٤٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدَّثنا صفوانُ بنُ سُلَيم، عَنْ سعيدِ بنِ سلمةَ بنِ (٢) الأَزْرَقِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُردة، عن أبي هريرة (٣): أن
_________________
(١) وفي المذهب الأول ثلاث روايات: التحريك باليد، والتحريك بالغسل، والتحريك بالوضوء. فالمجموع اثنا عشر مذهبًا لأصحابنا، فإذا ضممته إلى ما تقدَّم، صار المجموع خمسة عشر، ولقد خضت في بحار هذه المباحث وطالعت لتحقيقها كتب أصحابنا المبسوطة، وكتب غيرهم المعتمدة، فوضع لنا ما هو الأرجح منها، وهو الثاني، ثم الثالث، ثم الرباع، وهو مذهب قدماء أصحابنا وأئمتنا، والباقية مذاهب ضعيفة، وقد أشبعنا الكلام فيها في السعاية (ص ٢٨٠) .
(٢) قوله: بماء البحر، قد جاء عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو كراهة الوضوء بماء البحر، وليس فيه لأحد حجة مع خلاف السنَّة، وقد روى قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي: سألت ابن عباس، عن الوضوء بماء البحر، قال: هما البحران لا تبالي بأيهما توضَّأت. كذا في "الاستذكار".
(٣) في نسخة آل بني.
(٤) قوله: عن أبي هريرة، هذا الحديث أخرجه الشافعي من طريق مالك، وأصحابُ السنن الأربعة، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وصححه البخاري، وتعقَّبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحًا لأخرجه في صحيحه، وردَّه ابن دقيق العيد وغيره بأنه لم يلتزم استيعاب كل الصحيح، ثم حكم ابن عبد البر بصحته لتلقّي العلماء له بالقبول. فقبله من حيث المعنى وردَّه من حيث الإسناد، وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث التي لا تبلغ درجة هذا، ورحج ابن مَنْدَهْ صحته، وصحَّحه الضياء وابن المنذر والبغوي، ومداره على صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن
[ ١ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أبي هريرة. قال الشافعي: في إسناده من لا أعرفه، قال البيهقي: يحتمل أنه يريد سعيدًا، أو المغيرة، أو كليهما، مع أنه لم يتفرَّد به سعيد، فقد رواه عن المغيرة يحيى بن سعيد الأنصاري، إلاَّ أنه اختلف عليه، فرواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن رجل من العرب يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، أن ناسًا من بني مدلج أتَوْا النبيَّ ﷺ، فذكره، وقيل: عنه، عن المغيرة، عن رجل من بني مدلج، وقيل: عنه، عن المغيرة عن أبيه، وقيل: عنه، عن المغيرة بن عبد الله أو عبد الله بن المغيرة، وقيل عنه عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه عن رجل من بني مدلج اسمه عبد الله وقيل عنه عن المغيرة عن عبد الله بن المغيرة عن أبي بردة مرفوعًا، وقيل: عنه، عن المغيرة، عن عبد الله المدلجي، ذكر هذا كلَّه الدراقطني، وقال: أشبهها بالصواب قول مالك، فأما المغيرة فقد روى عن أبي داود، أنه قال: المغيرة، عن أبي بردة معروف، وقال ابن عبد البر: وجدت اسمه في مغازي موسى بن نصير، ووثَّقه النسائي، فمن قال: إنه مجهول لا يعرف فقد غلط. واما سعيد بن سَلَمة - بفتحتين - فقد تابع صفوان على روايته له عنه أبو كثير الجلاّح، رواه عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث وغيرهما، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي، وسياقه أتم، واختُلف في اسم السائل في هذا الحديث، فوقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني أن اسمه عبد الله المدلجي، وأورده الطبراني في من اسمه عبد، وتبعه أبو موسى فقال: اسمه عبد بن زمعة البلوي، وقال ابن مَنيع: بلغني أن اسمه عبد، وقيل: عبيد - مصغرًا -، وقال السمعاني في الأنساب إن اسمه العركي وهو غلط فإنما العركي وصف له وهو ملاح السفينة، وقال البغوي: اسمه حميد بن صخر. هذا ملخَّص ما في: "التلخيص الحبير (في الأصل: "تلخيص الحبير"، وهو تحريف) في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير" للحافظ ابن حجر العسقلاني. وفي "إسعاف المبطأ": صفوان بن سُليم - بالضم - المدني الزهري مولاهم الفقيه، روى عن مولاه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وأنس،
