٧١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الجُرف (٢) حَتَّى إِذَا كَانَ بالمِرْبَد (٣) نَزَلَ عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ فَتَيَمَّمَ (٤) صَعِيدًا طَيِّبًا، فَمَسَحَ وجهَه ويدَيه إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ (٥)، ثُمَّ صَلَّى (٦) .
_________________
(١) قوله: التيمُّم، هو في اللغة القصد، وفي الشرع القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنيَّة استباحة الصلاة وغيرها.
(٢) بضم فسكون، أو بضمتين: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
(٣) قوله: المِرْبَد، بكسر الميم وسكون الراء وموحدة مفتوحة ودال مهملة على ميل (قلت: لعله أزيد من ميل وأقل من ميلين، فحذف الكسر مرة، واعتبر به أخرى، لأن المِرْبَد مجلس الإبل وفضاء وراء البيوت ترتفق به كذا في "عمدة القاري"، وهو لا يكون إلاّ بقرب المدينة متصلًا بها، جزم الحافظ في "الفتح" بأنه من المدينة على ميل (١/٣٧٤) . والميل: هو ثلاث فراسخ بغلبة الظن، وفي "الطحطاوي على مراقي الفلاح" (ص ٦٦): الميل في اللغة منتهى مدّ البصر)، أو ميلين من المدينة، قاله الباجي.
(٤) قوله: فتيمم، قال الباجي: فيه التيمّم في الحضر لعدم الماء، إذ ليس بين الجرف والمدينة مسافة القصر، قال محمد بن مسلمة: وإنما تيمّم بالمربد، لأنه خاف فوات الوقت يعني المستحب، وروى في البخاري أنه دخل المدينة والشمس مرتفعة ولم يُعِد، وإلى جوازه في الحضر ذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة والشافعي، وقال زفر وأبو يوسف: لا يجوز التيمم في الحضر بحال، كذا قال الزرقاني.
(٥) أي: معهما.
(٦) حفظًا للوقت.
[ ١ / ٣١١ ]
٧٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عبدُ الرَّحْمَنِ (١) بنُ الْقَاسِمِ، عن أبيه (٢)، عن عائشة ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بعض أسفاره (٣)
_________________
(١) قوله: عبد الرحمن، هو ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المدني الفقيه، وثَّقه أحمد وغير واحد، مات بالشام سنة ١٢٦ هـ، كذا في "الإسعاف".
(٢) قوله: عن أبيه، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق المدني، قال ابن سعد: ثقة رفيع، عالم فقيه ورع، مات سنة ست ومائة على الصحيح، كذا قال السيوطي وغيره.
(٣) في نسخة "الأسفار" قوله: في بعض أسفاره، قال ابن حجر في "فتح الباري": قال ابن عبد البر في "التمهيد": يُقال إنه كان في غزاة بني المصطلق، وجزم بذلك في "الاستذكار" وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزاة بني المصطلق هي غزاة المُرَيْسيع، وفيها (في الأصل: "وفيه" والظاهر: "وفيها") وقعت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عِقدها، فإن كان ما صرَّحوا به ثابتًا حُمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين. لاختلاف القصتين كما هو بيَّن في سياقهما، واستبعد بعض شيوخنا ذلك، قال: لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، وهما بين المدينة وخيبر. جزم به النووي. قلت: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التِّين، فإنه قال: البيداء هي ذو الحُليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذي الحليفة، وقال أبو عُبيد البكري في "معجمه": البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة، ثم ساق حديث ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها: ما أهل رسول الله ﷺ إلاّ من عند المسجد الحديث. قال: والبيداء هو الشرف
[ ١ / ٣١٢ ]
حَتَّى إِذَا كُنَّا بالبيداءِ أَوْ (١) بذاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ (٢) عِقدي (٣)، فَأَقَامَ (٤) رسولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى التماسِهِ (٥)، وَأَقَامَ الناسُ وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ (٦) وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ (٧) فَقَالُوا: أَلا تَرَى إِلَى ما صنعت عائشة؟ أقامت (٨)
_________________
(١) الذي قُدّام ذي الحُليفة في طريق مكة، وذات الجيش من المدينة على بريد، وبينها وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين.
(٢) الشك من عائشة.
(٣) قوله: انقطع، في التفسير من رواية عمرو بن الحارث: سقطت قِلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله ﷺ ونزل وهذا مشعر بأن ذلك كان عند قربهم من المدينة كذا في الفتح.
(٤) قوله عقد بكسر المهملة كل ما يعقد ويعلق في العنق ويسمى قلادة ولأبي داود من حديث عمار أنه كان من جزع ظفار، وفي رواية عمرو بن الحارث: سقطت قلادة لي، وفي رواية عروة عنها: أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت، أي: ضاعت. والجمع بيهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرُّفها، وإلى أسماء لكونها مِلْكَها، كذا في "الفتح".
(٥) قوله: فأقام، فيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين وإن قلَّت، فقد نقل ابن بطّال أن ثمن العقد كان اثني عشر درهمًا، قاله في "الفتح".
(٦) أي: لأجل طلبه.
