٤٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شهابٍ الزُّهري، عَنْ عبَّادِ بنِ زِيَادٍ (٣) مِن وُلْدِ (٤)
_________________
(١) أي: عامة العلماء.
(٢) قوله: المسح على الخفين، نقل ابن المنذر، عن ابن المبارك: ليس في مسح الخفين عن الصحابة اختلاف، فإنَّ كلّ من رُوي عنه إنكاره رُوي عنه إثباته، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أنكره إلاَّ مالكًا في رواية، أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرّحة بإثباته، وموطؤُه يشهد للمسح، وعليها جمع أصحابه وجميع أهل السنَّة، كذا قال الزرقاني.
(٣) أبو حرب، وثَّقه ابن حبان، ولاّه معاوية سجستان، ومات سنة ١٠٠ هـ، كذا في "الإسعاف".
(٤) قوله: من وُلد إلخ، وهم من مالك وإنما هو مولى المغيرة، قاله الشافعي ومصعب الزبيري وأبو حاتم والدارقطني وابن عبد البر، قال: وانفرد يحيى وعبد الرحمن بن مهدي بوهم ثانٍ فقالا "عن أبيه" ولم يقُله من رواة الموطأ غيرهما. وإنما يقولون عن المغيرة بن شعبة ثم هو منقطع فعبّاد لم يسمع المغيرة ولا رآه وإنما يرويه الزهري، عن عباد، عن عروة حمزة ابنَي المغيرة، عن المغيرة، وربما حدَّث الزهري، عن عرو وحده. قال الدارقطني: فوهم مالكٌ في إسناده في موضعين، أحدهما قوله عباد من وُلد المغيرة، والثاني إسقاطه عروة وحمزة، كذا في "تنوير الحوالك". وههنا وهم آخر من صاحب هذا الكتاب أو من نسّاخه، وهو إسقاط المغيرة بن شعبة، فإن هذا الحديث معروف من حديثه، ومرويّ كذلك في جميع
[ ١ / ٢٧٥ ]
المغيرةِ (١) بنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النبيَّ ﷺ ذَهَب لحاجتِهِ (٢) فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ (٣)، قال (٤): فذهبت معه بماء (٥)، قال: فجاء
_________________
(١) كتب الحديث، ونُسَخ هذا الكتاب على ما رأينا ستّ نُسخ، والسابعة التي عليها شرح القاري ليس فيها ذكر المغيرة بل عبارتها عن عباد بن زيد مِنْ وُلْد المغيرة: أن النبي ﷺالحديث، مع أن نفس عبارة الحديث تشهد بأن القصة مع صحابيّ لا مع عباد، كما يُستفاد بسبب سقوط ذكر المغيرة.
(٢) قوله: المغيرة: هو ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب الثقفي، يُكنى أبا عبد الله أو أبا عيسى، أسلم عام الخندق وقدم مهاجرًا، وقيل: أول مشاهده الخندق، توفي سنة خمسين بالكوفة، كذا في "الاستيعاب".
(٣) أي: لقضاء حاجة الإنسان.
(٤) قوله: في غزوة تبوك، زاد مسلم وأبو داود "قبل الفجر" وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وهي آخر غزواته ﷺ، وهي من أطراف الشام المقاربة للمدينة، وقيل: سمِّيت بذلك لأنه ﵇ رأى أصحابه يبوكون عين تبوك، أي يُدخلون فيها القدح ويحرِّكون ليخرج الماء، فقال: ما زلتم تبوكونها بوكًا.
(٥) أي: الراوي وهو المغيرة.
(٦) قوله: بماء، وللبخاري في الجهاد: أنه ﷺ هو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة وأنه انطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته، ثم أقبل فتوضأ، وعند أحمد عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبي ﷺ قال له: سلها إن كانت دبغتها فهو طهورها، وأنها قالت: والله دبغتها، كذا في "ضياء الساري" شرح "صحيح البخاري" لعبد الله بن سالم البصري المكيّ.