[ ١ / ٢٧٢ ]
رجلا سأل رسولَ الله ﷺ فقال: إنا نركبُ البَحْرَ (١) ونحمِلُ معنا القليلَ من الماء،
_________________
(١) وجماعة، وعنه مالك وزيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر والليث والسفيانان، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عابدًا، وقال: هو رجل يستشفى بحديثه، وينزل القطر من السماء بذكره، مات سنة ١٨٤ هـ، وسعيد بن سلمة - بفتحتين - المخزومي روى عنه صفوان والجلاح، وثقه النسائي، والمغيرة بن أبي بردة حجازي من بني عبد الدار، وثقه النسائي. انتهى. وقال الترمذي في جامعه: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: صحيح، فقلت. إن هشيمًا يقول: فيه المغيرة بن بَرْزة - أي: بفتح الباء الموحَّدة وسكون الراء المهملة ثم زاي معجمة - فقال: وهم فيه، إنما هو المغيرة بن أبي بردة - أي بضم الباء وسكون الراء المهلمة بعدها دال مهملة. انتهى. وفي الإكمال: سئل أبو زرعة عن اسم والد المغيرة، فقال: لا أعرفه. انتهى. وفي "الإلمام بأحاديث الأحكام" لابن دقيق العيد: ذكرنا في كتاب "الإمام" وجوهَ التعليل التي يُعلَّل بها هذا الحديث، وحاصلها راجع إلى الاضطراب في الإسناد. والاختلاف في بعض الرواة، ودعوى الجهالة في سعيد بن سلمة، لكونه لم يروِ عنه إلاَّ صفوان فيما زعم بعضهم، وفي المغيرة بن أبي بردة، وأيضًا فمن العلل الاختلاف في الإسناد والإرسال. ويقدم الأحفظ المرسل على المسند الأقل حفظًا. وهذا الأخير إذا ثبتت عدالة المسند غير قادح على المختار عند أهل الأصول، وأما الجهالة المذكورة في سعيد، فقد قدمنا من كلام ابن منده ما يقتضي رواية الجلاّح عنه مع صفوان، وذلك - على المشهور عند المحدثين - يرفع الجهالة عن الراوي، وأما المغيرة، فقد ذكرنا من كلام ابن منده أيضًا موافقة يحيى بن سعيد لسعيد بن سلمة في الرواية، عن المغيرة أيضًا، ووقع لنا ثالث يروي عن المغيرة، وهو يزيد بن يحيى القرشي، وأما الاختلاف والاضطراب، فقد ذكرنا ما قيل في الجواب عنه في "الإمام".
(٢) المَلِح لأنه المتوهَّم فيه، لأنه مالح وريحه منتن.
[ ١ / ٢٧٣ ]
فإنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشنا (١) (٢)، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فقال رسول الله ﷺ: هُوَ (٣) الطَّهورُ (٤) مَاؤُهُ الحَلالُ مَيْتَتُهُ (٥) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نأخُذُ: ماءُ البحرِ طهورٌ كغيرِه (٦) مِنَ المياه،
_________________
(١) بكسر الطاء.
(٢) أي: نحن ورفقاؤنا.
(٣) قوله: هو الطهور إلخ، كذا أخرجه النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن حبّان، وفي رواية الدارمي في سننه من حديثه: أتى رجال من بني مُدلِج، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أصحاب هذا البحر نعالج الصيد على رمث فنغرب فيه الليلة والليلتين والثلاث والأربع، ونحمل معنا من العَذب لشفاهنا، فإن نحن توضَّأنا خشينا على أنفسنا، وإن نحن آثرنا بأنفسنا وتوضأنا من البحر وجدنا في أنفسنا من ذلك، فقال: "توضؤوا منه، فإنه الطاهر ماؤه الحلال ميتته"، أخرج نحوه ابن ماجة والحاكم وابن حبان والدارقطني وأحمد وأبو نعيم من حديث جابر والحاكم من حديث علي، وعبد الرزاق من حديث أنس، والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وابن عبد البر من حديث الفِرَاسي، والدارقطني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، وابن حبان والدارقطني من حديث أبي بكر.
(٤) أي: الطاهر في ذاته المطهِّر لغيره.
(٥) قوله: الحلال ميتته، قال الرافعي: لما عرف النبي ﷺ اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكمُ ميتته، وقد يُبتلى بها راكب البحر فعقَّب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة، كذا في "التنوير".
(٦) قوله: كغيره من المياه، من ماء السماء والثلج والبرَد وغير ذلك، وأما كراهة التوضّؤ به كما هو منقول عن ابن عمر وابن عمرو فليس لأمر في طهارته، بل لأن تحت البحر نارًا، البحار تسجر يوم القيامة نارًا، كما ذكره عبد الوهاب الشعراني في "اليواقيت".
[ ١ / ٢٧٤ ]
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْعَامَّةِ (١) .