٩٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَلاءُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) بنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ (٢)، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: إذ ثُوِّبَ بالصلاةِ (٣)
_________________
(١) قال: كان بلال ينادي بالصبح فيقول: حي على خير العمل، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل. ذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في "فتح المنان"، وقد مرَّ من رواية البيهقي، مثله، وذكر نور الدين علي الحلبي في كتابه "إنسان العيون في سيرة النبي المأمون" نقل عن ابن عمر، وعن علي بن الحسين أنهما كانا يقولان في أذانهما بعد حيّ على الفلاح حي على خير العمل. انتهى. فإن هذه الأخبار تدل على أن لهذه الزيادة أصلًا في الشرع فلم تكن مما ليس منه، ويمكن أن يُقال: إن رواية البيهقي وأبي الشيخ قد تُكُلِّم في طريقهما، فإن كانت ثابتةً دلَّت على هجران هذه الزيادة وإقامة الصلاة خير من النوم مقامه، فصارت بعد تلك الإِقامة مما ليس منه، وأما فعل ابن عمر وغيره فلم يكن دائمًا بل أحيانًا لبيان الجواز، ولو ثبت عن واحدٍ منهما دوامُه أو عن غيرهما، فالأذان المعروف عن مؤذِّني رسول الله ﷺ الثابت بتعليمه الخالي عن هذه الزيادة يُقدَّم عليه، فافهم فإن المقام حقيق بالتأمل.
(٢) هو تابعي كابنه.
(٣) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، قال النسائي: ليس به بأس. وابنه العلاء أبو شِبْل - بالكسر - المدني صدوق، كذا في "الإِسعاف" و"التقريب".
(٤) قوله: إذا ثُوِّب، أي: أقيم، وأصل ثاب رجع، يقال: ثاب إلى المريض جسمه، فكأن المؤذِّن رجع إلى ضرب من الأذان للصلاة، وقد جاء هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أقيمت الصلاة"، وهو يبيِّن أن التثويب ها هنا
[ ١ / ٣٦٢ ]
فَلا تأتُوها تسعَوْن (١) وأْتُوها وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ (٢)، فَمَا أدركتُمْ (٣) فصلُّوا وما فاتَكُم (٤)
_________________
(١) الإِقامة، وهي رواية الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة، وفي رواية لهما أيضًا: "إذا سمعتم الإِقامة". وهي أخص من قوله في حديث أبي قتادة عندهما أيضًا: "إذا أتيتم الصلاة".
(٢) قوله: تسعَوْن، السعي ها هنا المشي على الأقدام بسرعة والاشتداد فيه، وهو مشهور في اللغة، ومنه السعي بين الصفا والمروة، وقد يكون السعي في كلام العرب العمل بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرةَ وَسَعى لَهَا سَعْيَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ سعيَكم لشتى﴾ ونحو هذا كثير، قاله ابن عبد البر.
(٣) بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، وضبطه القرطبي بالنصب على الإِغراء.
(٤) قوله: فما أدركتم فصلوا، جواب شرط محذوف، أي: إذا فعلتم ما أمرتكم به من السكينة فما أدركتم إلخ.
(٥) قوله: وما فاتكم فأتمّوا، قال الحازمي في كتاب "الناسخ والمنسوخ": أخبرنا محمد بن عمر بن أحمد الحافظ، أنا الحسن بن أحمد القاري، أنا أبو نعيم، نا سليمان بن أحمد، نا أبو زرعة، نا يحيى بن صالح، نا فليح، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: كنا نأتي الصلاة، أو يجيء رجل وقد سُبق بشيء من الصلاة أشار إليه الذي يليه: قد سُبقت بكذا وكذا، فيقضي، قال: فكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد، فجئتُ يومًا وقد سُبقت ببعض الصلاة وأُشير إليَّ بالذي سُبقت به، فقلت: لا أجده على حال إلاَّ كنت عليها، فلما فرغ رسول الله ﷺ قمت وصلَّيت، فاستقبل رسول الله ﷺ على الناس وقال: من القائل كذا وكذا، قالوا: معاذ بن جبل، فقال: "قد سنَّ لكم معاذ فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم وقد سُبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإِمام بصلاته، فإذا فرغ الإِمام فليقضِ ما سبقه به".