[ ١ / ٢٧٦ ]
النبيُّ ﷺ (١)، فسكبتُ (٢) عَلَيْهِ (٣)، قَالَ: فغسَلَ وجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ (٤) يَدَيْهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ (٥) مِنْ ضيقِ كُمَّي (٦) جُبَّتِهِ (٧) فَأَخْرَجَهُمَا (٨) مِنْ تَحْتِ (٩) جُبَّتِهِ فغسَلَ يَدَيْهِ ومسَحَ برأسهِ (١٠) ومسَحَ عَلَى الخفَّين، ثُمَّ جَاءَ (١١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ يؤمُّهم (١٢) قَدْ صلى بهم
_________________
(١) بعد قضاء حاجته.
(٢) سكب الماء يسكبه: صبّه.
(٣) فيه جواز الاستعانة في الوضوء.
(٤) أي: من كُمَّيْه.
(٥) قوله: فلم يستطع، فيه لُبس الضَّيِّق من الثياب، بل ينبغي أن يكون ذلك في الغزو مستحبًا لما في ذلك من التأهُّب والتأسي برسول الله ﷺ في لباسه مثل ذلك في السفر، وليس به بأس في الحضر، وفيه أن العمل الذي لا طول فيه جائز في أثناء الوضوء، ولا يلزم من ذلك استئناف الوضوء.
(٦) بضم الكاف.
(٧) هي ما قطع من الثياب مشمَّرًا.
(٨) زاد مسلم: وألقى الجُبَّة على منكبيه.
(٩) أي: من داخلها من طرف الذيل.
(١٠) في رواية مسلم: بناصيته.
(١١) قوله: جاء، لابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس، فقدَّموا عبد الرحمن.
(١٢) قوله: يؤمهم، فيه أنه إذا خِيف فوت وقت الصلاة أو فوت الوقت المختار لم يُنتظر الإمام وإن كان فاضلًا جدًا، وقد احتج الشافعي بأنَّ أول الوقت أفضل بهذا الحديث.
[ ١ / ٢٧٧ ]
سَجْدَةً (١)، فَصَلَّى مَعَهُمْ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣)، ثُمَّ صَلَّى الرُّكعة (٤) الَّتِي بَقِيَت، ففزِعَ الناسُ (٥) لَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: قَدْ أَحْسَنْتُمْ (٦) .
٤٨ - أَخْبَرَنَا مالكٌ: حدَّثنا سعيدُ (٧) بنُ عَبْدِ الرحمن بنِ رُقَيش (٨) أنه قال:
_________________
(١) أي: ركعة، زاد مسلم وأبو داود: "من صلاة الفجر".
(٢) زاد مسلم وأبو داود وراء عبد الرحمن بن عوف. قوله: فصلّى معهم، أخرج ابن سعد في "الطبقات" بسند صحيح، عن المغيرة أنه سئل: هل أمَّ النبي ﷺ أحد من الأمة غير أبي بكر، قال: نعم، كنا في سفر، فلما كان من السَّحَر انطلق وانطلقتُ معه حتى تبرَّزنا عن الناس. فنزل عن راحلته فتغيَّب عني حتى ما أراه، فمكث طويلًا، ثم جاء، فصببت عليه، فتوضأ ومسح على خفيه، ثم ركبنا، فأدركنا الناس وقد أقيمت الصلاة فتقدَّمهم عبد الرحمن بن عوف وقد صلّى ركعة وهم في الثانية، فذهبت أوذنه فيها فنهاني، فصلَّينا الركعة التي أدركنا وقضينا التي سبقنا، فقال النبي ﷺ حين صلّى خلف عبد الرحمن: "ماقُبض نبيٌّ قطّ حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته"، كذا في "التنوير".
(٣) فيه جواز صلاة الفاضل خلف المفضول.
(٤) قوله: ثم صلّى الركعة إلخ، كان فعله هذا كقوله: "إنما الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه".
(٥) قوله: ففزع الناس، لسبقهم رسول الله ﷺ بالصلاة، وأكثروا التسبيح رجاء أن يشير إليهم (في الأصل: "بهم"، وهو خطأ) هل يعيدونها أم لا.
