٥٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدَّثنا نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَتَى (٢) أحدُكم (٣) الجمعةَ (٤) فليغتسِلْ (٥) .
٥٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ (٦) بْنُ سُلَيم (٧)، عَنْ عَطَاءِ (٨) بْنِ يَسَارٍ،
_________________
(١) بضم الجيم والميم لغة الحجاز، وفتح الميم لغة تميم، وإسكانها لغة عقيل.
(٢) أي أراد أن يجيء كما في رواية الليث عن نافع عند مسلم: إذا أراد أحدكم أن يأتي.
(٣) قوله: أحدكم، بإضافة أحد إلى ضمير الجمع، وذلك يعم الرجال والنساء والصبيان.
(٤) قوله: الجمعة، أي الصلاة أو المكان الذي تُقام فيه، وذكر المجيء لكونه الغالب، وإلاَّ فالحكم شامل لمن كان مقيمًا بالجامع.
(٥) قوله: فليغتسل، قال الحافظ ابن حجر: رواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهور (هكذا في الأصل: والصواب: "مشهورة") جدًا قد اعتنى بتخريج طرقه أبو عَوانة في صحيحه فساقه من طريق سبعين نفسًا، رووه عن نافع، وقد تتبعت ما فاته وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد فبلغت أسماءُ من رواه عن نافع مائةٌ وعشرون نفسًا.
(٦) المدني أبو عبد الله الزهري.
(٧) بضم السين.
(٨) قوله: عطاء بن يسار، الهلالي أبو محمد المدني، عن ابن مسعود وزيد وابن عمر، وعنه أبو حنيفة، وزيد بن أسلم وآخرون، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثلاث ومائة كذا في "الإسعاف".
[ ١ / ٢٩٤ ]
عن أبي سعيد (١) الخدري: أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: غُسْل يومِ الجُمعةِ (٢) واجبٌ (٣) عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم (٤) .
٥٩ - أَخْبَرَنَا مالكٌ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عَنِ ابْنِ (٥) السَّبَّاق (٦): أَنّ (٧) رَسُولَ الله ﷺ
_________________
(١) قوله: أبي سعيد، اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأنصاري الخدري، وخدره وخداره بطنان من الأنصار، كان من الحفاظ المكثرين الفضلاء العقلاء، مات سنة ٧٤ هـ، كذا في "الاستيعاب".
(٢) قوله: غسل يوم الجمعة، ظاهر إضافته لليوم حجة لأنَّ الغُسل لليوم لا للجمعة، وهو قول جماعة، ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه للصلاة لا لليوم، وقد روى مسلم هذا الحديث بلفظ: "الغسل يوم الجمعة"، وكذا رواه الشيخان من وجه آخر عن أبي سعيد، قاله الزرقاني.
(٣) قوله: واجب، أي متأكِّد، قال ابن عبد البر: ليس المراد أنه واجب فرضًا، بل هو مؤول أي واجب في السنة، أو في المروءة، أو في الأخلاق الجميلة، كما تقول العرب: وجب حقُّك.
(٤) قوله: محتلم، أي بالغ، وهو مجاز، لأن الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجِبٌ للغسل سواء كان يوم الجمعة أم لا، كذا في "الكواكب الدراري".
(٥) عبيد المدني الثقفي وثَّقه ابن حبان.
(٦) بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة.
(٧) قوله: أنّ، قال السيوطي: وصله ابن ماجه من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، عن ابن السباق عن ابن عباس به. واسم ابن السباق عبيد، وهو من ثقات التابعين بالمدينة، كذا قاله القاري.
[ ١ / ٢٩٥ ]
قَالَ (١): يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (٢)، هَذَا يومٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٣) عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا (٤)، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلا يضرُّه أَنْ يمسَّ مِنْهُ (٥) وَعَلَيْكُمْ (٦) بِالسِّوَاكِ (٧) (٨) .
٦٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي المَقْبُرِيُّ (٩)، عَنْ أبي هريرة أنه
_________________
(١) في جمعة من الجمع.
(٢) قوله: يا معشر المسلمين، قال النووي في شرح مسلم: المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والأنبياء معشر، وكذا ما أشبهه.
(٣) أي لهذه الأمة خاصَّة، جزم به أبو سعد في "شرف المصطفى"، وابن سراقة.
