٧٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا الزُّهري، عَنْ سَعِيدِ (٤) بْنِ الْمُسَيِّبِ (٥): أَنَّ عمرَ وعثمانَ (٦) وعائشةَ كَانُوا يَقُولُونَ (٧):
_________________
(١) مجهول أو معروف.
(٢) قوله: شعار، بالكسر، بمعنى العلامة وبمعنى الثوب الذي يلي الجسد، ذكره في "النهاية" والمراد موضع الدم أو الكرسف.
(٣) قوله: الختانان، المراد به ختان الرجل وهو مقطع جلدته، وخفاض المرأة. وهو مقطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك بينها وبين مدخل الذكَر جلدة رقيقة.
(٤) قوله: عن سعيد بن المسيب، أبو محمد المخزومي المدني، سيِّد فقهاء التابعين. قال قتادة: ما رأيت أحدًا قطّ أعلمَ بالحلال والحرام منه، مات سنة ثلاث وتسعين، كذا في "الإِسعاف".
(٥) ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.
(٦) قوله: عثمان، بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أمير المؤمنين، ذو النورين، قُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خَلَت من ذي الحجة سنة ٣٥ هـ، كذا في "الإِسعاف".
(٧) قوله: كانوا يقولون إلخ، هذا حديث صحيح، عن عثمان بأن الغسل يوجبه التقاء الختانين، وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجُهَني أخبره أنه سأل عثمان، قال: قلت: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله ﷺ، قال: وسأل ذلك عليًّا والزبير وطلحة
[ ١ / ٣٢٢ ]
إِذَا مسَّ (١) الخِتانُ (٢) الخِتانَ (٣) فَقَدْ وَجَبَ الغُسْل (٤) .
٧٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ (٥) مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ (٦) بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عائشةَ مَا يُوجِبُ الغسل؟ فقالت (٧): أتدري ما مَثَلُكَ (٨)
_________________
(١) وأبيّ بن كعب، فأمروه بذلك. هذا حديث منكر لا يُعرف من مذهب عثمان ولا من مذهب عليّ ولا مذهب المهاجرين، انفرد به يحيى بن أبي كثير، وهو ثقة إلاَّ أنه جاء بما شذَّ فيه، وأنكر عليه، كذا في "الاستذكار".
(٢) قوله: إذا مسَّ، المراد بالمسَّ والالتقاءِ في خبر: "إذا التقى " المجاوزةُ، كرواية الترمذي: "إذا جاوز"، وليس المراد حقيقة المسّ، لأنه لا يتصور عند غيبة الحشفة، فلو وقع مسٌّ بلا إيلاج لم يجب الغُسل بالإِجماع.
(٣) أي: موضع القطع من الذكر.
(٤) أي: موضع القطع من فرج الأنثى.
(٥) وإن لم ينزل.
(٦) سالم بن أبي أمية.
(٧) قوله: أبي سلمة، ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قيل اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، وقيل اسمه كنيته، وثَّقه ابن سعد وغيره، مات بالمدينة سنة ٩٤ هـ، كذا في "الإِسعاف".
(٨) تلاطفه وتعاتبه.
(٩) قوله: ما مثلك إلخ، فيه دليل على أن أبا سلمة كان عندها ممن لا يقول بذلك، وأنه قلَّد فيه من لا علم له به، فعاتَبَتْه بذلك، لأنها كانت أعلم الناس بذلك المعنى، وقد تقدَّم عن أبي سلمة روايته، عن عطاء بن يسار، وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الماء من الماء"، وأن أبا سلمة كان يفعل ذلك، فلذلك نفرته عنه، قاله ابن عبد البر.
[ ١ / ٣٢٣ ]
يَا أَبَا سَلَمَةَ (١)؟ مَثَلُ (٢) الفَرّوجِ (٣) يَسْمَعُ الدِّيَكَة (٤) تَصْرُخُ (٥) فَيَصْرُخُ مَعَهَا إِذَا جَاوَزَ (٦) الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلَ.
٧٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (٧)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ (٨) مَوْلَى عثمانَ بنِ عَفَّانَ: أَنَّ محمودَ (٩) بْنَ لَبيد (١٠):
_________________
(١) وكأنه قال: لا، فقالت: مَثَل
(٢) قوله: مثل الفروج، قال الباجي: يحتمل معنيين، أحدهما أنه كان صبيًا قبل البلوغ، فسأل عن مسائل الجماع الذي لا يعرفه ولم يبلغ حده، والثاني أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم.
(٣) قال المجد: كتنّور ويضم كسُبّوح فرخ الدجاج.
(٤) بوزن عِنَبَة جمع ديك، ويَجمع أيضًا على ديوك ذَكَرَ الدجاج.
(٥) تصيح.
(٦) بيَّنت الحكم بعد ما زجرته.
(٧) ابن قيس الأنصاري. ولِقَيس صحبة.
(٨) الحميري المدني صدوق، روى له مسلم والنسائي، قاله الزرقاني.
(٩) قوله: أن محمود بن لبيد، الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، وُلد على عهد النبيّ ﷺ، وحدَّث عن النبي ﷺ بأحاديث، وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين، فلم يصنع شيئًا ولا علم منه ما علم غيره، مات سنة ست وتسعين، كذا في "الاستيعاب".
(١٠) بفتح اللام وكسر الموحَّدة، ابن عقبة بن رافع.
