعرَفنَ من الغلس، إلا أن يقال إنه كان أحيانًا =
[ ١ / ١٦٣ ]
وَأَمَّا فِي قولِنا فإِنّا نقوْل: إِذَا زَادَ الظِّلُّ عَلَى المِثْلِ فَصَارَ مِثْلَ الشَّيْءِ وَزِيَادَةً (١) مِن حِينَ زَالتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ دخلَ (٢) وَقْتُ العَصْرِ. وَأَمَّا أَبو حنيفةَ فَإنَّه قَالَ (٣): لاَ يَدْخُلُ وَقْتُ العصرِ حتَّى يَصِيرَ الظلُّ مِثلَيْهِ (٤) .
_________________
(١) = والكلام في هذا المبحث طويل لا يتحمَّله هذا التعليق، بل المتكفِّل له شرحي لشرح الوقاية.
(٢) التنوين للتحقير والتقليل، وهي كمية الفيء باختلاف الفصول والأمكنة.
(٣) قوله: فقد دخل وقت العصر، به قال أبو يوسف والحسن وزفر والشافعي وأحمد والطحاوي وغيرهم، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة على ما في عامة الكتب، ورواية محمد عنه على ما في "المبسوط"، كذا في "حلية المحلّى شرح منية المصلّى" (هكذا في الأصل: هنا وفيما سيأتي مرارًا، وهو تحريف قطعًا، والصواب: "حَلْبَة المجلّي شرح منية المصلي" بفتح الحاء من "حَلبة" وسكون اللام، يليها باء موحدة، والمجلي بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشددة، انظر هامش الأجوبة الفاضلة: ص ١٩٧) . لمحمد بن أمير حاج الحلبي، وفي "غرر الأذكار:: هو المأخوذ به، وفي "البرهان شرح مواهب الرحمن": هو الأظهر، وفي "الفيض" للكركي: عليه عمل الناس اليوم، وبه يُفتى. كذا في "الدر المختار" والاستناد لهم بأحاديث: منها أحاديث التعجيل التي ستأتي في الكتاب. ومنها أحاديث إمامة جبريل التي مرَّت الإشارة إليها، وهي أصرح من أحاديث التعجيل. ومنها حديث جابر المرويّ في سنن النسائي وغيره أنه ﷺ صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله. وفي الباب آثار وأخبار كثيرة تدل على ذلك مبسوطة في موضعها.
(٤) قد ذكر جمع من الفقهاء رجوعه عنه إلى المثل.
(٥) قوله: حتى يصير الظل مثليه، أي سوى فيء الزوال في بلدة يوجد هو فيها، واستدلاله أحاديث: =
[ ١ / ١٦٤ ]
٢ - أخبرَنا مالك، أخبرني ابن شهابٍ (١)
_________________
(١) = منها حديث علي بن شيبان: قَدِمنا على رسول الله ﷺ المدينة، فكان يؤخِّر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود وابن ماجة. وهذا يدلُّ على أنه كان يصلي عند المثلين. ومنها حديث جابر: صلّى بنا رسول الله ﷺ حين صار ظل كل شيء مثليه. رواه ابن أبي شيبة بسند لا بأس به، كذا ذكره العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (٥/٣٣) . وفيه أنهما إنما يدلاّن على جواز الصلاة عند المثلين، لا على أنه لا يدخل وقت العصر إلاَّ عند ذلك. ومنها أثر أبي هريرة المذكور في الكتاب، وقد مرَّ ما له وما عليه. والإنصاف في هذا المقام أن أحاديث المثل صريحة صحيحة. وأخبار المثلين ليست صريحة في أنه لا يدخل وقت العصر إلى المثلين، وأكثر من اختار المثلين إنما ذكر في توجيهه أحاديث استنبط منها هذا الأمر، والأمر المستنبط لا يعارض الصريح، ولقد أطال الكلام في هذا المبحث صاحب "البحر الرائق" فيه وفي رسالة مستقلَّة، فلم يأتِ بما يفيد المدَّعى ويُثبت الدعوى فتفطَّنْ.