[ ١ / ٣٦٣ ]
فَأَتِمُّوا (١)، فإنَّ أحدَكم فِي صَلاةٍ مَا كَانَ (٢) يَعْمِدُ (٣) إلى الصلاة.
_________________
(١) قال الشافعي: إذا سبق الإِمام الرجل الركعة فجاء الرجل فركع تلك الركعة لنفسه ثم دخل مع الإِمام في صلاته حتى يكملها فصلاته فاسدة وعليه أن يعيد الصلاة، ولا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره، وهذا منسوخ قد كان المسلمون يصنعونه حتى جاء عبد الله بن مسعود أو معاذ بن جبل، وقد سبقه النبي ﷺ بشيء من الصلاة، فدخل معه ثم قام يقضي، فقال رسول الله ﷺ: "إن ابن مسعود - أو معاذًا - سنَّ لكم فاتبعوها".
(٢) قوله: فأتمّوا، فيه دليل على أن ما أدركه فهو أول صلاته، وقد ذكر في "التمهيد" من قال في هذا الحديث "فاقضوا". وهذان اللفظان تأوَّلهما العلماء في ما يدركه المصلّى من صلاته مع الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ ولذلك اختلفت أقوالهم فيها (أوجز المسالك ٢/١٢)، فأما مالك، فاختلفت الرواية عنه، فروى سحنون، عن جماعة من أصحاب مالك، عنه أن ما أدراك فهو أول صلاته ويقضي ما فاته، وهذا هو المشهور من مذهبه، وهو قول الأَوْزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل، وداود والطبري، وروى أشهب، عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن حَيّ، وذكر الطحاوي، عن محمد عن أبي حنيفة أن الذي يقضى هو أول صلاته ولم يحكِ خلافًا. وأما السلف فرُوي عن عمر وعليّ وأبي الدرداء: ما أدركتَ فاجعله آخر صلاتك، وليست الأسانيد عنهم بالقوية، وعن ابن عمر ومجاهد وابن سيرين مثل ذلك، وصحَّ عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأَوْزاعي وسعيد بن عبد العزيز ما أدركت فاجعله أول صلاتك، واحتجَّ القائلون بأن ما أُدرك فهو أول صلاته بقوله ﷺ: "ما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا"، قالوا: والتمام هو الآخر، واحتجَّ الآخرون بقوله: "وما فاتكم فاقضوا"، فالذي يقضيه هو الفائت، كذا في "الاستذكار".
[ ١ / ٣٦٤ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: لا تَعْجَلَنَّ (١) بركوعٍ وَلا افتتاحٍ حَتَّى تَصِلَ (٢) إِلَى الصَّفِّ وتقومَ فِيهِ، وَهُوَ قولُ أبي حنيفة ﵀.
_________________
(١) قوله: ما كان يعمد إلى الصلاة، يدل على أن الماشي إلى الصلاة كالمنتظر لها وهما من الفضل سواء بالمصلّي إن شاء الله تعالى على ظاهر الآثار، وهذا يسير في فضل الله ورحمته لعباده، كما أنه من غلبه نوم عن صلاةٍ كانت عادة له، كُتب له أجر صلاة، وكان نومه عليه صدقة، كذا قال ابن عبد البر.
(٢) بكسر الميم، أي: يقصد.
(٣) أيها المصلّي.
