٧٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ (٢) أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ يسألُها هَلْ يُبَاشِرُ (٣) الرجلُ امرأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فقالت (٤):
_________________
(١) عنه التيمم إلى المرفقين: عبد الله بن عمر، والشعبي، والحسن البصري، وسالم بن عبد الله بن عمر، وقال الأوزاعي: ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين، وبه قال أحمد وإسحاق بن راهويه وداود والطبراني، وقال ابن أبي ليلى والحسن بن حَيّ: التيمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه. وقال الزهري: يبلغ بالمسح إلاّ الآباط، ورُوي عنه إلى الكوعين، ورُوي عنه ضربة واحدة، كذا ذكره ابن عبد البر. وقد اختلفت الأخبار والآثار في كيفية التيمم: هل هي ضربة أم ضربتان؟ وهل ضربة اليدين إلى الآباط أو إلى المرفقين أو إلى الكوعين؟ وباختلافه تفرَّقت الفقهاء وصار كلٌّ إلى ما رواه أو أدى الاجتهاد في نظره ترجيحه، والذي يتحقَّق بعد غموض الفكر وغوص النظر ترجيح تعدّد الضربة على توحدها، وترجيح افتراض بلوغ مسح اليدين إلى الكوعين، واستحباب ما عدا ذلك إلى المرفقين، كما حققه ابن حجر في "فتح الباري" والنووي في "شرح صحيح مسلم" وغيرهما، والكلام ههنا طويل لا يسعه هذا المقام.
(٢) مباشرة الرجل امرأته، التقاء بشرَتَيهما إلاَّ الجماع، كذا في "إرشاد الساري".
(٣) قوله: أن عبد الله بن عمر، هكذا في أكثر نسخ موطأ محمد، وفي رواية يحيى للموطأ: أن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل.. الحديث. وهو بضم العين شقيق سالم، ثقة، مات سنة ست ومائة.
(٤) أي: بالعناق، ونحوه.
(٥) قوله: فقالت، أفتته بفعله ﷺ مع أزواجه، كما في الصحيحين عنها، وعن ميمونة أيضًا.
[ ١ / ٣١٧ ]
لِتَشُدَّ (١) إِزْارَهَا عَلَى أسفَلِها (٢)، ثُمَّ يُبَاشِرْهَا إِنْ شَاءَ (٣) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، لا بَأْسَ بذلك (٤) وهو قول أبي حنيفة (٥)
_________________
(١) بكسر اللام وشدّ الدال المفتوحة، أي: لتربط.
(٢) أي: ما بين سُرَّتها وركبتيها.
(٣) أي: أراد.
(٤) أي: بالمباشرة بما فوق الإزار.
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف: له منها ما فوق الإزار، وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، وحجَّتُهم تواطؤ الآثار، عن عائشة وميمونة وأمِّ سلمة، عن النبي ﷺ أنه كان يأمر إحداهن إذا كانت حائضًا أن تشد عليها إزارها، ثم يباشرها. وقال سفيان الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي: يجتنب موضع الدم. وممَّن رُوي عنه هذا المعنى ابنُ عباس ومسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي وعكرمة، وهو قول داود بن علي، وحجتهم حديث ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: "اصنعوا كلَّ شيء ما خلا النكاح"، وفي رواية ما خلا الجماع، كذا في "الاستذكار" وفي "فتح الباري": ذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أنّ الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية. ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية وأحد القولين أو الوجهين للشافعية، واختاره ابن المنذر، وقال النووي: هو الأرجح دليلًا، لحديث أنس في مسلم: اصنعوا كلَّ شيء إلاَّ النكاح. وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعًا بين الأدلة
[ ١ / ٣١٨ ]
والعامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا (١) .
٧٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عِنْدِي، عَنْ سَالِمِ (٢) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ (٣) بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُمَا سُئِلا عَنِ الْحَائِضِ هَلْ يُصِيبُهَا (٤) زَوْجُهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهرَ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ؟ فَقَالا: لا حَتَّى تَغْتَسِلَ (٥) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ (٦)، لا تُباشَرُ حائضٌ عِنْدَنَا حَتَّى تحلَّ
_________________
(١) (انظر فتح الملهم (١/٤٥٧)، ففيه بحث نفيس حول هذه المسألة) .
(٢) أي: فقهاء الكوفة.
(٣) أحد الفقهاء السبعة.
(٤) أحد السبعة.
(٥) أي يجامعها.