(٤) قوله: فاغتسلوا، الأمر عندنا محمول على الندب والفضل بدليل قول عائشة: كان الناس عُمّال أنفسهم، وكانوا يشهدون الجمعة بهيآتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم، لئلا يؤذي بعضهم بعضًا بريحه، كذا في "الاستذكار".
(٥) قوله: أن يمس منه، فيه استحباب مسّ الطيب لمن قدر عليه يوم الجمعة والعيدين، وذلك مندوب إليه حسن مرغوب فيه، وقد كان أبو هريرة يوجب الطيب، ولعله وجوب سنَّة أو أدب، كذا في "الاستذكار".
(٦) أي الزموه.
(٧) قوله: وعليكم بالسواك، العلماء كلُّهم يندبون إليه ويستحبونه وليس بواجب عندهم، قال الشافعي: لو كان واجبًا لأمرهم به شقَّ أو لم يشقّ وقد قال: "لولا أن أَشُقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك".
(٨) قوله: بالسواك، قال الرافعي في شرح المسند: السواك فيما حكى ابن دُريد من قولهم: سُكْت الشيء إذا دلكته سوكًا.
(٩) قوله: المقبُري، هو بضم الموحدة وفتحها، كان مجاورًا للمقبرة فنُسب إليها، اختلط قبل موته بأربع سنين، وكان سماع مالك ونحوه قبله، قاله الزرقاني،
[ ١ / ٢٩٦ ]
قَالَ غُسْلُ يومِ الْجُمُعَةِ واجبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كغُسل الْجَنَابَةِ (١) .
٦١ - أَخْبَرَنَا مالكٌ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ لا يَرُوح (٢) إِلَى الْجُمُعَةِ إلاَّ اغْتَسَلَ (٣) .
٦٢ - أَخْبَرَنَا مالكٌ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٤) عَنْ أَبِيهِ: أنَّ رَجُلا (٥) مِنْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ دخل المسجد يومَ
_________________
(١) واسمه سعيد بن أبي سعيد كيسان المدني، اتفقوا على توثيقه، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، كذا في "الإسعاف".
(٢) قوله: كغسل الجنابة، قد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعن عمار بن ياسر وغيرهما الوجوب الحقيقي وهو قول الظاهرية ورواية عن أحمد، فلا يؤَوَّل قول أبي هريرة بأنه في الصفة لا في الوجوب، لأنه مذهبه، كذا قال الزرقاني.
(٣) أي لا يذهب.
(٤) قوله: إلاَّ اغتسل، اقتداءً بالنبي ﷺ، فإنه كان يغتسل يوم الجمعة والعيدين، ويوم عرفة، أخرجه أحمد والطبراني من حديث الفاكه ولأبي داود من حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت. وبهذه الأخبار ذهب محقِّقو أصحابنا إلى الاستنان.
(٥) ابن عمر بن الخطاب أبو عمر، أحد الأئمة الفقهاء السبعة بالمدينة، قال مالك: لم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل، مات سنة ١٠٦ هـ وقيل سنة سبع.
(٦) قوله: أن رجلًا، سماه ابن وهب وابن القاسم في روايتهما للموطأ: عثمان بن عفان، وقال ابن عبد البّر: لا أعلم فيه خلافًا، قال: وكذا وقع في رواية ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر، ورواية معمر عن
[ ١ / ٢٩٧ ]
الجمعة و(١) عمرُ بنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ، فَقَالَ: أيَّة (٢) ساعةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: انقلبتُ (٣) مِنَ السُّوقِ فسمعتُ النِّدَاءَ (٤) فَمَا زدتُ (٥) عَلَى أَنْ توضَّأْتُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ، قَالَ عُمَرُ: والوضوءَ (٦) أَيْضًا (٧) ! وَقَدْ علمتَ (٨)
_________________
(١) الزهري عن عبد الرزاق، وفي حديث أبي هريرة في روايته لهذه القصة عند مسلم، كذا في "التنوير".
(٢) الواو حالية.
(٣) بتشديد الياء، تأنيث أيّ، استفهام إنكار وتوبيخ على تأخُّره إلى هذه الساعة (كان غرض عمر ﵁ التنبيه على ساعات التبكير التي وقع فيها الترغيب لأنها إذا انقصت طوت الملائكة الصحف، ولذا بادر عثمان ﵁ إلى الاعتذار) .