(٤) قوله: حتى تصل إلى الصف وتقوم فيه، استُنبط من النهي عن الإِتيان ساعيًا وكون عامِدِ الصلاة في الصلاة من حيث الثواب، وذلك لأن العَجَلة في الاشتراك قبل الوصول إلى الصف يفوِّت كثرة الخطا، وامتداد زمان العمد إلى الصلاة مع لزوم قيامه خلف صف مع غير إتمامه، وقد ورد فيه نص صريح هو ما أخرجه البخاري وغيره، عن أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم دبَّ حتى انتهى إلى الصف، فلمّا سَلَّم قال: "إني سمعت نَفَسًا عاليًا فأيُّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فقال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، خشيت أن تفوتني الركعة فركعت دون الصف ثم لحقت بالصف، فقال النبي ﷺ: "زادك الله حرصًا ولا تعد". قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية": إرشاد إلى المستقبل بما هو أفضل منه، ولو لم يكن مجزئًا لأمره بالإِعادة، والنهي إنما وقع عن السرعة والعجلة إلى الصلاة، كأنه أَحَبَّ له أن يدخل الصف ولو فاتته الركعة، ولا يعمل بالركوع دون الصف، يدل عليه ما رواه البخاري في كتابه المفرد في "القراءة خلف الإِمام": ولا تعد، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقتَ. فهذه الزيادة دلَّتْ على ذلك، ويقوّيها حديث: وعليكم السكينة فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا.
[ ١ / ٣٦٥ ]
٩٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدَّثنا نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ الإِقامة وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فأَسْرَعَ الْمَشْيَ (١) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا (٢) لا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُجْهِدْ نفسَه (٣) .
_________________
(١) قوله: فأسرع المشي، وروُي عنه أنه كان يهرول إلى الصلاة، وعن ابن مسعود أنه قال: لو قرأت: ﴿فَاسْعَوْا إلى ذِكرِ اللَّهِ﴾ لسَعَيْتُ حتى يسقط ردائي، وكان يقرأ: ﴿فَامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وهي قراءة عمر أيضًا. وعن ابن مسعود أيضًا: أحق ما سَعَيْنا إليه الصلاة. وعن الأسود بن يزيد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن يزيد، أنهم كانوا يهرولون إلى الصلاة. فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى أنَّ من خاف فوت الوقت سعى، ومن لم يخف مشى على هيأة، وقد رُوي عن ابن مسعود خلاف ذلك، أنه قال: إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا، وروى عنه أبو الأحوص، أنه قال: لقد رأيتُنا وإنا لنقارب بين الخطا. وروى ثابت، عن أنس، قال: خرجت مع زيد بن ثابت، إلى المسجد، فأسرعت المشي فحبسني. وعن أبي ذرّ، قال: إذا أقيمت الصلاة فامشِ إليها كما كنت تمشي فصلِّ ما أدركت واقضِ ما سبقك. وهذه الآثار كلها مذكورة بطرقها في "التمهيد" وقد اختلف السلف في هذا الباب كما ترى، وعلى القول بظاهر حديث النبي ﷺ في هذا الباب جمهور العلماء وجماعة الفقهاء، كذا في "الاستذكار".
(٢) أي الإِسراع.
(٣) قوله: ما لم يُجهد نفسه، أي: لا يكلف نفسه ولا يحمل عليه مشقة، ويشير بقوله لا بأس به إلى الجواز وإلى أن النهي عن الإِتيان ساعيًا في الحديث المرفوع ليس نهي تحريم بل نهي استحباب إرشادًا إلى الأليق الأفضل.
[ ١ / ٣٦٦ ]
٩٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا سُمَيٌّ (١) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ (٢) يَعْنِي ابنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٣) يَقُولُ: مَنْ غَدَا (٤) أَوْ رَاحَ (٥) إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُرِيدُ غيرَه ليتعلَّمَ خَيْرًا أَوْ يُعَلِّمه ثُمَّ رجَعَ إِلَى بَيْتِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ كَانَ (٦) كَالْمُجَاهِدِ في سبيل الله رَجَع (٧) غانمًا.