(٢) قوله: ابن شهاب الزهري، قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (١/٩٠): محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤيّ أبو بكر القرشي الزهري المدني. سكن الشام وكان بأَيْلة، ويقولون: تارة الزهري، وتارة ابن شهاب، ينسبونه إلى جدّ جدّه، تابعي صغير، سمع أنسًا وسهلَ بنَ سعد والسائبَ بن زيد وأبا أمامة وأبا الطفيل، وروى عنه خلائق من كبار التابعين وأتباعهم، روينا عن الليث بن سعد، قال: ما رأيت قطّ عالمًا أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علمًا منه، =
[ ١ / ١٦٥ ]
الزُّهْري (١)، عَن عُروةَ (٢) قَالَ: حَدَّثَتْنِي عائشةُ (٣) ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ والشمسُ (٤) فِي حُجْرَتِهَا (٥)
_________________
(١) = وقال الشافعي: لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة، توفي في رمضان سنه ١٢٤ هـ، ودُفن بقرية أطراف الشام، يقال لها شغب. انتهى ملخَّصًا.
(٢) بضم الزاي وسكون الهاء نسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، كذا في "الأنساب".
(٣) قوله: عن عروة، هو ابن الزبير بن العَوَّام الأسدي أبو عبد الله المدني، قال ابن عُيَيْنة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم وعروة وعَمْرة بنت عبد الرحمن، مات سنة ٩٤ هـ، كذا في "إسعاف السوطي" (ص ٢٩) .
(٤) قوله: حدَّثتني عائشة، هي بنت أبي بكر الصدِّيق زوجة النبي ﷺ، وأحبَّ أزواجه إليه، تزوجها وهي ابنة ست سنين قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث وبنى بها بالمدينة وهي ابنة تسع، وتوفيت سنة ٥٧ هـ، وقيل: سنة ٥٨ هـ، قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى جميع علم أزواج رسول الله ﷺ، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، كذا في "استيعاب ابن عبد البر".
(٥) قوله: والشمس، المراد من الشمس، ضَوْءُها، لا عينها، والواو في قوله والشمس للحال، كذا في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري" للقسطلاني.
(٦) أي: في داخل بيتها، قال السيوطي: الحُجْرة: بضم الحاء وسكون الجيم: البيت سُمِّي به لمنعها المال. قوله: في حجرتها، أي بيت عائشة، كأنها جرّدت واحدة من النساء وأثتتت لها حجرة وأخبرت بما أخبرت به، وإلاَّ فالقياس التعبير "بحجرتي"، كذا في "إرشاد الساري".
[ ١ / ١٦٦ ]
قَبْلَ (١) أَنْ تَظْهَرَ (٢) .
٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابنُ شهابٍ (٣) الزُّهْرِيُّ، عَنْ أنسِ (٤) بنِ مالكٍ أنَّه قال:
_________________
(١) قوله: قبل إلخ، فإن قال قائل: ما معنى قولها قبل أن تظهر الشمس، والشمس ظاهرة على كل شيء من طلوعها إلى غروبها، فالجواب أنها أرادت: والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكنَّتْ بالشمس عن الفيء، لأن الفيء عن الشمس كما سمِّي المطر سماء، لأنه ينزل من السماء، وفي بعض الروايات لم يظهر الفيء، كذا في "الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري" للكرماني.
(٢) أي: قبل أن يعلو على الجدار، كذا في "الكواكب الدراري"، يقال ظهرت السطح، أي: علوته. قوله: تظهر، قال الطحاوي: لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب (في الأصل: "فلم يكن الشمس يحتجب"، وهو خطأ) عنها إلاَّ بقرب غروبها، فيدل على التأخير. وتُعَقِّب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصوَّر مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حُجَر أزواج النبي ﷺ لم تكن متَّسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلاَّ والشمس قائمة مرتفعة، كذا في "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (٢/٢١. ولكن ردَّ عليه العيني في عمدة القاري (٢/٥٣٩)، بقوله: قلت لا وجه للتعقُّب فيه، لأن الشمس لا تحتجب عن الحجرة الصغيرة الجدار إلاَّ بقرب غروبها، وهذا يُعلم بالمشاهدة، فلا يُحتاج إلى المكابرة ولا دخل لاتِّساع الحجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قصر جدرها) للحافظ ابن حجر.
(٣) هو محمد بن مسلم الزهري.