[ ١ / ٣٢٤ ]
سَأَلَ زيدَ (١) بنَ ثَابِتٍ عَنِ الرجلِ يُصيبُ أهلَه ثُمَّ يُكْسِل (٢)؟ فَقَالَ زيدُ بنُ ثَابِتٍ: يغتسلُ (٣)، فَقَالَ لَهُ محمودُ بنُ لَبِيدٍ: فإنَّ أُبيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرى الغُسْل، فَقَالَ زيدُ بنُ ثَابِتٍ: نَزَعَ (٤) قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ (٥) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ إِذَا الْتَقَى الخِتانان و(٦)
_________________
(١) النجاري المدني أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة، كاتب الوحي أحد من جمع القرآن عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مات سنة ٤٥ هـ وقيل: سنة ٤٨ هـ، وقيل: سنة ٥١ هـ، كذا في "الإِسعاف".
(٢) أكسل الرجل، إذا جامع ثم أدركه فتور فلم ينزل.
(٣) قوله: يغتسل، روى ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن، عن رفاعة بن رافع، قال: كنت عند عمر، فقيل له: إن زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد بأنه لا غُسل على من يجامع ولم ينزل، فقال عمر: عَلَيَّ به، فأتي به، فقال: يا عدوَّ نفسه، أوَبَلَغَ من أمرك أن تفتي برأيك؟ قال: ما فعلت، وإنما حدَّثني عمومتي عن رسول الله ﷺ، قال: أيّ عمومتك؟ قال: أُبيّ بن كعب وأبو أيوب ورفاعة، فالتفت عمر إليّ، قلت: كنّا نفعله على عهد رسول الله ﷺ، فجمع عمر الناس فاتَّفقوا على أن الماء لا يكون إلاَّ من الماء إلاَّ عليَّ ومعاذ فقالا: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر، فقال عليّ لعمر: سل أزواج النبي ﷺ، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا أعلم، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. فتحطَّم عمر - أي: تغيَّظ - وقال: لا أُوتى بأحد فعله ولم يغتسل إلاَّ أنْهَكْتُهُ عقوبة، فلعل إفتاء زيد لمحمود بن لبيد، كان بعد هذه القصة، كذا في شرح الزرقاني.
(٤) أي: أقلع ورجع عنه.
(٥) في رجوعه دليل على أنه قد صح (في الأصل: "صح"، والظاهر: "قد صحّ") عنده أنه منسوخ.
(٦) عطف بياني للالتقاء.
[ ١ / ٣٢٥ ]
توارَتْ (١) الْحَشَفَةُ (٢) وَجَبَ الغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل، وهو قول أبي حنيفة (٣) ﵀.
_________________
(١) أي غابت.
(٢) رأس الذكر المختون.
(٣) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري وأبو عبيد وغيرهم من علماء الأمصار، وإليه ذهب جمهور أصحاب داود، وبعضهم قالوا: لا غسل ما لم يُنزل، تمسُّكًا بحديث "الماء من الماء" وغيره. واختلف الصحابة فيه، فذهب جمع كثير إلى وجوب الغسل وإن لم يُنزل. وبعضهم قالوا بالوضوء عند عدم الإِنزال، ومنهم من رجع عنه، فممن قال بوجوب الغسل عائشة وعمر وعثمان وعلي وزيد كما ذكره مالك. وابن عباس وابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة عنهما. وأبو بكر أخرجه عبد الرزاق، والنعمان بن بشير وسهل بن سعد وعامة الصحابة والتابعين ذكره ابن عبد البر، ولم يُختلف في ذلك عن أبي بكر وعمر، واختُلف فيه عن عليّ وعثمان وزيد، وقد صحَّ عن أبيّ بن كعب أنه قال: كان ذلك - أي وجوب الوضوء فقط بالإِكسال - رخصة في بَدْء الإِسلام ثم نُسخ، ولذلك رجع عنه أبيّ بعد ما أفتى به، وروى عائشة وأبو هريرة وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، وغيرهم مرفوعًا: "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل" (انظر نصب الراية ١/٨٤ أيضًا. قد اتفق الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب على وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة وإن لم ينزل، وكان فيه خلاف في الصدر الأول، فقد رُوي عن جماعة من الصحابة ومن الأنصار أنهم لم يروا غسلًا إلاّ من الإِنزال، ثم رُوي أنهم رجعوا عن ذلك، وصحَّ عن عمر أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالًا، فانعقد الإِجماع في عهده، وخالف فيه داود الظاهري ولا عبرة بخلافه عند المحقِّقين، كما تجد تحقيقه في "شرح التقريب" للسبكي. وقد وقعت عبارة البخاري في صحيحه موهمة للخلاف حيث قال: قال أبو عبد الله: الغسل أحوط. فأوهم أنه يقول باستحباب الغسل دون الوجوب، وهذا مخالف لما أجمع عليه جمهور الأئمة، ويحتمل قول البخاري: "الغسل أحوط"، يعني في الدين من حديثين تعارضا، فقدَّم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، وهو باب مشهور في أصول الدين، وهو الأشبه، لا أنه ذهب إلى الاستحباب والندب. هذا ملخَّص ما قاله القاضي في "العارضة". فهكذا وجه القاضي في "العارضة" وقال: والعجيب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل وبين حديث عثمان وأُبَيّ في نفي الغسل إلخ، ثم علَّل عدم صحة التعلّق بحديثهما. وراجع "عمدة القاري" ٢/٧٧. والذي اختاره ابن حجر في "فتح الباري" ١/٢٧٥ أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين ومن بعدهم، لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب، والله أعلم. انتهى كلامه. ولكنه يقول في "التلخيص" ص ٤٩: لكن انعقد الإِجماع أخيرًا على إيجاب الغسل قاله القاضي وغيره. اهـ، فكأنه هنا غير ما اختاره في "الفتح"، وانظر "عمدة القاري" من ٢/٦٩، ٢/٧٢، و٧٦ و٧٧)، ذكر كل ذلك مع زيادات نفيسة ابن عبد البر
[ ١ / ٣٢٦ ]