٤٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (٣)، عَنْ محمدِ بنِ إبراهيمَ (٤) بنِ الْحَارِثِ التَّيْمي، عَنْ يَحْيَى (٥) بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ (٦) أنَّ عُمَرَ (٧) بنَ الْخَطَّابِ ﵁ خرج في ركبٍ (٨)
_________________
(١) قوله: السباع، هي ما يفترس الحيوان ويأكله قهرًا كالأسد والنمر والذئب ونحوها، كذا في "النهاية".
(٢) يقال: ولغ يلغ ولغًا وولوغًا أي شرب منه بلسانه وأكثر ما يكون الولوغ في السباع، كذا في "النهاية".
(٣) قوله: يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني قاضيها، عن أنس وعدي بن ثابت وعلى بن الحسين، وعنه وأبو حنيفة ومالك وشعبة، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، حجة ثبت، مات سنة ١٤٣ هـ، كذا في "الإسعاف".
(٤) قوله: محمد بن إبراهيم، وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم، وقال أحمد: في حديثه شيء، يروي مناكير، مات سنة ١٢٠ هـ، وهو راوي حديث: "إنما الأعمال بالنيات" في رواية محمد بن الحسن، كذا في "الإسعاف".
(٥) ثقة من التابعين، مات سنة ١٠٤ هـ، روى له مسلم والأربعة، قاله الزرقاني.
(٦) قوله: بلتعة، بفتح الباء وسكون اللام بعده تاء فوقية مثناة مفتوحة ثم عين مهملة.
(٧) منقطع فإن يحيى لم يدرك عمر.
(٨) الركب اسم جمع كنفر ورهط، وقيل هو جمع راكب كصاحب وصحب.
[ ١ / ٢٦٥ ]
فِيهِمْ عمرُو (١) بنُ الْعَاصِ، حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عمرُو بنُ الْعَاصِ: يَا صاحبَ الحوضِ هل تَرِدُ (٢) حوضَكَ السباع (٣)؟
_________________
(١) قوله: فيهم عمرو بن العاص، هو عَمرو - بالفتح - ابن العاص بن وائل السهمي الصحابي، أسلم عام الحديبية، وولي إمرة مصر مرتين، ومات بها سنة نيّف وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، كذا ذكره الزرقاني في "شرح المرطأ"، وقال هو في "شرح المواهب اللدنية": العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، وهو قول الجمهور، كما قال النووي وغيره. وفي "تبصير المنتبه": قال النحاس: سمعتُ الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها، وقد لهجت العامة بحذفها، قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني أنه من الأسماء المنقوصة، فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا، وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان، كذا حكاه الآمدي هنا، قلت: وهذا إن مشى في العاصي بن وائل، لكنه لا يطرّد لأنَّ النبي ﷺ غيَّر اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله، فسمَّاه مطيعًا، فهذا يدل على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدل لذلك أيضًا.
(٢) قوله: هل ترد، أي: هل تأتي إليه فتشرب منه سباع البهائم كالذئب، والضبع، والثعلب، ونحوها، فإن سؤرها نجس كسؤر الكلب لاختلاطه بلعاب نجس متولِّد من لحمٍ حرامٍ أكلُهُ، ولعله كان حوضًا صغيرًا يتنجَّس بملاقاة النجاسة، وإلاَّ فلو كان كبيرًا لما سأل، ومعنى قوله "لا تخبرنا"، أي: ولو كنتَ تعلم أنه ترده السباع، لأنّا نحن لا نعلم ذلك، فالماء طاهر عندنا، فلو استعملناه استعملنا ماءً طاهرًا، كذا في "الحديقة النديَّة" لعبد الغني النابلسي شرح "الطريقة المحمدية" للبركلي.
(٣) لأجل الشرب حتى تمتنع منه.
[ ١ / ٢٦٦ ]
فَقَالَ عمرُ بْنُ الخطابْ: يَا صاحبَ الْحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا (١)، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّباع (٢) وتَرِدُ علينا (٣) .
_________________
(١) قوله: لا تخبرنا، الأظهر أن يُحمل على إرادة عدم التنجيس وبقاء الماء على طهارته الأصلية، ويدل عليه سؤال الصحابي، وإلاَّ فيكون عبثًا، ثم تعليله بقوله: "فإنّا" إشارة إلى أنَّ هذا الحال من ضرورات السفر، وما كُلِّفنا بالتحقيق، فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في مشقة عظيمة، كذا في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" لعلي القاري ﵀.
(٢) هذا بظاهره يؤيِّد مذهب مالك أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلاَّ ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه.