(٤) قوله: عن أنس بن مالك، هو خادم رسول الله ﷺ خدمه عشر سنين، =
[ ١ / ١٦٧ ]
كنّا نصلِّي العصرَ (١) ثمَّ يَذْهَبُ الذاهبُ (٢)
_________________
(١) = ودعا له رسول الله ﷺ بقوله: "اللَّهم أكثِرْ مالَه وولدَه، وأدخِلْه الجنة"، مات سنه ١٠٢ هـ وقيل سنة ٩٢ هـ وقد جاوز المئة، كذا في "إسعاف المبطأ، برجال الموطأ" (ص ٧) للسيوطي.
(٢) قوله: كنا نصلي العصر، قال ابن عبد البر: هكذا هو في "الموطأ"، ليس فيه ذكر النبي ﷺ، ورواه عبد الله بن نافع وابن وهب في رواية يونس بن عبد الأعلى عنه؛ وخالد بن مخلد وابنه عامر العقدي كلهم عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يصلِّي العصر، ثم يذهب الذاهب الحديث. وكذلك رواه عبد الله بن المبارك عن مالك، عن الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة جميعًا عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان يصلِّي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، قال أحدهما: فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: فيأتيهم والشمس مرتفعة. ورواه أيضًا كذلك معمر وغيره من الحفاظ عن الزهري، فهو حديث مرفوع. قلت: هو كذلك عند البخاري من طريق شعيب عن الزهري، وعند مسلم وأبي داود وابن ماجه من طريق الليث عن الزهري، وعند الدارقطني من طريق إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الزهري، كذا في "تنوير الحوالك على موطأ مالك" (١/٢٦) للسيوطي.
(٣) أي ممن صلَّى مع رسول الله ﷺ. قوله: ثم يذهب الذاهب، قال الحافظ ابن حجر: أراد نفسه لما أخرجه النسائي والطحاوي من طريق أبي الأبيض عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلّقة؛ ثم أرجع إلى قومي فأقول لهم: قوموا فصلوا، فإن رسول الله ﷺ قد صلّى. =
[ ١ / ١٦٨ ]
إلى (١) قُباء (٢)
_________________
(١) = قلت: بل أعم من ذلك لما أخرجه الدارقطني والطبراني من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس قال: كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله ﷺ دارًا أبو لبابة بن عبد المنذر، وأهله بقباء، وأبو عبس بن جبر، ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصلّيان مع رسول الله ﷺ، ثم يأتيان قومهما، وما صلّوا لتعجيل رسول الله ﷺ بها، كذا في "تنوير الحوالك" (١/٢٦) .
(٢) إلى قُبا، قال النسائي: لم يتابَع مالك على قوله "إلى قبا" والمعروف "إلى العوالي". وقال الدارقطني: رواه إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري فقال إلى العوالي، وقال ابن عبد البر: الذي قاله جماعة أصحاب ابن شهاب عنه "إلى العوالي" وهو الصواب عند أهل الحديث، وقول مالك "إلى قبا" وهم لا شك فيه إلاَّ أن المعنى متقارب، فإن العوالي مختلفة المسافة، فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال، ومثل هذا هي المسافة بين قبا والمدينة. وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك، فقال: إلى العوالي، وسائر رواة "الموطأ" يقولون: إلى قباء، وقال الحافظ ابن حجر: نسبه الوهم فيه إلى مالك منتقد، فإنه إن كان وهمًا احتمل أن يكون منه، وأن يكون من الزهري حين حدث به مالكًا، فإن الباجيّ نقل عن الدارقطني أن ابن أبي ذئب رواه عن الزهري "إلى قبا" كذا في "تنوير الحوالك" (١/٢٦ - ٢٧) .
(٣) قوله: قباء، قال النووي: يُمَدّ ويُقصر ويُصرف ولا يُصرف ويُذكَّر ويؤنَّث، والأفصح التذكير والصرف والمدّ، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، كذا في "تنوير الحوالك" (١/٢٦) .
[ ١ / ١٦٩ ]
فيأتيهم (١) و(٢) الشمسُ مُرْتَفِعَةٌ (٣) .
٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ (٤)، عَنْ أَنَسِ بنِ مالك (٥)، قال: كنا (٦)
_________________
(١) أي يأتي الذاهب إلى أهل قبا.
(٢) الواو حالية.
