٥٥ - أَخْبَرَنَا مالكٌ، أَخْبَرَنَا عبدُ اللَّهِ (٤) بنُ دِينَارٍ (٥)، عن
_________________
(١) قوله: وبهذا كله نأخذ، أي بما أفاده هذا الحديث من الأفعال فبعضها فرائض عندنا، كالمضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن، وباقيها من تقديم غسل اليدين وتعقيبه بغسل الفرج وإن لم يكن عليه نجاسة والتوضُّئ غير ذلك سنن.
(٢) قوله: ليس بواجب، بل ليس بسنة أيضًا (قال الطحطاوي على "المراقي": ولا يجب إيصال الماء إلى باطن العينين ولو في الغسل للضرر، هذه العلة تنتج الحرمة، وبه صرح بعضهم وقالوا: لا يجب غسلها من كحل نجس ولو أعمى لأنه مضر مطلقًا، وفي ابن أمير الحاج: يجب إيصال الماء إلى أهداب العينين وموقَيهما. قلت: وما يخطر في البال - والله أعلم - أن ابن عمر ﵁ استنبطه من قوله ﷺ: "أشربوا الماء أعينكم". أخرجه الدارقطني بسند ضعيف كما ذكره ابن رسلان، وكأن معنى قوله ﷺ عند العامة هو تعاهد الماقين لكن ابن عمر ﵁ حمله على ظاهره فكان ينضح في عينيه، فتأمل وتشكر (أوجز المسالك ١/٢٨٣» .
(٣) بالاحتلام أو غيره.
(٤) مولى عبد الله بن عمر.
(٥) قوله: عبد الله بن دينار، هكذا رواه مالك في الموطأ، باتفاق من روات الموطأ، ورواه خارج الموطأ عن نافع بدل عبد الله بن دينار، قال أبو علي: والحديث لمالك عنهما جميعًا، وقال ابن عبد البر: الحديث لمالك عنهما جميعًا، لكن المحفوظ عن عبد الله بن دينار، وحديث نافع غريب. انتهى. وقد رواه عنه كذلك خمسة أو ستة فلا غرابة، وإن ساقه الدارقطني فمراده خارج الموطأ، فهي غرابة خاصة بالنسبة إلى رواية الموطأ، كذا في "الفتح".
[ ١ / ٢٨٩ ]
ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ (١) ﵁ ذكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ (٢) تُصيبُهُ الجنابةُ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: تَوَضَّأْ (٣) واغسل ذكرَك (٤) ونَمْ.
_________________
(١) قوله: أن عمر ذكر، مقتضاه أنه من مسند ابن عمر، كما هو عند أكثر الرواة، ورواه أبو نوح عن مالك فزاد فيه عن عمر، وقد بيَّن النسائي سبب ذلك في روايته من طريق ابن عون عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة، فأتى عمر فذكر ذلك له. فأتى عمر النبي ﷺ فاستأمره، فقال: "ليتوضأ ويرقد"، وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب" أنه يصيبه" يعود إلى ابن عمر، لا على عمر، وقوله في الجواب "توضأ" يحتمل أن يكون ابن عمر حاضرًا فوجه الخطاب إليه، كذا قال الزرقاني.
(٢) روى ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة، كذا في "الفتح".
(٣) قوله: توضأ، قال ابن الجوزي: الحكمة فيه أن الملائكة تبتعد عن الوسخ والريح الكريهة، وأن الشياطين تقرب من ذلك. وقال النووي: اختُلف في حكمة هذا الوضوء، فقال أصحابنا: لأنه يخفِّف الحدث، وقيل: لعله أن ينشط إلى الغسل إذا بلَّ أعضاءه، وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه، وأخرج الطبراني في "الكبير" بسند لا بأس به عن ميمونة بنت سعد، قلت: يا رسول الله، هل يأكل أحدنا وهو جنب؟ قال: لا، حتى يتوضأ، قلت: هل يرقد الجنب؟ قال: ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، فإني أخشى أن يُتَوَفَّى فلا يحضره جبريل. وقال الباجي: لا يبطل هذا الوضوء ببول ولا غائط، قلت: يخرج من هذا لُغز لطيف، فيقال: لنا وضوء لا يبطله الحدث وإنما يبطله الجماع. كذا في "التنوير".
(٤) قوله: اغسل ذكرك، في رواية أبي نوح: ذكرك ثم توضأ ثم نم، وهو يردّ على من حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر، لأنه
[ ١ / ٢٩٠ ]
قال محمد: وإن لم يوضَّأ وَلَمْ يغسِل ذَكَرَهُ حَتَّى يَنَامَ فَلا بَأْسَ (١) بذلك أيضًا.