(٤) قوله: انقلتب، أي رجعت، روى أشهب عن مالك قال: إن الصحابة كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود السبت، والنصارى الأحد، كذا في "التنوير".
(٥) أي الأذان بين يَدَيْ الخطيب.
(٦) أي لم أشتغل بشيء إلاَّ بالوضوء.
(٧) قوله: والوضوء، قال النووي: أي توضأت الوضوء فقط، قاله الأزهري، وقال الحافظ ابن حجر: أي الوضوء أيضًا اقتصرتَ عليه، أو اخترته دون الغسل. والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويتِ الفضيلة حتى تركتَ الغسل واقتصرتَ على الوضوء. وجوّزَ القرطبي الرفع على أن خبره محذوف، أي والوضوء أيضًا يقتصر عليه.
(٨) فيه دليل على عربية "أيضًا" وقد توقَّف فيه جمال الدين بن هشام، كذا في "مرقاة الصعود".
(٩) ومع علمك تركت الغسل واكتفيت (في الأصل: "على الوضوء"، وهو تحريف) بالوضوء.
[ ١ / ٢٩٨ ]
أن رسول الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُ (١) بالغُسْل.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الغُسْلُ أفضلُ (٢) يومَ الجمعة، وليس بواجبٍ (٣) .
_________________
(١) قوله: كان يأمر بالغسل، استَدل بهذا اللفظ وبزجر عمر لعثمان في أثناء الخطبة على ترك الغسل من قال بوجوبه. وأجاب عنه الطحاوي بأن عمر لم يأمر عثمان بالرجوع للغسل وذلك بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ، فكان ذلك إجماعًا على نفي وجوب الغسل، ولولا ذلك ما تركه عثمان، ولما سكت عمر من أمره إياه بالرجوع، وذكره نحوه ابن خزيمة وابن عبد البر والطبري والخطّابي وغيرهم، وارتضاه كثير من شرّاح صحيح البخاري وغيرهم. ولا يخفى ما فيه فإنه إنما ينهض دليلًا على من قال باشتراط الغسل لصحة صلاة الجمعة، وهم قوم من الظاهرية، وأما من قال بوجوبه مستقلًا بدون الاشتراط فلا، لأن له أن يقول الغسل وإن كان واجبًا لكنْ تَرَكَه عثمان لشغله بأمر وضيق وقت فهو معذور في تركه، ولا يلزم من تركه أن لا يكون واجبًا، وإنما لم يأمره عمر بالرجوع لأنه قد وجب عليه أمر آخر وهو سماع الخطبة فلو أمر بالرجوع لزم اختيار الأدنى وترك الأعلى. وبالجملة وجوب الغسل مقيَّد بسعة الوقت، وعند ضيقه وخوف فوت واجب آخر يسقط وجوبه، فالأولى أن يُمنع دلالة قصة عمر على الوجوب بأن زجرَه عثمانَ على ترك الغسل وترك الخطبة لأجله يُحتمل أن يكون لتركه سنَّة مؤكدة، فإن الصحابة كانوا يبالغون في الاهتمام بالسنن.
(٢) قوله: أفضل، هذا يشمل الاستنان والاستحباب، والأول مختار كثير من أصحابنا، والثاني رأي بعض أصحابنا، والأول أرجح.
(٣) قوله: وليس بواجب، وذهب الظاهرية إلى وجوبه أخذًا من ظاهر الأحاديث المارَّة، وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح، والمسيب بن رافع، ذكره
[ ١ / ٢٩٩ ]
وَفِي هَذَا (١) آثَارٌ كَثِيرَةٌ.
٦٣ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا الرَّبيع بن صَبِيحٍ (٢)، عن سعيدٍ الرَّقَاشي (٣)،
_________________
(١) العيني، وهو المروي عن أحمد في رواية والمحكيّ عن أبي هريرة وعمار بن ياسر، كذا قال القسطلاني. وذكر النووي في شرح صحيح مسلم أن ابن المنذر حكى الوجوب عن مالك، وكلام مالك في الموطأ وأكثر الروايات عنه تردّه. وقال ابن حجر: حكى ابنُ حزم الوجوب عن عمر وجمَّ غفير من الصحابة ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلاَّ نادرًا، وإنما اعتمد ابن حزم في ذلك على أشياء محتملة كقول سعد: ما كنت أظن مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة.