(٦) فيه دليل على أنه ينبغي أن يُحمد ويُشكر كل من بدر إلى أداء فرضه.
(٧) الأشعري المدني، ثقة من صغار التابعين، قاله الزرقاني.
(٨) بضم الراء، وبالقاف والشين.
[ ١ / ٢٧٨ ]
رَأَيْتُ أَنَسَ (١) بنَ مالكٍ أَتَى قِبَاءَ، فَبَالَ، ثُمَّ أَتَى بِمَاءٍ، فتوضأَ، فغسَلَ وجهَهُ ويدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ومسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ (٢)، ثُمَّ صَلَّى.
٤٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نافعٌ وعبدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ (٣): أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَدِمَ الكوفَة عَلَى سعدِ (٤) بْنِ أبي وقّاص (٥) وهو أميرها (٦)،
_________________
(١) قوله: رأيت إلخ، لم يُرْوَ عن أحد من الصحابة إنكارُ المسح على الخفين إلاَّ عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة، أما ابن عباس وأبو هريرة فقد جاء عنهما بالأحاديث الحسان خلاف ذلك وموافقة سائر الصحابة، ولا أعلم أحدًا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخُفَّين ممن لم يُختلف عنه فيه إلا عائشة (ولا يثبت عنها أيضًا. انظر (معارف السنن ١/٣٣٢) . وقال القاري في (المرقاة ٢/٧٨): أما عائشة، ففي صحيح مسلم أنها أحالت ذلك على علم عليّ ﵁. وفي رواية، قالت - وسئلت عنه أعني المسح -: مالي بهذا علم)، كذا في "الاستذكار".
(٢) في الاستدلال بفعل الصحابة بعده ﵇ إيماء إلى أن المسح على الخفين ليس من منسوخ الأحكام.
(٣) أبو عبد الرحمن المدني، مولى عبد الله بن عمر، وثقه أحمد، مات سنة ١٢٧ هـ كذا في "الإسعاف"..
(٤) أبو إسحاق أحد العشرة المبشَّرة، مات سنة خمس وخمسين، وقيل سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان، وقيل أربع.
(٥) مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.
(٦) من قبل عمر.
[ ١ / ٢٧٩ ]
فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ يمسَحُ عَلَى الخفَّين، فَأَنْكَرَ (١) ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ أَبَاكَ إِذَا قَدِمتَ (٢) عَلَيْهِ، فَنَسِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَسْأَلَهُ حَتَّى قَدِم (٣) سَعْدٌ، فَقَالَ (٤): أسألتَ أَبَاكَ؟ فَقَالَ: لا (٥)، فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ (٦): إِذَا أدْخَلْتَ (٧) رجليكَ
_________________
(١) قوله: فأنكر ذلك عليه، فيه أن الصحابي القديم الصحبة قد يخفى عليه من الأمور الجليَّة في الشرع ما يطَّلع عليه غيره، لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قِدَم صحبته وكثرة روايته، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما أنكر المسح في الحضر لا في السفر ومع ذلك فالفائدة بحالها زاد القسطلاّني: وأما السفر، فقد كان ابن عمر يعلمه كما رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير" وابن أبي شيبة في "مصنفه" من رواية عاصم، عن سالم، عنه: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين في السفر، كذا في "ضياء الساري".
(٢) المدينة.
(٣) أي: المدينة.
(٤) لابن عمر.
(٥) قوله: فقال لا، وفي رواية لأحمد من وجه آخر: فلما اجتمعنا عند عمر قال لي سعد: سل أباك.
(٦) ولابن خزيمة، فقال عمر: كنا ونحن مع نبيِّنا ﷺ نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأسًا.
