٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة (٦) أنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُم (٧) من نومِهِ (٨)
_________________
(١) أي لأي شيء بُعد الدار أعظم أجرًا؟
(٢) أي بسبب كثرة الأقدام في المشي.
(٣) بضم الخاء وفتح الطاء جمع خطوة بالضم.
(٤) قوله غسل اليدين، بفتح الغين بمعنى إزالة الوسخ ونحوه بإمرار الماء عليه، وأما بالضم، فهو اسم للاغتسال، وهو غسل تمام الجسد، واسم للماء الذي يُغتسل به، وبالكسر، اسم لما يُغسل به الرأس، كذا في "المُغْرب".
(٥) أي: في اتبدائه، وهو غسلهما إلى الرسغين.
(٦) قوله: عن أبي هريرة، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة الطحاوي وأحمد وغيرهم من حديثه بألفاظ متقاربة، وأخرج بنحوه ابنُ ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر وجابر. وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث استنان تقديم غسل اليدين إلى الرسغين عند بداية الوضوء، وقالوا: قيد الاستيقاظ من النوم اتِّفاقي.
(٧) فيه رمز إلى أن نوم النبي ﷺ غير ناقض للوضوء.
(٨) قوله: من نومه، أخذ بعمومه الشافعيُّ والجمهور، فاستحبوه عقيب كل نوم، وخصَّه أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث: "باتت يده"، لأن حقيقة المبيت تكون بالليل، وفي رواية لأبي داود ساق مسلمٌ إسنادها: "إذا قام أحدكم =
[ ١ / ١٨٩ ]
فَلْيَغْسِل يَدَه (١)
_________________
(١) = من الليل"، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، ولأبي عَوَانة في روايةٍ ساق مسلمٌ إسنادَها أيضًا: "إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح". لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خُصَّ نوم الليل بالذكر للغلبة، قال الرافعي في "شرح المسند": يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلًا أشدّ منها لمن نام نهارًا، لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادةً. ثم الأمر عند الجمهور للندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، وعنه في روايةٍ استحبابُهُ في نوم النهار. واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضر الماء، وقال إسحاق وداود والطبري: ينجس. واستُدِلَّ لهم بما ورد من الأمر بإراقته. لكنه حديث أخرجه ابن عَدِيّ، والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب للجمهور التعليل بأمر يقتضي الشك، لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم استصحابًا لأصل الطهارة. واستَدلَّ أبو عَوَانة على عدم الوجوب بوضوئه ﷺ من الشنّ المعلَّق بعد قيامه من النوم. وتُعُقِّب بأن قوله: "أحدكم" يقتضي اختصاصَه بغيره ﷺ. وأجيب بأنه صحَّ عنه غسل يديه قبل إدخالهما الإناء في حال اليقظة، فاستحبابه بعدم النومِ أَوْلى، ويكون تركه لبيان الجواز. وأيضًا فقد قال في هذا الحديث، في روايات مسلم وأبي داود وغيرهما: "فليغسِلْها ثلاثًا"، وفي رواية: "ثلاث مرات" والتقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على النَّدْبِيَّة. ووقع في رواية همّام، عن أبي هريرة عند أحمد: "فلا يضع يده في الوضوء حتى يغسِلَها" والنهيُ فيه للتنزيه. والمراد باليد ها هنا الكفّ دون مازاد عليها، كذا في "فتح الباري".
(٢) قوله: فليغسل يده، في هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم لقوله: "فليغسل يده قبل أن يدخلها". وهذا أمر مجمع عليه في النائم والمضطجع إذا غلب عليه النوم واستثقل نومًا أن الوضوء عليه واجب، كذا في "الاستذكار".
[ ١ / ١٩٠ ]
قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَها (١) فِي وَضُوئِهِ (٢)، فإنَّ أَحَدَكم (٣) لا يَدري (٤) أين باتت يَدُه (٥) .
_________________
(١) قوله: قبل أن يدخلها، لمسلم وابن خُزيمة وغيرهما من طرق: "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسِلَها"، وهو أبين في المراد من رواية الإدخال لأن مطلق الإدخال لا يترتَّب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع، فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء، كذا في "فتح الباري".
(٢) قوله: في وضوئه، أي: الماء الذي أُعدَّ للوُضوء، وفي رواية مسلم: "في الإناء" ولابن خزيمة: "في إنائه أو وضوئه" على الشك. والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلتحق به إناء الغسل وكذا باقي الآنية قياسًا، وخرج بذكر الإناء الحياضُ التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها. كذا في "الفتح".
(٣) قوله: فإن أحدكم، قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة، لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقبه بعلَّة دلَّ على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المُحْرِم الذي سقط فمات، "فإنه يُبعث مُلَبِّيًا" بعد نهيهم عن تطييبه، فنبَّه على علة النهي. وعبارة الشيخ أكمل الدين: إذا ذكر الشارع حكمًا وعقبه أمرًا مصدَّرًا بالفاء كان ذلك إيماءً إلى أن ثبوت الحكم لأجله. نظيره الهرة ليست بنجسة، فإنها من الطوّافين عليكم والطوّافات. وقال الشافعي: كانوا يستجمرون وبلارهم حارَّة، فربما عرق أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك. وذكر غير واحد أن "باتت" في هذا الحديث، بمعنى صارت، منهم ابن عصفور كذا في التنوير.