(٢) أي عدم الوجوب.
(٣) قوله: أخبرنا الربيع هو الربيع بن صَبيح - بفتح أولهما - السعدي البصري، صدوق سيِّئ الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، قال الرَّامَهُرْمُزي: هو أول من صنَّف الكتب بالبصرة، مات سنة ستين بعد المائة، كذا في "التقريب". وذكر في "تهذيب التهذيب" أنه روى عن الحسن البصري، وحُميد الطويل، ويزيد الرقاشي، وأبي الزبير، وأبي غالب، وغيرهم، وعنه الثوري، وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم، قال العجلي وابن عدي: لا بأس به.
(٤) قوله: عن سعيد الرقاشي، بفتح الراء المهملة وخفة القاف وآخره شين معجمة، نسبة إلى رقاش اسم امرأة كثر (في الأصل: "كثرت"، وهو تحريف) أولادها حتى صاروا قبيلة، وهو بنت سبيعة بن قيس بن ثعلبة، وذكره السمعاني وابن الأثير، وسعيد هذا لعله سعيد بن عبد الرحمن الرقاشي، ذكره الذهبي في "ميزان الاعتدال"، وقال: ليَّنه يحيى القطان ووثَّقه جماعة، وقال ابن عدي: توقَّف فيه ابن القطان، ولا أرى به بأسًا، وقد رُوي عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال: أتقوا الله واتقوا الناس. انتهى، فلْيُحَرَّر.
[ ١ / ٣٠٠ ]
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (١)، كِلاهُمَا يَرْفَعُهُ (٢) إِلَى النبيِّ ﷺ أنه قال:
_________________
(١) والذي أظن أنَّ هذا من النُّسّاخ، فإن هذه الرواية بعينها وجدتها في كتاب الحجّ وفيه: محمد أخبرنا الربيع بن صبيح البصري، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس وعن الحسن البصري كلاهما يرفعه إلخ، وقال الذهبي في "الكاشف" في ترجمته: يزيد بن أبان الرقاشي العابد، عن أنس والحسن، وعنه صالح المُرِّي وحماد بن سلمة، ضعيف. انتهى. وذكر في "تهذيب التهذيب" في ترجمة الربيع: يزيد الرقاشي من شيوخه، وليس لسعيد فيه ذكر، (زاد في نسخة) [وقال أبو عيسى الترمذي في آخر شمائله - عندما روى حديثًا من طريق يزيد الفارسي، عن ابن عباس -: يزيد الفارسي، هو يزيد بن هرمز، وهو أقدم من يزيد الرقاشي، وروى يزيد الفارسي عن ابن عباس أحاديث، ويزيد الرقاشي لم يدرك ابن عباس، وهو يزيد بن أبان الرقاشي، وهو يروي عن أنس بن مالك، ويزيد الفارسي، ويزيد الرقاشي كلاهما من أهل البصرة، انتهى] .
(٢) قوله: وعن الحسن البصري، هو من أَجِلَّة التابعين الحسن بن أبي الحسن يسار، أمه مولاة لأم سلمة، وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقدم من المدينة إلى البصرة بعد مقتل (في الأصل: "قتل"، والصواب: "مقتل") عثمان، روى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه جمع من التابعين، كان إمامًا ثقة ذا علم وزهد وورع وعبادة، مات في رجب سنة ١١٠ هـ، كذا في "جامع الأصول"، وله ترجمة طويلة في "تهذيب التهذيب" وغيره.
(٣) وفي نسخة يرفعانه. قوله: كلاهما يرفعه، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ، قال الترمذي: حسن صحيح، وقد روي عن الحسن مرسلًا، وأخرجه أحمد في مسنده والبيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه، وأعلَّه بعض المحدثين بأن الحسن لم يسمع من سمرة،
[ ١ / ٣٠١ ]
مَنْ توضَّأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا ونِعْمَتْ (١) وَمَنِ اغتسل فالغُسْل أفضل.