_________________
(١) ليس بوضوء يُنقض بالحدث، وإنما هو للتعبّد، إذ الجنابة أشدّ من مس الذكر، وقال ابن دقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر، وجاء بصيغة الشرط، وهو متمسِّك لمن قال بوجوبه، وقال ابن عبد البر: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وهو شذوذ، وقال ابن العربي: قال مالك والشافعي: لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ، واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل وقال: لم يقل الشافعي بوجوبه ولا يَعرف ذلك أصحابه، وهو كما قال، لكن كلام ابن العربي محمول على أنه أراد نفي الإباحة المستوية الطرفين، لا إثبات الوجوب، أو أراد وجوب سنة أي متأكد الاستحباب، ونقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة أنه ﵇ كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماءً، رواه أبو داود وغيره، وتُعُقِّب بأن الحفاظ قالوا: إن أبا إسحاق غلط فيه، وبأنه لو صح حُمل على أنه تَرَك الوضوء لبيان الجواز لئلا يُعتمد وجوبه، أو أن معنى قولها (في الأصل: "قوله"، وهو تحريف): "لم يمس ماءً"، أي للغسل، وأورد الطحاوي ما يدل على ذلك، ثم جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث: كان يتوضأ وهو جنب، ولا يغسل رجليه، كما رواه مالك في الموطأ عن نافع. وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة من رواية عائشة فيُعتمد ويحمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أنه كان لعذر. وقال جمهور العلماء: المراد بالوضوء ههنا الوضوء الشرعي، كذا في "الفتح".
(٢) قوله: فلا بأس بذلك أيضًا، يشير إلى أنه ليس بضروري حتى لو ترك
[ ١ / ٢٩١ ]
٥٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي (١)، عَنِ الأسودِ (٢) بنِ يَزِيدَ، عَنْ عائشة ﵂ قالت: كان
_________________
(١) لزمه إثم، بل هو أمر مستحب مَن فَعَل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، وهذا هو قول الثوري كما قال ابن عبد البر. قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء وأحب إليهم أن يتوضأ، وقال الليث: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة، ولا أعلم أحدًا أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وسائر الفقهاء لا يوجبونه وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين. انتهى ملخصًا. فظهر من ههنا أنه لا خلاف في هذه المسألة بين أصحابنا وبين الشافعية وغيرهم ما عدا الظاهرية إلاَّ أن يكون الاستحباب عندهم متأكدًا وعند أصحابنا غير متأكد.
(٢) قوله: عن أبي إسحاق السبيعي، هو عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال علي، السبيعي نسبه إلى سَبيع بالفتح قبيلة من همدان، الكوفيّ، وُلد لسنتين بَقِيتا من خلافة عثمان، وروى عن عليّ بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وقد رآهما ولم يسمع منهما، وعن سليمان بن صُرد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والنعمان بن بشير، والأسود بن يزيد النَّخَعي، وأخيه عبد الرحمن بن يزيد، وابنه عبد الرحمن بن الأسود، وسعيد بن جبير، والحارث الأعور، وغيرهم، وعنه ابنه يونس، وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الآخر يوسف بن اسحق وقتادة وسليمان التيمي ومسعر والثوري وسفيان بن عيينة وآخرون، قال أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم: ثقة، وله مناقب جمّة مبسوطة في "تهذيب التهذيب"، وكانت وفاته سنة ١٢٨ هـ أو سنة ١٢٩ هـ أو سنة ١٢٦ هـ أو سنة ١٢٧ هـ، قاله غير واحد.
(٣) قوله: عن الأسود بن يزيد، هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي. نسبة إلى نَخَع قبيلة بالكوفة، روى عن أبي بكر، وعمر، وحذيفة، وبلال، وعائشة، وأبي محذورة، وأبي موسى، وابن مسعود وكان فقيهًا زاهدًا، مفتيًا من أصحابه،
[ ١ / ٢٩٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصيبُ (١) مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَنَامُ وَلا يَمَسَّ مَاءً (٢)، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَادَ (٣) وَاغْتَسَلَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا الْحَدِيثُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ (٤) وَهُوَ قول أبي حنيفة ﵀.
_________________
(١) روى عنه أبو إسحاق السَّبيعي، وإبراهيم النخعي، وهو ابن أخته، وأبو بردة بن أبي موسى وجماعة، وثقه أحمد ويحيى وابن سعد والعجلي، توفي بالكوفة سنة ٧٥ هـ، وقيل سنة ٧٤ هـ، قاله ابن أبي شيبة، كذا في "تهذيب التهذيب".
(٢) أي يجامع.
(٣) ولا يمسَّ ماء (في نسخة سقطت هذه العبارة)، قال يزيد بن هارون: هذا الحديث خطأ. وقال الترمذي: يريد أن قوله من غير أن يمسّ ماء خطأ من السبيعي. وقال البيهقي: طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهَّموها مأخوة من غير الأسود، وأن السبيعي دلَّس. قال البيهقي: وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية، لأنه بيَّن سماعه من الأسود، والمدلس إذا بيَّن سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لردِّه. قال النووي: فالحديث صحيح، وجوابه من وجهين، أحدهما: ما رواه البيهقي عن ابن شريح واستحسنه أن معناه لا يمس ماء للغسل، والثاني: أن المراد كان يترك الوضوء في بعض الأحوال لبيان الجواز وهذا عندي حسن أو أحسن، كذا في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي.
(٤) إلى الوطء.
(٥) لكن الحديث الأول أصح وأرجح.
[ ١ / ٢٩٣ ]