(٣) أي ظاهرة عالية. قوله: والشمس مرتفعة، المعنى الذي أدخل مالك هذا الحديث في "موطَّئه" تعجيل العصر خلافًا لأهل العراق الذي يقولون بتأخيرها، نقل ذلك خَلَفُهم عن سلفهم بالبصرة والكوفة، قال الأعمش: كان إبراهيم يؤخِّر الصلاة جدًَّا، وقال أبة قلابة: وإنما سمِّيت العصر لتعصر. وأما أهل الحجاز فعلى تعجيل العصر سَلَفُهم وخَلَفُهم، كذا في "الاستذكار" (١/٧٠) .
(٤) قوله: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال السيوطي (الإسعاف: ص ٦): وثَّقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن معين: ثقة حجة، مات سنة ١٣٤ هـ.
(٥) هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طريق مالك والنسائي وغيرهم.
(٦) قوله: كنا نصلي العصرإلخ، قال ابن عبد البر: هذا يدخل عندهم في المسند، فصرَّح برفعه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب الزهري، كلاهما عن مالك بلفظ كنا نصلي العصر مع النبي ﷺ. انتهى. وهذا اختيار الحاكم أن قول الصحابي كنا نفعل كذا مسند ولو لم يصرِّح بإضافته إلى النبي ﷺ، وقال =
[ ١ / ١٧٠ ]
نُصَلِّي (١) الْعَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ (٢) إِلَى بَنِي عمرِو بنِ عَوْفٍ (٣) فيجدُهم (٤) يُصَلُّونَ الْعَصْرَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: تَأخِيْرُ الْعَصْرِ (٥) أَفْضَلُ (٦)
_________________
(١) = الدارقطني والخطيب: وهو موقوف، قال الحافظ عبد الحق: إنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، قاله الزرقاني (١/٢٤) .
(٢) أي في مسجد المدينة.
(٣) ممن صلَّى مع النبيّ ﷺ.
(٤) قال العيني في "عمدة القاري شرح البخاري" (٥/٣٦) كانت منازلهم على ميلين بقبا.
(٥) قوله: فيجدهم يصلون، كان رسول الله ﷺ يعجِّل (في الأصل: "يعجل"، والظاهر: "يعجل العصر") في أوَّل وقتها، ولعلَّ تأخيرهم لكونهم كانوا أهل أعمال في زروعهم وحوائطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهَّبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتأخَّرت صلاتهم إلى وسط الوقت. قال النووي: هذا الحديث حجة على الحنفية حيث قالوا: لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه، كذا في "الكواكب الدراري".
(٦) أي لا في يوم غيم.
(٧) قوله: أفضل، علَّله صاحب "الهداية" وغيره من أصحابنا بأن في تأخيره تكثير النوافل لكراهتها بعده، وهو تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة =
[ ١ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الدالَّة على فضيلة التعجيل، وهو كثيرة مرويَّة في الصحاح الستَّة وغيرها (إن تعليل صاحب "الهداية" بتكثبر النوافل ليس بمقابلة النصوص الصحيحة الصريحة في أفضلية التعجيل، وما روي منها في الصحاح الستة وغيرها ليس شيء منها مما يُشير إلى أفضلية أول الوقت، وما روى أبو داود عن شيبان بن علي صريح في التأخير ونفي التعجيل، وأنه يُقطع منه بالتأخير الكامل إلى آخر الوقت المستحب، وأنه غير مستحب عندنا حتى يحتمل وقوعها في شيء من الوقت المكروه على أنّا بصدد المنع. (تنسيق النظام ص ٤٣»، وقد مرَّ نُبَذٌ منها في الكتاب، وذكر العيني في "البناية شرح الهداية" لأفضلية التأخير أحاديث: الأول: ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن عليّ بن شيبان، عن أبيه، عن جده، قال: قَدِمنا على رسول الله ﷺ المدينة، فكان يؤخِّر العصر مادامت الشمس بيضاء نقية. والثاني: ما أخرجه الدارقطني عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة يعني العصر. والثالث: ما أخرجه الترمذي عن أم سلمة: كان رسول الله ﷺ أشدَّ تعجيلًا للظهر منه. والرابع: ما أخرجه الطحاوي عن أنس: كان النبي ﷺ يصلّي العصر والشمس بيضاء. ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذه الأحاديث. أما الحديث الأول، فلا يدل إلاَّ على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير وهو ليس بثابت منه. لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ "كان" =