(٣) قوله: وتردإلخ، قال ابن الأثير في "جامع الأصول": زاد رزين قال: زاد بعض الرواة في قول عمر: "وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا طهور وشراب. انتهى. ونظيره ما رواه ابن ماجه، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، تَرِدُها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة منها، فقال: "لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر (معناه: "بقي". انظر مجمع بحار الأنوار ٤/٣) طهور". وروى الدارقطني في سننه، عن جابر، قيل: يا رسول الله، أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباع". وفي سندهما متكلم فيه. وبهذه الأحاديث ذهب الشافعية والمالكية إلى أن سؤر السباع طاهر لا يضر مخالطته بالماء، وأما أصحابنا الحنفية فقالوا بنجاسته (سؤر السباع طاهر عند مالك، وكذلك عند الشافعي، وسؤر سباع الوحش نجس عند الإمام وهما روايتان عن الحنابلة (أوجز المسالك: ١/٢١١»، وحملو أثر عمر على أن غرضه من قوله: "لا تخبرنا" أنك لو أخبرتنا لضاق الحال فلا تخبرنا، فإنا نرد على
[ ١ / ٢٦٧ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا كَانَ الحوضُ عَظِيمَا إنْ (١) حُرِّكتْ (٢) مِنْهُ ناحيةٌ (٣) لَمْ تتحرَّكْ بِهِ الناحيةُ الأُخْرَى لَمْ يُفسِدْ (٤) ذَلِكَ الماءَ مَا وَلِغَ فِيهِ مِنْ سَبُع، وَلا مَا وَقَعَ فِيهِ من قَذَر (٥)
_________________
(١) السباع وترد علينا، ولا يضرنا ورودها عند عدم علمنا، ولا يلزمنا الاستفسار عن ذلك. ولو كان سؤر السبع طاهرًا لما منع صاحب الحوض عن الإخبار، لأن إخباره حينئذٍ لا يضر، وأما حمله على أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا، فلا حاجة إلى إخبارك كما ذكره المالكية والشافعية فهو وإن كان محتملًا لكن ظاهر سياق الكلام يأباه. وأما قول ابن عبد البر: المعروف عن عمر في احتياطه في الدَّين أنه لو كان ولوغ السباع والحمير والكلب يفسد ماء الغدير لسأل عنه، ولكنه رأى أنه لا يضرّ الماء. انتهى. فمنظور فيه بأن مقتضى الاحتياط ليس أن يسأل عن كل أمر عن نجاسته وطهارته، فإنَّ في الدين سعة (قلت: وإذا كان الغدير عظيمًا فولوغ السباع لا يفسده اتفاقًا، فلا حجة فيه لهم ما لم يثبت كون الغدير صغيرًا) .
(٢) الجملة صفة مبيِّنة لمعنى العِظَم.
(٣) بصيغة الخطاب العام، وما بعده مفعول، أو بصيغة المجهول وما بعده فاعل.
(٤) أي: جانبًا.
(٥) قوله: لم يفسد، أي: لم ينجسه شيء من النجاسات الواقعة فيه، لأنه كالماء الجاري لعدم وصول النجاسة من جانب وقع فيه إلى جانب آخر، فيجوز الوضوء من الجانب الآخر، ووسّع متأخِّرو أصحابنا، فجوَّزوا الوضوء من كل جوانبه إلحاقًا له بالجاري.
(٦) بفتحتين، أي: عين النجاسة.
[ ١ / ٢٦٨ ]
إلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى رِيحٍ أَوْ طَعْمٍ (١)، فَإِذَا كَانَ حَوْضًا صَغِيرًا إنْ حُرِّكت مِنْهُ نَاحِيَةٌ تحرَّكَتْ الناحيةُ الأُخْرَى فَوَلَغَ (٢) فِيهِ السِّبَاعُ أَوْ وَقَعَ فِيهِ الْقَذَرُ لا يَتَوَضَّأُ (٣) مِنْهُ، أَلا يُرَى (٤) (٥) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَهُ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ (٦)، وَهَذَا كلُّه قولُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (٧) .
_________________
(١) قوله: أو طعم، وكذا لون لحديث: "الماء طهور لا ينجسه شيء إلاَّ ما غير طعمه أو لونه أو ريحه"، أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهما من طريق راشد بن سعد مرسلًا، فإن هذا الحديث محمول عند أصحابنا على الماء الجاري أو ما في حكمه.
(٢) أي: شربت منه بلسانها.
(٣) قوله: لا يتوضأ منه، لاختلاط النجاسة به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: آية ١٥٧) والنجاسة من الخبائث، ولم يفرِّق بين حالَتيْ انفرادها واختلاطها، فوجب تحريم استعمال كل ما تيقَّنَا فيه اختلاط النجاسة، وورد في السنَّة: "لا يبولّنَّ أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه"، ومعلوم أن البول في الماء الكثير لا يغيِّر طعمه ولونه وريحه، كذا في "البحر الرائق".
(٤) في نسخة "ألا ترى".
(٥) قوله: ألا يرى إلخ، سند لعدم جواز التوضّؤ من الحوض الصغير عند وقوع النجاسة فيه بأن عمر منع صاحب الحوض عن الإخبار لئلاّ يشكل عليه الأمر، وما ذلك إلاَّ لأنه لو أخبر به لَلَزمه (في الأصل: "لزمه"، والظاهر "لَلَزمه") تركه.
(٦) أي: عن الإخبار.
(٧) قوله: قول أبي حنيفة، المذاهب في هذا الباب خمسة عشر:
[ ١ / ٢٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الأول: مذهب الظاهرية: أن الماء لا يتنجَّس مطلقًا وإن تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، لحديث: "الماء طهور لا ينجِّسه شيء". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. والثاني: مذهب المالكية: أنه لا يتنجَّس إلاَّ ما تغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، لما مرَّ من حديث فيه الاستثناء. والثالث: مذهب الشافعية: أنه إن كان قلتين لا يتنجَّس وإلاَّ يتنجَّس لحديث: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث. أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما. هذه ثلاثة مذهب والباقية لأصحابنا. الأول: ما ذكره محمد ههنا، وهو التحديد بالتحريك، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه القدماء، وغلط من نسب إليه غيره. والثاني: التحديد بالكدرة. والثالث: التحديد بالصبغ. والرابع: التحديد بالسبع في السبع. والخامس: التحديد بالثمانية في الثمانية. والسادس: عشرين في عشرين. والسابع: العشر في العشر، وهو مذهب جمهور أصحابنا المتأخِّرين. والثامن: خمسة عشر في خمسة عشر. والتاسع: اثنا عشر في اثنا عشر.
[ ١ / ٢٧٠ ]