(٧) قوله: إذا أدخلتَ إلخ، قد ثبت ذلك عن النبي ﷺ من حديث الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، رواه عن الشعبي يونس، وابن أبي إسحاق، وزكريا بن أبي زائدة، وقال الشعبي: شهد لي عروة على أبيه، وشهد أبوه على النبي ﷺ، وأجمع الفقهاء على أنه لا يجوز المسح على الخفين إلاَّ لمن لبسهما على طهارة، إلاَّ أنهم اختلفوا في من قدَّم في وضوئه غَسْل رجليه، ولبس خُفَّيْه، ثم أتمَّ وضوءه هل يمسح عليهما أم لا، وهذا إنما يصح على قول من أجاز تقديم أعضاء الوضوء بعضهما على بعض ولم يوجب النسق ولا الترتيب، كذا في "الاستذكار".
[ ١ / ٢٨٠ ]
فِي الخُفين وُهَمَا (١) طَاهِرَتَانِ (٢) فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ (٣): وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ مِنَ الْغَائِطِ (٤)؟ قَالَ: وَإِنْ جَاءَ أحدُكُم مِنَ الْغَائِطِ.
٥٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ بَالَ بِالسُّوقِ (٥) (٦)، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ برأسه، ثم دُعي
_________________
(١) قوله: وهما طاهرتان، استدلَّ الشافعية على اشتراط اللُّبْس على طهارة كاملة بأحاديث، منها ما في الصحيحين من حديث المغيرة "دعهما فإني أدخلتُهما طاهرتين". ومحل الخلاف يظهر في مسألتين: إحداهما: إذا أحدث ثم غسل رجليه ثم لبس الخفين ثم مسح عليهما ثم أكمل وضوءه. الثانية: إذا أحدث ثم توضأ، فلما غسل إحدى رجليه لبس عليها الخُف، ثم غسل الأخرى ثم لبس الخُف، فإن هذا المسح جائز عندنا في الصورتين خلافًا لهم، وهم يطلقون النقل عن مذهبنا ويقولون: الحنفية لا يشترطون كمال الطهارة في المسح، كذا في "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي ﵀.
(٢) أي: عند وجود الحدث بعد المسح.
(٣) قوله: قال عبد الله وإن جاء أحدنا إلخ، وفي البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن سعد: أن النبيّ ﷺ مسح على الخفين، وابن عمر سأل أباه عن ذلك فقال: نعم، إذا حدَّثك شيئًا سعدٌ عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره.
(٤) قوله: من الغائط، الغوط عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئنّ من الأرض غائط، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة الغائط، لأن العادة أن تُقضى في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتُّسع فيه حتى صار يُطلق على النَّجو نفسه، وقد تكرر في الحديث بمعنى الحدث والمكان، كذا في "النهاية".
(٥) لعله في موضع أُعِدَّ هناك لذلك.
(٦) سُمِّي السوق به لأن الناس يُساقون إليه، وقيل: هو بالفتح اسم موضع.
[ ١ / ٢٨١ ]
لِجَنَازَةٍ (١) حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ (٢) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ (*)، فمَسَح (٣) عَلَى خُفَّيْهِ (٤) ثُمَّ صَلَّى (٥) (٦) .
٥١ - أَخْبَرَنَا مالكٌ، أَخْبَرَنِي هشامُ بنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ رَأَى (٧) أباه يمسَحُ على الخُفَّين
_________________
(١) أي: للصلاة على جنازة.
(٢) النبوي. (*) هكذا في الأصل، والصواب: "عليها" كما في نسخ الموطأ. انظر (الأوجز: ١/٢٤٩)
(٣) قوله: فمسح على خفيه، قال أبو عمر: تأخير مسح الخفين محمول عند أصحابنا أنه نسي، وقال غيره: لأنه كان برجليه علَّة، فلم يمكنه الجلوس حتى أتى المسجد، فجلس ومسح، والمسجد قريب من السوق، وقال الباجي: يُحتمل أنه نسي، وأنه اعتقد جواز تفريق الطهارة، وأنه لعجز الماء عن الكفاية، وقد قال ابن القاسم في "المجموعة": لم يأخذ مالك ابن عمر في تأخير المسح، كذا قال الزرقاني، وفيه ما لا يخفى.
(٤) فيه جواز تفريق فرائض الوضوء خلافًا للمالكية، فإن الولاء عندهم ضروري، وقد أوَّلوا هذا الأثر بتأويلات ركيكة.