[ ١ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة، لأنا نقول: لو دلَّ على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القويَّة الدالَّة على أن عادته كانت التعجيل، فالأوْلى أن لا يُحمل هذا الحديث على الدوام دفعًا للمعارضة واعتبارًا لتقديم الأحاديث القوية. وأما الثاني فقد رواه الدارقطني في "سننه" عن عبد الواحد بن نافع قال: دخلت مسجد الكوفة فأذَّن مؤذَّن بالعصر وشيخ جالس، فلامه وقال: إنَّ أبي أخبرني أن رسول الله ﷺ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه، فقالوا: هذا عبد الله بن رافع بن خديج. ورواه البيهقي في "سننه" وقال: قال الدارقطني في ما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف الإسناد، والصحيح عن رافع ضده، ولم يروه عن عبد الله بن رافع غير عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحل ذكره في الكتب إلاَّ على سبيل القدح فيه. انتهى. ورواه البخاري في "تاريخه الكبير" في ترجمة عبد الله بن رافع: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال..لا يُتابَع عليه يعني عن عبد الله بن رافع، وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول الحال مختلف في حديثه (في الجوهر النقي (١/٤٤١ - ٤٤٢): قلت: ذكر ابن حبان في ثقات التابعين عبد الله بن رافع، وذكر في ثقات أتباع التابعين عبد الواحد بن نافع، وأخرجه الحاكم بسنده، وقال: صحيح على شرط البخاري) . كذا ذكره الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية". وأما الثالث فإنما يدل على كون التعجيل في أظهر أشد من التعجيل في العصر لا على استحبابه تأخير العصر. وأما الرابع فلا يدل أيضًا على استحباب التأخير. ومن الآثار المقتضية للتأخير ماروي عن زياد بن عبد لله النخعي: كنا جلوسًا =
[ ١ / ١٧٣ ]
عِنْدَنا (١) مِنْ تَعْجِيلِها إِذَا صَلَّيْتَهَا (٢) وَالشَّمسُ (٣) بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ (٤)
_________________
(١) = مع عليّ ﵁ في المسجد الأعظم فجاء المؤذِّن فقال: الصلاة، فقال اجلس، فجلس، ثم عاد فقال له ذلك، فقال عليّ: هذا الكلب يعلِّمنا الصلاة، فقام عليّ، فصلَّى بنا العصر، ثم انصرفنا فرجعنا إلى المكان الذي كنّا فيه جلوسًا، فجثَوْنا للرُّكَب لنزول الشمس للغروب نتراآها. أخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرجه الدارقطني، وأعلَّه بأن زياد بن عبد الله مجهول (ذكره ابن حبان في ثقات التابعين: الثقات لابن حبان ٤/٢٥٦)، ومما يدل على التأخير ما أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" عن عكرمة قال: كنا في جنازة مع أبي هريرة، فلم يصلِّ العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل بالمدينة. وقد أورد الطحاوي آثارًا أخر أثبت بها ألتأخير، وأجاب عن أحاديث التعجيل بجوابات، لا يخلو واحد منها عن مناقشة، وليس هذا موضع بسطه (قلت: أحاديث التبكير والتعجيل ليست بألفاظها مفسّرة، بل نصوصًا في الأداء لأول وقتها، بل ظاهرة فيه لولا قرائن صارفة عن هذا المعنى، بل التعمق يرشد إلى أن المراد منها التعجيل والتقدم على صفرة الشمس ودخول وقت الكراهة، وبيان التبكير والتأكيد فيه لأنه لا يقع في هذا الوقت المكروه، أو ينقضي وقتها كما يشير إليه كثير من ألفاظ الأحاديث كحديث صلاة المنافق فيه فنقر أربعًا، وغير ذلك، وذلك لأن الأخبار بعد الاستقصاء في باب التعجيل عامتها ترجع إما إلى ما فيه ألفاظ مبهمة ككون الشمس حيَّة ونقيَّة بيضاء وككونها في حجرة عائشة وغير ذلك مما لا قاطع فيه بالأداء في أول الوقت، بل هو شامل إلى آخر مايدخلها الصفرة أي آخر الوقت المستحب، "تنسيق النظام" ص ٤٣) .