_________________
(١) كما قال ابن حبان في النوع الرابع من القسم الخامس: الحسن لم يسمع من سمرة شيئًا، وكذا قال ابن معين وشعبة، وقال الدارقطني: الحسن اختُلف في سماعه عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة إلاَّ حديث العقيقة. والجواب عنه أنه نَقل البخاري في أول "تاريخه الوسط"، عن على بن المديني أن سماع الحسن من سمرة صحيح. ونقله الترمذي عن البخاري وسكت عليه. واختاره الحاكم في المستدرك، والبزار، فيُقدَّم إثبات هؤلاء على نفي أولئك، وأما مرسله فهو مقبول، فإنَّ مراسيل الحسن معتمدة، وقد روى هذا الحديث جمع من الصحابة غير سمرة، أخرجه أصحاب الكتب المعتمدة، وضَعْفُ بعضها ينجبر بالبعض، منهم أنس أخرجه ابن ماجه عنه مرفوعًا: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونِعْمَتْ تجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل: وأخرجه الطحاوي والبزار والطبراني في "المعجم الوسط". ومنهم أبو سعيد الخدري أخرج حديثه البيهقي والبزار. ومنهم أبو هريرة أخرج حديثه البزار وابن عدي ومنهم جابر أخرجه عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن عدي، ومنهم عبد الرحمن بن سمرة أخرجه الطبراني والعُقَيلي. ومنهم ابن عباس أخرجه البيهقي. وبالجملة هذا الحديث له أصل أصيل، وهو دالّ على أن الغُسل ليس بواجب، وإلاَّ فكيف يكون مجرَّد الوضوء حسنًا، واستدلَّ به بعضهم على الاستحباب، وهو كذلك لولا ثبوت مواظبة النبي ﷺ على الغسل يوم الجمعة فإنها دالَّة على الاستنان.
(٢) قوله: فبها ونعمت، قال الأصمعي: معناه فبالسنَّة أخذ ونعمت السنَّة، وقال أبو حامد: معناه فبالرخصة أخذ لأن السنَّة الغسل، وقال الحافظ أبو الفضل العراقي: أي فبطهارة الوضوء حصل الواجب في التطهير للجمعة ونِعْمَت الخصلة هي، أي الطهارة، وهو بكسر النون وسكون العين في المشهور، ورُوي بفتح النون وكسر العين، وهو الأصل في هذه اللفظة، ورُوي نَعِمتَ بفتح النون وكسر العين
[ ١ / ٣٠٢ ]
٦٤ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ أبانَ (١) بنِ صَالِحٍ، عَنْ حَمَّادٍ (٢)، عَنْ إبراهيمَ النَّخَعي، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الغُسْل يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْحِجَامَةِ، وَالْغُسْلِ فِي الْعِيدَيْنِ؟ قَالَ: إِنِ اغتسلتَ فحسنٌ، وإنْ تركتَ فليسَ عَلَيْكَ (٣)، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَاحَ (٤) إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ (٥)؟ قَالَ: بَلَى، ولكنْ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ الْوَاجِبَةِ، وَإِنَّمَا (٦)
_________________
(١) وفتح التاء، أي نعمك الله، قال النووي في "شرح المهذب": هذا تصحيف نبَّهتُ عليه لئلا يُغترّ به، كذا في "زهر (في الأصل: "زهرة الربى"، وهو تحريف) الربى على المجتبى" للسيوطي.
(٢) قوله: محمد بن أبان بن صالح، بفتح الألف وخفة الباء الموحدة، هو ممن ضعفه جمع من النقّاد، ففي "ميزان الاعتدال" للذهبي: محمد بن أبان بن صالح القرشي ويقال له الجعفي الكوفي حدَّث عن زيد بن أسلم وغيره، ضعَّفه أبو داود وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقويّ، وقيل كان مرجئًا، انتهى. وفي "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر: قال النسائي: محمد بن صالح القرشي كوفي، ليس بثقة. وقال ابن حيان: ضعيف. وقال أحمد: لم يكن ممن يكذب. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ليس بالقوي، يُكتب حديثه ولا يحتج به، وقال البخاري في "التاريخ": يتكلمون في حفظه لا يُعتمد عليه.
(٣) ابن أبي سليمان.
(٤) أي: لا يلزم عليك من تركه شيء.
(٥) أي: ذهب.
(٦) فإنه أمر، وظاهر الأمر للوجوب.