(٥) على الجنازة.
(٦) ومن المعلوم أنه لا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها في اعتبار شرائطها
(٧) قوله: أنه رأى أباه، قال القاري: أي الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة. انتهى. وهو مبني على أن ضمير "أباه" راجع إلى عروة المذكور في قوله عن أبيه وكذا ضمير أنه لكن في موطأ يحيى وشرحه للزرقاني مالك عن هشام بن عروة، أنه رأى أباه يمسح على الخفين قال هشام وكان عروة لا يزيد إذا مسح على الخفين على أن يمسح ظهورهما ولا يمسح بطونهما. انتهى. ومثله في "استذكار" ابن عبد البر، فعلى هذا، الضميران راجعان إلى هشام، والمراد
[ ١ / ٢٨٢ ]
عَلَى ظهورِهما (١) لا يَمْسَحُ بُطُونَهُمَا، قَالَ: ثُمَّ يرفعُ العمامة فيمسَحُ برأسِه.
_________________
(١) بالأب في كلا الموضعين هو عروة بن الزبير والد هشام، لا الزبير والد عروة، ويكون قوله: "أنه رأى أباه" بيانًا لقوله: "عن أبيه"، والمعنى: أخبرني هشام عن حال أبيه عروة وهو أنه أي هشام رآه يمسح على الخفين إلخ.
(٢) قوله: على ظهورهما إلخ، لم يختلف قول مالك أن المسح على الخفين على حسب وصفه ابن شهاب أنه يدخل إحدى يديه تحت الخف والأخرى تحته (هكذا في الأصل والصواب فوقه. انظر (الاستذكار ١/٢٨٤»، إلا أنه لا يرى الإعادة على من اقتصر على مسح ظهور الخفين إلاَّ في الوقت. وأما الشافعي فقد نصَّ أنه لا يجزئه المسح على أسفل الخف ويجزئه على ظهره فقط، ويُستحب أن لا يُقْصر أحد عن مسح ظهور الخفين وبطونهما معًا كقول مالك. وهو قول عبد الله بن عمر، ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يمسح ظهور خُفِّيه وبطونهما، والحجة لمالك والشافعي حديث المغيرة بن شعبة عن النبيّ ﷺ أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله، رواه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، ولم يسمعه ثور من رجاء، وقد ذكر علَّته في "التمهيد:، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: يمسح ظهور (قال أبو حنيفة: يجزئه قدر ثلاثة أصابع، وقال مالك بالاستيعاب، وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم المسح، وقال أحمد: الأكثر"أوجز المسالك ١/٢٥٤) الخفين دون بطونهما، وبه قال أحمد وإسحاق وداود، وهو قول عليّ بن أبي طالب وقيس بن سعد بن عبادة والحسن البصري وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح، وجماعة، والحجة لهم ما ذكره أبو داود، عن عليّ، قال لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخف أَولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهره. وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة، قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظهور الخفين. وهذان الحديثان يدلان على بطلان قول أشهب ومن تابعه أنه يجوز الاقتصار في المسح على باطن الخف، كذا في "الاستذكار".
[ ١ / ٢٨٣ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كلِّه (١)، نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَرَى (٢) المسحَ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً (٣) وثلاثَةَ أيامٍ ولياليَها للمسافر.
_________________
(١) من نفس المسح، وكونه على الظهر، وجواز التفريق بينه وبين باقي الفرائض، وجوازه في الحضر والسفر بعد لُبسه على طهارة كاملة، وغير ذلك.
(٢) أي: نعتقد.