(٢) معاشر الحنفية أو معاشر أهل الكوفة.
(٣) أيها المصلِّي.
(٤) الواو حالية.
(٥) أي مطهَّرة من اختلاط الاصفرار.
[ ١ / ١٧٤ ]
لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ (١)، وَبِذَلِكَ (٢) جَاءَتْ عَامَّةُ الآثارِ (٣)، وهو (٤) قولُ أبي حَنِيفةَ (٥) .
_________________
(١) قوله: لم تدخلها صفرة، فإن دخلتها صفرة كرهت الصلاة. ذكره الطحاوي في "شرح معاني الآثار". واختلفوا في مقدار تغير الشمس، فقدَّره بعضهم بأنه إذا بقي مقدار رمح لم يتغير، ودونه يتغير، وعن إبراهيم النخعي وسفيان الثوري الأوزاعي أنه يعتبر التغير في ضوئها، وبه قال الحاكم الشهيد، وعليه ظاهر ما في "محيط رضي الدين" وذكر محمد في "النوادر" عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يُعتبر التغير في قرص الشمس، لا في الضوء، ونسبه شمس الأئمة السرخسي إلى الشعبي، كذا في "حلبة المجَلّي شرح مُنْيَة المصلّي".
(٢) أي بالتأخير.
(٣) قوله: عامة الآثار، أي أكثر الأخبار المأثورة عن النبي ﷺ، أو عن أصحابه، فإن الأثر (١/٦٣. وانظر تدريب الراوي ١/٤٣) في عرف القدماء يَكلق على كلِّ مروي مرفوعًا كان أو موقوفًا، ومن ثم سمِّى الطحاويٌّ كتابه "شرح معاني الآثار" وكتابًا آخر سمّاه "مشكل الآثار" مع أنه ذكر فيه الأحاديث المرفوعة أكثر، وقال النووي في شرح صحيح مسلم: المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف أن الأثر يُطلق على المروي مطلقًا، وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر: ما يُضاف إلى الصحابي موقوفًا عليه. انتهى. وقد بسطتُ الكلام فيه في شرح رسالة أصول الحديث المنسوبة إلى السيد الشريف المسمَّى بـ"ظفر الأماني (ص ٤، ٥) في المختصر المنسوب إلى الجُرْجاني"، فليُطالَع.
(٤) أي التأخير.
(٥) قوله: قول أبي حنيفة، وبه قال أبو قلابة محمد بن عبد الملك وإبراهيم =
[ ١ / ١٧٥ ]
وَقَدْ قَالَ (١) بَعْضُ الفُقَهَاءِ (٢): إِنَّما سُمِّيتِ العَصْرٌ لأَّنَّها (٣) تُعْصَرُ وَتُؤَخَّر (٤) .
_________________
(١) = النخعي والثوري وابن شبرمة وأحمد في رواية، وهو قول أبي هريرة وابن مسعود، وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وغيرهم: إن الأفضل التعجيل، كذا في "البناية" للعيني، وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/١١٥) عن صالح بن عبد الرحمن، نا سعيد بن منصور، نا هشيم، أنا خالد، عن أبي قلابة: إنما سميت العصر لتعصر وتؤخر ثم قال الطحاوي: فأخبر أبو قلابة أن اسمها هذا لأن سببها أن تعصر، وهذا الذي استحسنّاه من تأخير العصر من غير أن يكون ذلك إلى وقت قد تغيَّرت فيه الشمس، أو دخَلَتْها صفرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وبه نأخذ. انتهى. وأخرج أيضًا عن أبراهيم النخغي استحباب التأخير، وأن أصحاب عبد الله بن مسعود كانوا يؤخِّرون.
(٢) تأييد لما ذهب إليه بالاستنباط من لفظ العصر التأخير.
(٣) المراد به أبو قلابة كما يُعلم من "الاستذكار" (١/٧٠) .
(٤) أي صلاة العصر.
(٥) قوله: لأنها تعصر وتؤخر، قد يقال: إنما سمِّي العصر عصرًا لأنها تعصر وتقع في آخر النهار، فهي مؤخّرة عن جميع صلوات النهار ووقتها مؤخر عن جميع أوقات صلوات النهار لا لأنها تُعصر عن أول وقتها.
[ ١ / ١٧٦ ]