(٧) يريد أنه ليس كل أمر في الشرع فهو للُّزوم والوجوب، بل قد يكون الأمر للاستحسان والإباحة.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، فَمَنْ أَشْهَدَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ تَرَك (١) فَلَيْسَ عَلَيْهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى (٢): ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾، فَمَنِ انْتَشَرَ فَلا بَأْسَ وَمَنْ جَلَسَ فَلا بَأْسَ.
قَالَ حَمَّادٌ (٣): وَلَقَدْ رأيتُ إبراهيمَ النَّخَعي يَأْتِي الْعِيدَيْنِ (٤) وَمَا يَغْتَسِلَ (٥) .
٦٥ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا محمد بن أبان، عن ابن جُرَيْج (٦)،
_________________
(١) قوله: ومن ترك فليس عليه، أي: من ترك الإشهاد على المبايعة، فليس عليه شيء، فإنَّ الأمر للندب والاستحباب، لا للإلزام والإيجاب، هذا هو قول الجمهور. وقال الضحاك: هو عزم من الله تعالى، والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره. كذا نقله البغوي في "معالم التنزيل".
(٢) قوله: وكقوله تعالى: ﴿فإذا قُضِيَتِ ﴾، أي: أُدِّيت، فإن القضاء يُستعمل لمعنى الأداء ﴿الصلاة﴾، أي: صلاة الجمعة ﴿فَانتَشِرُوا في الأَرْضِ﴾ للتجارة والتصرّف في حوائجكم ﴿وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ الله﴾ يعني الرزق، وهذا أمر إباحة، كقوله تعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا﴾ . وقال ابن عباس: إن شئتَ فاخرج، وإن شئتَ فاقعد، وإن شئتَ فصلِّ إلى العصر. كذا قال البغوي.
(٣) يريد تأييد قول النخعي بفعل.
(٤) أي: إلى المصلَّى لصلاة العيدين.
(٥) ظنًا منه أنه من الأمور المستحبة فمن ترك فلا حرج.
(٦) قوله: عن ابن جُرَيْج، بضم الجيم مصغرًا آخره جيم أيضًا، هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي الفقيه، ثقة فاضل، توفي سنة خمسين بعد المائة أو بعدها، كذا في "التقريب" و"الكاشف".
[ ١ / ٣٠٤ ]
عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا (١) عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَحَضَرَتِ الصلاةُ (٢)، أَيْ الْجُمُعَةُ، فَدَعَا بوَضوء (٣) فتوضَّأ (٤)، فَقَالَ لَهُ بعضُ أَصْحَابِهِ: أَلا تَعْتَسِلُ؟ قَالَ: اليومَ يومٌ بارِدٌ (٥)، فَتَوَضَّأَ (٦) .
٦٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا سَلاّم (٧) بْنُ سُلَيْمٍ (٨) الْحَنَفِيُّ (٩)، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ (١٠) قَالَ: كَانَ علقمةُ بْنُ قَيْسٍ إِذَا سَافَرَ لَمْ يصلِّ الضُّحَى (١١) وَلَمْ يغتسِل يومَ الْجُمُعَةِ (١٢) .
_________________
(١) أي: جالسين.
(٢) أي: جاء وقتها.
(٣) أي: ماء يَتوضأ به.
(٤) أي: أراد أن يتوضأ.
(٥) يورث الغسل فيه الكُلْفة.
(٦) قوله: فتوضأ، تأكيد لتوضأ الأول إن كان الأول على معناه، وإن كان على معنى الإرادة فهو تأسيس، ويمكن أن يكون معناه، فثبت على وضوئه ولم يتوجَّه إلى الغسل.
(٧) بفتح الأول وتشديد الثاني.
(٨) بصيغة التصغير.
(٩) نسبة إلى قبيلة بني حنيفة، لا إلى الإمام أبي حنيفة كما ظنَّه القاري.
(١٠) أي: النخعي.
(١١) قوله: لم يصلِّ، قال القاري: أي: لم يصلَّ الضحى، فإنها مستحبة، وقد تصدَّق الله عن المسافر ببعض الفرائض فكيف بالسنَّة.
