٩٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدَّثنا الزُّهريُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عبدِ اللَّهِ بْنِ عُمر أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَر قَالَ: كَانَ (٢) رسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا افْتَتح (٣)
_________________
(١) يكبِّر، ويقرأ، وبلال في إقامة الصلاة (الاستذكار ٢/١٠٥) . انتهى. وفيه نظر لا يخفى، والأمر في هذا الباب واسع، ليس له حد مضيق في الشرع، واختلاف العلماء في ذلك لاختيار الأفضل بحسب ما لاح لهم (وذهب عامة العلماء إلى أنه يُستحب أن لا يكبِّر الإِمام حتى يفرغ المؤذن من الإِقامة، ومذهب الشافعي وطائفة أنه يُستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإِقامة، وهو قول أبي يوسف، وعن مالك: السنَّة في الشروع في الصلاة بعد الإِقامة وبداية استواء الصف، وقال أحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة يقوم. وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في الصف إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبَّر الإِمام لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه، وإذا لم يكن الإِمام في المسجد فقد ذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، كذا في "عمدة القاري" ٥/٦٧٦) .
(٢) أي: ابتدائها.
(٣) قوله: كانإلخ، هذا أحد الأحاديث الأربعة التي رفها سالم، عن أبيه ووقفها نافع، عن ابن عمر، والقول فيها قول سالم، والثاني: "من باع عبدًا وله مال "، جعله نافع، عن ابن عمر، عن عمر، والثالث: "الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة"، والرابع: "في ما سقت السماء والعيون أو كان بَعْلًا العشر، وما سُقي بالنضح نصف العشر". كذا في "التنوير".
(٤) قال ابن المنذرك لم يختلف أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح، نقله ابن دقيق العيد في "الإِمام".
[ ١ / ٣٧٤ ]
الصلاة (١) رفع (٢) يديه (٣)
_________________
(١) قوله: افتتح الصلاة (قال الباجي: افتتاح الصلاة يكون بالنطق، ولا يكون بمجرَّد النيّة، لمن يقدر على النطق. أوجز المسالك ٢/٤١): استند به صاحب "البحر" أن وقت الرفع قبل التكبير، وفيه نظر لأنه يحتمل أن يكون معناه إذا كبَّر رفع يديه، لأن افتتاح الصلاة إنما هو بالتكبير، نعم، إن كان المراد بالافتتاح إرادة الافتتاح لتم الاستشهاد.
(٢) هذا مستحب عند جمهور العلماء، لا واجب كما قال الأَوْزاعي والحُمَيْدي وابن خزيمة وداود وبعض الشافعية والمالكية.
(٣) قوله: رفع يديه، معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوع، واستكانة، وابتهال، وتعظيم الله تعالى، واتِّباع لسنَّة نبيه ﷺ (الاستذكار ٢/١٢٢) .
(٤) بالكسر: أي: مقابله.
(٥) قوله: إذا كبَّر إلخ، رواه يحيى ولم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع، وتابعه على ذلك جماعة من الرواة، للموطأ عن مالك، ورواه جماعة عن مالك، فذكروا فيه الرفع عند الانحطاط، وهو الصواب، وكذلك رواه سائر مَن رواه مِن أصحاب ابن شهاب عنه (في الأوجز ٢/٤٤، قال ابن عبد البر: هو الصواب. قلت: هو وهم منه وكذلك "إن سائر من رواه، عن ابن شهاب ذكره" سهو منه، فإن الحديث أخرجه الزبيدي عن الزهري عند أبي داود وليس فيه ذكر الرفع عند الركوع، وأيضًا لم يختلف فيه على الزهري فقط، بل اختلف سالم ونافع على ابن عمر ﵄، كما لا يخفى على من سهر الليالي في تفحّص كتب الحديث) . كذا في "التنوير".
(٦) أي: حذو منكبيه.
[ ١ / ٣٧٥ ]
حِذاءَ (١) مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّر (٢) للرُّكوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ (٣)، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوع رَفَعَ يديْه، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ (٤) لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ قال (٥): ربَّنا ولك الحمد (٦) .
_________________
(١) معنى سمع ها هنا: أجاب.
(٢) قوله: ثم قال، قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة من أهل الحديث: إن الإِمام يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وحجَّتهم حديث ابن عمر: ورواه أبو سعيد الخُدْري وعبد الله بن أبي أوفى وأبو هريرة، وقال جماعة: يقتصر على سمع الله لمن حمده، وحجّتهم حديث أنس: عن النبي ﷺ: فإذا رفع الإِمام فارفعوا: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد. كذا في "الاستذكار" (٢/١٢٨) .
(٣) قوله: ربنا ولك الحمد، قال الرافعي: روينا في حديث ابن عمر: ربنا لك الحمد، بإسقاط الواو وبإثباتها والروايتان معًا صحيحتان. انتهى. قلت: الرواية بإثبات الواو متفق عليها، وأما بإسقاطها ففي صحيح أبي عوانة: وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الواو في: "ربنا ولك الحمد"، فقال: زائدة، وقال النووي: يحتمل أنها عاطفة على محذوف، أي: أطعنا لك وحمدناك، ولك الحمد، كذا في "التلخيص (في الأصل: "تلخيص الحبير"، وهو تحريف) الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير"، للحافظ ابن حجر، وعند البخاري، عن المقبري، عن أبي هريرة: كان رسول الله إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد. وعند أبي داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب عنه: كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، كذا في "ضياء الساري"
[ ١ / ٣٧٦ ]
١٠٠ - أخبرَنا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نافعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ (١) إِذَا ابتدأَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الركوع (٢) رفعهما دون ذلك (٣) .