(٧) استدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه.
(٨) فيه شكوى المرأة إلى أبيها وأن كان لها زوج.
(٩) أُسند الفعل إليها، لأنه كان بسببها.
[ ١ / ٣١٣ ]
بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ (١) وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ أَبُو بكرٍ (٢) ﵁ ورسولُ اللَّهِ ﷺ واضعٌ رأسَه عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حبستِ (٣) رسولَ اللَّهِ ﷺ والناسَ وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ، قَالَتْ: فعاتَبَني وَقَالَ مَا شاءَ اللَّهُ (٤) أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطعُنُني (٥) بيدِهِ فِي خَاصِرَتِي (٦)، فَلا يمنعُني مِنَ التحرُّكِ إلاَّ رأسُ (٧) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ (٨) عَلَى غير ماءٍ، فأنزل الله
_________________
(١) جملة حالية.
(٢) فيه جواز دخول الرجل على بنته، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك.
(٣) منعتِ.
(٤) أي: من كلمات الزجر والعتاب.
(٥) قوله يطعنني، بضم العين وكذا جميع ما هو حسّي، وأما المعنوي فيقال: يطعَن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما، وحُكي فيهما معًا الفتح والضم، كذا في "التنوير".
(٦) خصر الإنسان بفتح المعجمة وسكون المهملة: وسط الإنسان.
(٧) أي كونه واستقراره.
(٨) قوله: حتى أصبح، قال بعضهم: ليس معناه بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح، لأنه قيَّد قوله "حتى أصبح" بقوله: "على غير ماء"، أي: آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء. وأما رواية عمرو بن الحارث فلفظها: ثم إن النبي ﷺ استيقظ وحضرت الصبح، فإن أعربت الواو حالية كان دليلًا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح وهو الظاهر، واستُدِلَّ به
[ ١ / ٣١٤ ]
تَعَالَى آيَةَ التيمُّم (١) فتيمَّمُوا (٢)، فَقَالَ أُسَيد (٣) (٤) (٥) بن حُضَير (٦): ما هي بأوَّل بركتكم (٧)
_________________
(١) على أن طلب الماء لا يجب إلاّ بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمر بعد قوله حضرت الصبح: فالتمس الماء فلم يوجد، وعلى أن الوضوء كان واجبًا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء، كذا في "الفتح".
(٢) قوله: آية التيمم، قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء، لأنّا لا نعلم أي الآيتين عَنَتْ، وقال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة وقال القرطبي: هي آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وأورد الواحدي في "أسباب النزول" الحديث عند ذكر آية النساء أيضًا، وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرَّح فيها بقوله: "فنزلت: ﴿يَا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ ﴾ الآية، كذا في "الفتح".
(٣) يحتمل أن يكون حكاية عن فعل الصحابة، ويحتمل أن يكون حكاية لبعض الآية.
(٤) بالتصغير.
(٥) أبو يحيى الأنصاري الصحابي الجليل، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين.
(٦) قوله: فقال أسيد، إنما قال ما قال دون غيره، لأنه كان رأس مَن بُعث في طلب العقد الذي ضاع، كذا في "الفتح".
(٧) بمهملة ثم معجمة مصغرًا.
(٨) قوله ما هي بأول بركتكم، أي: بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، وفي رواية هشام بن عروة: فوالله ما نزل بكِ أمر تكرهينه إلاّ جعل الله للمسلمين فيه خيرًا. وهذا يُشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوى قول من ذهب إلى
[ ١ / ٣١٥ ]
يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ (١)، قَالَتْ: وَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّتِي كنتُ عَلَيْهِ (٢) فَوَجَدْنَا (٣) العِقدَ تَحْتَهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، والتيمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضربةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة (٤) ﵀.
_________________
(١) تعدُّد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري، فقال: سقط عقد عائشة في عزوة ذات الرقاع وغزوة بني المصطلق. وقد اختلف أهل المغازي في أن أي هاتين الغزوتين كانت أولًا، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة: لما نزلت آية التيمم لم أدرِ كيف أصنع. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع، ومما يدل على تأخر القصة عن قصة الإفك، أيضًا ما رواه الطبراني من طريق عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، قالت: لما كان من أمر عِقْدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجتُ مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عِقدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بُنيَّة في كل سفرة تكونين عناءً وبلاءً على الناس. فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة. وفي إسناده محمد بن حميد الرازي، وفيه مقال: كذا في "الفتح".
(٢) المراد به نفسه وأهله وأتباعه.
(٣) حالة السير.
(٤) ظاهر في أن الذين توجَّهوا في طلبه أولًا لم يجدوه.
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الثوري والليث بن سعد والشافعي وابن أبي سلمة وغيرهم، أنه لا يجزيه إلاَّ ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين. وبه قال مالك، إلاَّ أنه لا يرى البلوغ إلى المرفقين فرضًا (روي عن مالك، أنه يجعل مسح الكفين مفروضًا وما زاد إلى المرفقين سنة، عمدة القاري ٢/١٧٢)، وممن روي
[ ١ / ٣١٦ ]