(١٢) قوله: ولم يغتسل يوم الجمعة، فيه دلالة على أن غُسل يوم الجمعة
[ ١ / ٣٠٥ ]
٦٧ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا سفيانُ الثَّوْرِيُّ (١)، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ (٢)، عن مجاهد (٣)
_________________
(١) لصلاة الجمعة لا لنفس اليوم فيسقط استنانه عمَّن تسقط عنه صلاة الجمعة كالمسافر، وقد اختُلف فيه، فقيل: إنه لليوم ونسبة إلى الحسنِ بن زياد صاحب "الهداية" وغيره، ونسبة العيني في "شرحه" إلى محمد وداود الظاهري. والثاني وهو الصحيح عند الجمهور أنه للصلاة لظاهر الأحاديث: "إذا جاء أحدكم الجمعة "، ونحو ذلك. ومنشأ الخلاف أنّ من لا تجب عليه الجمعة ليس لهم الغسل على القول الأول دون الثاني.
(٢) قوله: سفيان الثوري، هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، نسبة إلى ثور - بالفتح - بن عبد مناة بن أد بن طانجة، قبيلة، روى عن جماعة كثير، وعنه جماعة غفيرة، كما بسطه المِزِّي في "تهذيب الكمال"، وذكر في ترجمته: قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين: هو أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومائة شيخ ما كتبتُ عن أفضل من سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني، وقال ابن مهدي: كان وهب يقدِّم سفيان في الحفظ على مالك، وقال الدُّوري: رأيت يحيى بنَ معين لا يقدِّم على سفيان في زمانه أحدًا في الفقه والحديث والزهد وكلِّ شيء، مولده سنه ٩٧ هـ، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١ هـ. انتهى ملخَّصًا.
(٣) أي: ابن المعتمر الكوفي.
(٤) قوله: عن مجاهد، هو ابن جَبْر - بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة - أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي المقرئ المفسِّر الحافظ، سمع سعدًا وعائشة وأبا هريرة، وابن عباس، ولزمه مدة، وقرأ عليه القرآن، وروى عنه الأعمش ومنصور وابن عون وقتادة وغيرهم، قال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد، وقال ابن جريج: لأن أكون سمعت من مجاهد أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي، وكان من أعيان الثقات، كذا في "تذكرة الحفاظ للذهبي، وذكر في التقريب وغيره أن وفاته كانت سنة إحدى، أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة.
[ ١ / ٣٠٦ ]
قَالَ: مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ (١) أَجَزَأَهُ (٢) عَنْ غُسْلِ يومِ الْجُمُعَةِ.
٦٨ - قَالَ محمد: أخبرنا عبّادُ بنُ العوّام (٣)،
_________________
(١) وأما إن اغتسل قبل طلوع الفجر فظاهر الأخبار أنه لا يكفي في إحراز الفضيلة.
(٢) قوله: أجزأه، يشير إلى أنه لا يُشترط اتصال الغسل بذهبه إلى المسجد، بل لو اغتسل بعد طلوع الفجر الصادق من الجمعة كفى ذلك، وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": استدل مالك بالحديث في أنه يُعتبر أن يكون الغسل متصلًا بالذهاب، ووافقه الأوزاعي والليث، والجمهور قالوا: يجزئ من بعد الفجر، وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل سئل عمن اغتسل ثم أحدث هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أرَ فيه أعلى من حديث ان أَبْزى. يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزى، عن أبيه، وله صحبة: أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحديث فيتوضأ ولا يعيد الغسل. انتهى. وذكر صاحب "خلاصة الفتاوى" و"البناية" وغيرهما: أنه لو اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث وصلّى بوضوء مستحدث لا ينال ثواب غسل الجمعة عند أبي يوسف، وعند الحسن ينال. وفيه نظر بأن هذا الغسل كما هو مقتضى الأحاديث للنظافة ودفع الرائحة لا للطهارة فلا يضر تخلُّل الحدث، وذكر في "الخلاصة" أيضًا أنه لو اغتسل قبل الصبح ودام على ذلك حتى صلّى به الجمعة ينال فضل الغسل عند أبي يوسف وعند الحسن لا. وفيه نظر ذكره الزيلعي في "شرح الكنز" وهو أنه لا يشترط وجود الاغتسال في ما سُنَّ الاغتسال لأجله، وإنمّا يشترط أن يكون متطهِّرًا، فينبغي الإجزاء في الصورة المذكورة عند الحسن أيضًا. وقد صرح به قاضي خان في "فتاواه".