(٦) قوله: لا حتى تغتسل، فإن قيل: إن في قول الله ﷿: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ دليلًا على أنهن إذا طهرن من المحيض حلَّ ما حَرُمَ عليهن من المحيض (هكذا في الأصل: وفي الاستذكار: (٢/٢٦): "ما حرم منهن من أجل المحيض")، لأن حتى غاية، فما بعدها بخلاف ما قبلها، فالجواب أن في قوله تعالى: ﴿فإذا تطهَّرن﴾ دليلًا على تحريم الوطء بعد الطهر حتى يتطهَّرن بالماء، لأن تطَهرن تَفَعّلن من الطهارة، كذا في "الاستذكار".
(٧) قوله: وبهذا نأخذ، قال مالك وأكثر أهل المدينة: إذا انقطع عنها الدم لم يجز وطيها حتى تغتسل، وبه قال الشافعي والطبري، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام كان له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها وقت الصلاة. قال أبو عمر: هذا تحكُّم لا وجه له كذا في "الاستذكار"، وظاهر إطلاق محمد ههنا عدم التفصيل، لكن المشهور في كتب أصحابنا التفصيل بين ما إذا انقطع الدم لعشرة أيام، فيحل وطيها قبل الاغتسال وبين ما إذا انقطع لأقل منه، فلا يحل قبل أن تتطهر أو يمضي عليه وقت ذلك، ووجَّهوه بأنه قد قُرئ قوله تعالى:
[ ١ / ٣١٩ ]
لَهَا الصَّلاةُ (١) أَوْ تَجِبَ عَلَيْهَا (٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
٧٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ (٣) (٤): أَنَّ رَجُلا (٥) سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: تَشُدُّ (٦) عَلَيْهَا (٧) إزارها،
_________________
(١) ﴿حتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف وبالتشديد، والقراءتان كالآيتين، فيُحمل الأولى على الأول، والثاني على الثاني، وههنا مذهب آخر وهو أنه يحل الوطئ بمجرد الانقطاع مطلقًا، لكن بعد إصابة الماء بالوضوء، أخرجه ابن جرير عن طاووس ومجاهد، قالا: إذا طهرت أمرها بالوضوء وأصاب منها، وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد وعطاء، قالا: إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء ويأتيها قبل أن تغتسل.
(٢) بأن تطهر وتغتسل.
(٣) بأن يمضي وقت تقدر فيه أن تغتسل وتشرع في الصلاة.
(٤) كذا أخرجه البيهقي أيضًا عن زيد بن أسلم، ذكره السيوطي في "الدر المنثور" وكذلك أخرجه الدارمي مرسلًا.
(٥) قوله: أخبرنا زيد بن أسلم، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا روى هذا مسندًا بهذا اللفظ ومعناه صحيح ثابت.
(٦) قوله: أن رجلًا، قد روى أبو داود، عن عبد الله بن سعد، قال: سألت رسول الله ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار. وأخرجه أحمد وابن ماجه كذلك، وأخرج أحمد وأبو داود، عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته، وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل". وبه عُلم اسم السائل.
(٧) في نسخة: لتشد (بفتح التاء وضم الشين المعجمة آخره دال معناه الأمر، أوجز المسالك: ١/٢٢٦)
(٨) قوله: تشدّ عليها، بفتح التاء وضم الشين والدال، خبر معناه الأمر،
[ ١ / ٣٢٠ ]
ثُمَّ شَأْنَكَ (١) بِأَعْلاهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَدْ جَاءَ مَا هُوَ أَرْخَصُ (٢) مِنْ هَذَا (٣) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قالت (٤):
_________________
(١) أو أريد به الحدث مجازًا، أو بتقدير أنه مؤول بالمصدر، فإن قلت: كيف يستقيم هذا جوابًا عن قوله ما يحلّ لي؟ قلت: يستقيم مع قوله: "ثم شأنك بأعلاها" كأنه قيل له: يحلّ لك ما فوق الإزار، وشأنَك منصوب بإضمار فعل، ويجوز على الابتداء والخبر محذوف، تقديره مباح أو جائز، كذا في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" لعلي القاري.
(٢) بالنصب، أي: دونك.
(٣) أي: أيسر وأسهل.
(٤) أي: مما ذكر من حل ما فوق الإزار.
(٥) قوله: أنها قالت، يؤيده ما أخرجه أبو داود والبيهقي عن بعض أزواج النبي ﷺ: أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا ثم صنع ما أراد. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي، عن عائشة: أنها سُئلت ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت (وفي الأصل: "فقال"، وهو تحريف): "كل شيء إلاّ فرجها"، وأخرج ابن جرير، عن مسروق: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي وابن حبان، عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت، ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت. فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عن المَحِيضِ ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: "جامعوهنَّ في البيوت واصنعوا كل شيء إلاّ النكاح " الحديث.
[ ١ / ٣٢١ ]
يَجْتَنِبَ (١) شِعَارَ (٢) الدَّمِ، وَلَهُ مَا سِوَى ذَلِكَ.