(٣) قوله: يومًا وليلة هكذا ورد في حديث عليّ، عن النبي ﷺ، أنه جعل المسح ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم. أخرجه مسلم وأبو داود، وأخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجة، عن صفوان: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنَّا سَفرًا أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثة أيام وليالِيَهن إلا عن جنابة، وأخرج أبو داود والترمذي، عن خزيمة مرفوعًا: المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة. وأخرج نحوَه أحمد وإسحاق والبزّار والطبراني من حديث عوف بن مالك، وابن خزيمة، والطبراني من حديث أبي بكرة. فبهذه الأخبار وأمثالها قال أصحابنا بالتوقيت، وبه قال سفيان الثوري والأوزاعي، والحسن بن حَيّ، والشافعي، وأحمد، وداود، كذا في "الاستذكار". وفيه أيضًا "ثبت التوقيتُ عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص على اختلاف عنه، وعمار بن ياسر، وحذيفة، وأبي مسعود، والمغيرة، وهو الاحتياط عندي. انتهى. وقالت طائفة: لا توقيت في المسح، يُروى ذلك عن الشعبي وربيعة والليث وأكثر أصحاب مالك، كذا ذكره العيني. وذكر ابن عبد البَرّ، أنه رُوي مثله عن عمر وسعد وعقبة بن عامر، وابن عمر، والحسن البصري. والحجة لهم في هذا حديث أبي بن عمارة، قلت: يا رسول الله، أَمْسَحُ على الخفين؟ قال: نعم، قلت: يومًا، قال: نعم، قلت: ويومين، قال: نعم، قلت: وثلاثة، قال: نعم، وما شئت. أخرجه أبو داود وابن ماجة والدارقطني، وهو حديث ضعيف ضعَّفه البخاري، وقال أبو داود: اختُلف في إسناده وليس بالقوي، وقال أبو زرعة: رجاله
[ ١ / ٢٨٤ ]
وَقَالَ مالكُ بنُ أَنَسٍ (١): لا يمسَحُ الْمُقِيمُ عَلَى الخُفَّين.
وعامَّةُ هَذِهِ الآثَارِ (٢) الَّتِي رَوَى مَالِكٌ فِي الْمَسْحِ إِنَّمَا هِي فِي الْمُقِيمِ، ثُمَّ (٣) قَالَ: لا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ (٤) عَلَى الخُفَّين.
_________________
(١) لا يعرفون، وقال ابن حبان: لستُ أعتمد على إسناد خبره، وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس إسناده بقائم، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث شرح الوجيز للرافعي (ونقل النووي في شرح المهذب (١/٤٨٤) اتفاق الأئمة على ضَعْفه. وانظر أحاديث عدم التوقيت في نصب الراية (١/١٧٥) وما بعدها) .
(٢) قوله: وقال مالك بن أنس إلخ، هذا الذي حكاه عنه إنما هو رواية عنه غير معتمدة، فقد روي عنه في ذلك ثلاث روايات: إحداها: وهي أشد نكارة من إنكار المسح في الحضر والسفر، والثانية: كراهة المسح في الحضر وجوازه في السفر، والثالثة: إجازة المسح في الحضر والسفر، كذا ذكره ابن عبد البر. وذكر العيني نقلًا، عن النووي، أنه رُوي عنه ست روايات: إحداها: لا يجوز المسح أصلًا، ثانيها: يكره، ثالثها: يجوز من غير توقيت وهي المشهورة عند أصحابه، ورابعها: يجوز مؤقتًا، وخامسها: يجوز للمسافر دون المقيم، وسادسها: يجوز لهما. وقال ابن عبد البر: موطأ مالك يشهد للمسح في الحضر والسفر.
(٣) قوله: وعامة هذه الآثار إلخ، ردّ عل مالك بأن أثر ابن عمر وسعد وأنس وعمر التي ذكرها في الموطأ دالّة عل جواز المسح في الحضر، فكيف يجوز إنكاره مع ورودها. واحتج بعض أصحابه بأن المسح شُرع لمشقة السفر وهي مفقودة في الحضر، ورده ابن عبد البر بأن القياس والنظر لا يعرّج عليه مع صحة الأثر. ومنهم من قال: أحاديث المسح في الحضر لا يثبت شيء منها، وفيه مبالغة واضحة.
(٤) أي بعدما رواها.
(٥) قوله: المقيم، قال عبد الله بن سالم المكي في "ضياء الساري":
[ ١ / ٢٨٥ ]