(٤) أي: لا يدري تعيين الموضع الذي باتت يده فيه، فلعلها أصابتها نجاسة.
(٥) زاد ابن خزيمة والدارقطني "منه"، أي: من جسده.
[ ١ / ١٩١ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: هَذَا (١) حَسَن (٢)، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يفعَلَ (٣) وَلَيْسَ مِنَ الأَمْرِ الْوَاجِبِ الَّذِي إنْ تركه تاركٌ أَثِم (٤)،
_________________
(١) قوله: هذا حسن، أي: تقديم غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء عند الاستيقاظ على ما دلَّ عليه الحديث (وذكر العينيُّ في عمدة القاري (١/٧٥٥ إلى ٧٦١) عشرين فائدة مستنبطة من هذا الحديث) .
(٢) أي: مستحسن.
(٣) قوله: وهكذا ينبغي أن يفعل، إشارة إلى أن الأمر محمول على الندب كما صرَّح به، بقوله: وليس من الأمر الواجب، ولذا روى سعيد بن منصور في "سننه"، عن ابن عمر: أنه أدخل يده في الإناء قبل أن يغسل. وروى ابن أبي شيبة، عن البراء: أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها. وروى عن الشَّعبي: كان أصحاب رسول الله ﷺ يُدخِلون أيدِيَهم في الماء قبل أن يغسلوها. وهذا عند عدم تيقُّن النجاسة على يده وظنها، وأما عند ذلك، فلا يجوز إدخال اليد قبل الغسل لئلا يتنجَّس الماء.
(٤) قوله: الذي إن تركه تاركٌ أثم، قد زعم بعض من في عصرنا بأن الإثم منوط بترك الواجب وما فوقه، ولا يلحق الإثم بترك السنَّة المؤكَّدة، واغترَّ بهذه العبارة وأمثالها، وليس كذلك فقد صرَّح الأصوليّون كما في "كشف أصول البزدوي" وغيره أن تارك السنَّة المؤكَّدة يلحقه إثم دون إثم تارك الواجب، وصرَّح صاحب "التلويح" وغيره بأن ترك السنَّة قريب من الحرام. وهذا هو الصحيح لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس، ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من رغب عن سنَّتي فليس مني"، وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" وابن حبّان والحاكم، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "ستَّة لعنتهم: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلِّط على أمتي بالجَبَرُوت ليُذلَّ من أعزَّه الله ويعزَّ من أذلَّه الله، والمستحِلّ لحرم الله، والمستحلّ من عِترتي، والتارك لسنَّتي"، =
[ ١ / ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأخرج مسلم، عن ابن مسعود: (من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادى بهنّ الحديث، وفيه ولو أنَّكم صلَّيتم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا الرجل المتخلِّف في بيته لتركتم سنَّة نبيكم، ولو تركتم سنَّة نبيكم لَضَلَلْتُم)، وأخرج أبو نعيم في "حلية الأولياء"، عن معاذ بن جبل: (لا تقل إن لي مصلَّى في بيتي، فأصلّي فيه، فإنكم إن فعلتم ذلك تركتم سنَّة نبيكم، ولو تركتم سنَّة نبيكم لضللتم) . والأخبار المفيدة لهذا المطلب كثيرة شهيرة، وقد سلك ابن الهُمام في "فتح القدير" على أن الإثم منوط بترك الواجب، وردّه صاحب "البحر الرائق" وغيره بأحسن ردّ. وإذا عرفت هذا كلَّه، فنقول: المراد من الواجب في الكتاب اللازمُ، أعمُّ من أن يكون لزومَ سنَّة أو لزومَ وجوب أو لزومَ افتراض، فإن اللزوم مختلف، فلزوم الفرض أعلى، ولزوم الواجب أوسط، ولزوم السنَّة أدنى، وعلى هذا الترتيت ترتيب الإثم، لا الوجوب الاصطلاحي الذي جعلوه قسيمًا للافتراض والاستنان، وحينئذٍ فلا دلالة لكلام محمد على قصر الإثم على الواجب. أو نقول: بعد تسليم أن المراد بالواجب في كلامه هذا مايشمل الفرض، والواجب دون السنَّة، إن التنوين في قوله "تاركٌ" للتنكير فلا يُستفاد منه، إلاَّ أن الواجب يَلحق تاركَهُ أيَّ تاركٍ كان، ولو تركه مرة: إثمٌ، وهو أمر لا ريب فيه، فإن الفرض والواجب يلزم من تركهما ولو مرَّة بشرط أن يكون لغير عذر إثم، ولا كذلك السنَّة، فإنَّه لو تركها (في الأصل: "تركه"، والظاهر: "تركها") مرة أو مرَّتين لا بأس به، لكن إن اعتاد ذلك أو جعل الفعلَ وعدمَه متساويَيْن أَثِم كما صرَّح به في "شرح تحرير الأصول" لابن أمير الحاج. فلا يفيد حينئذٍ كلامُه إلاَّ قصْرَ الإثم على سبيل العموم والإطلاق على الواجب لا قصر مطلق الإثم عليه. =
[ ١ / ١٩٣ ]
وهو (١) قول أبي حنيفة ﵀.