(٣) قوله: أخبرنا عبّاد (في نسخة، قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري، عن عبّاد بن العوام) بن العوّام، بتشديد الباء الموحدة والواو، قال
[ ١ / ٣٠٧ ]
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرة (١)، عَنْ عائشة، قالت (٢):
_________________
(١) الذهبي في "تذكرة الحفاظ": عباد بن العوام الإمام المحدث أبو سهل الواسطي. وثَّقه أبو داود وغيره، قال ابن سعد: كان من نبلاء الرجال في كل أمر، وكان يتشيَّع فحبسه الرشيد زمانًا، ثم خلّى عنه، فأقام ببغداد، واختُلف في وفاته بعد سنة ثمانين ومائة على أقوال: سنة ثلاثٍ، أو خمس، أو ست، أو سبع، وهو متفق على الاحتجاج به. انتهى ملخَّصًا.
(٢) قوله: عن عَمرة، بالفتح. بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كانت في حجر عائشة وربتها، وروت عنها كثيرًا من حديثها وعن غيرها (في الأصل: "وغيرها"، والظاهر: "عن غيرها") وروى عنها جماعة، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وابنه أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة، وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، ماتت سنة ثلاث ومائة، وهي من التابعيات المشهورات، كذا قال ابن الأثير الجزري في "جامع الأصول".
(٣) قوله: قالت إلخ، أخرجه أبو داود عنها بلفظ: كان الناس مهّانَ أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيآتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم. وروي عن عكرمة أن ناسًا من أهل العراق جاؤوا إلى ابن عباس، فقالوا: أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وسأخبركم كيفَ بَدْءُ الغسل: كان الناس مجهودين يَلْبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقًا مقارب السقف، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دُهنه وطيبه، قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووسِّع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق. وفي رواية النسائي، عن عائشة: إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا أصابهم الريح سطعت أرواحهم فيتأذى به الناس، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: أولا: يغتسلون؟ وفي لفظ مسلم: كان الناس ينتابون الجمعة
[ ١ / ٣٠٨ ]
كَانَ الناسُ عُمّالَ أنفسِهِم (١)، فَكَانُوا يَرُوحون إِلَى الجمعة (٢) بهيآتهم، فكان يقال لهم (٣): لواغتسلتُم (٤) (٥) .
_________________
(١) من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار، فيخرج منهم الريح، فَأُتِيَ رسولَ اللَّهِ ﷺ إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا. وقال الطحاوي بعد ما رَوى عن ابن عباس نحو ما مرَّ: فهذا ابن عباس يُخبر أن الأمر الذي أمر رسول الله ﷺ به لم يكن للوجوب عليهم، وإنما كان لعلَّة، ثم ذهبت تلك العلّة، فذهب الغسل، هو أحد من روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يأمر بالغسل، وقال بعد رواية قول عائشة: فهذه عائشة تخبر بأن رسول الله ﷺ إنما نَدَبَهم إلى الغسل للعلّة كما أخبر بها ابن عباس وأنه لم يجعل ذلك عليهم حتمًا. انتهى.
(٢) أي يعملون بأيديهم لأنفسهم بالمزارعة وغيرها ولم يكن لهم خوادم.
(٣) قوله: إلى الجمعة، أي: يذهبون لصلاة الجمعة على هيآتهم ولباسهم المعتاد من غير غسل، ولا استعمال طيب ولا تغيير لباس.
(٤) أي: من حضرة الرسالة (أي من رسول الله ﷺ) .
(٥) أي: لكان أَولى.
(٦) قوله: لو اغتسلتم، دلَّ هذا الخبر على أن الغسل إنما يُعتدُّ به إذا كان قبل الصلاة، فإن اغتسل بعد الصلاة لا يُعتدُّ به، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع عليه، وذهب ابن حزم الظاهري ومن تبعه إلى أنه يُكتفى بالغسل يوم الجمعة سواء كان قبل الصلاة أو بعدها، وهو خلاف الأحاديث الواردة في شرعية الغسل، وقد ردَّه ابن حجر في "فتح الباري" بأحسن ردّ.
[ ١ / ٣٠٩ ]