_________________
(١) (هو شرح على البخاري للشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي، المتوفى سنة ١١٣٤. مقدمة "لامع الدراري"، ص ٤٥٧) .
(٢) قوله: كان إلخ، الثابت، عن ابن عمر بالأسانيد الصحيحة هو أنه كان يرفع عند الافتتاح، وعند الرفع من الركوع، وعند الركوع حسبما رواه مرفوعًا، وأخرج الطحاوي بسنده، عن أبي بكر بن أبي عيّاش، عن حصين، عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلاَّ في التكبيرة الأولى، ثم قال الطحاوي: فلا يكون هذا من ابن عمر إلاّ وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي ﷺ. انتهى. وفيه نظر لوجوه: أحدها: أنه سند معلول لا يوازي الأسانيد الصحيحة، فقد أخرجه البيهقي من الطريق المذكور في كتاب "المعرفة"، وأسند، عن البخاري أنه قال: ابن عياش قد اختلط بآخره، وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبَّر وإذا رفع، وكان أبو بكر بن عيّاش يرويه قديمًا، عن حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلًا موقوفًا: أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما بعد. وهذا هو المحفوظ، عن ابن عياش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات، عن ابن عمر. انتهى. وثانيها: أنه لو ثبت، عن ابن عمر ترك ذلك فلا يثبت منه نسخ فعل رسول الله ﷺ الثابت بالطرق الصحيحة، عن الجمع العظيم إلاّ إذا كان فيه تصريح، عن النبي ﷺ، وإذ ليس فليس. وثالثها: أن ترك ابن عمر لعله يكون لبيان الجواز، فلا يلزم منه النسخ.
(٣) في نسخة: ركوعه.
(٤) قوله: دون ذلك، يعارضه قول ابن جريج: قلت لنافع، أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهنّ؟ قال: لا. ذكره أبو داود.
[ ١ / ٣٧٧ ]
١٠١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا وهبُ بْنُ كَيْسان (١)، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ: أنهُ يُعَلِّمُهم (٢) التَّكْبِيرَ فِي الصَّلاةِ، أَمَرَنَا (٣) أَنْ نكبِّر كُلَّمَا خَفَضْنَا وَرَفَعْنَا.
١٠٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (٤) بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالبٍ أَنَّهُ قَالَ (٥): كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يكبِّر كُلَّمَا (٦) خَفَضَ، وَكُلَّمَا رَفَعَ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلاتُهُ حَتى لقي (٧) اللَّهَ ﷿.
_________________
(١) هو أبو نعيم المدني، وثقه النسائي وابن سعد، مات سنة ١٢٧ هـ، كذا في "الإِسعاف".
(٢) أي: أصحابه التابعين، وفي نسخة: كان يعلِّمهم.
(٣) بيان للتعليم.
(٤) هو أبو الحسين زين العابدين، قال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا كثير الأحاديث، مات سنة ٩٢ هـ، كذا في "الإِسعاف".
(٥) قوله: أنّه قال إلخ، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا من رواة الموطأ في إرسال هذا الحديث. رواه عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه موصولًا: ورواه عبد الرحمن بن خالد، عن أبيه، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ، ولا يصح فيه إلاَّ ما في "الموطأ" مرسلًا.
(٦) ظاهر الحديث عمومه في جميع الانتقالات، لكن خُصَّ منه الرفع من الركوع بالإِجماع.
(٧) بارتحاله من الدنيا.
[ ١ / ٣٧٨ ]
١٠٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّه أَخْبَرَهُ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ: كَانَ يصلِّي بِهِمْ، فكبَّر كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ (١) قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي (٢) لأَشْبَهُكُمْ (٣) صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
١٠٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي نُعَيْمٌ المُجْمر (٤) وَأَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ (٥)، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ: كان يصلي بهم، فكبَّر كلما خفض وفع، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يكبِّرُ وَيَفْتَحُ (٦) الصَّلاةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: السنَّة أَنْ يكبِّر الرجل في صلاته كلما خفض (٧)
_________________
(١) من الصلاة.
(٢) قال الرافعي: هذه الكلمة مع الفعل المأتي به نازلةٌ منزلة حكاية فعله ﷺ.
(٣) قوله: لأشبهكم إلخ، هذا يدلُّك على أن التكبير في الخفض والرفع لم يكن مستعملًا عندهم ولا ظاهرًا فيهم، كذا في "الاستذكار".
(٤) هو نعيم المُجْمر بن عبد الله، أبو عبد الله المدني، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما.
(٥) أبو جعفر القارئ: اسمه يزيد بن القعقاع المدني المخزومي، وقيل: جندب بن فيروز، وقيل: فيروز، ثقة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة ثلاثين، كذا قال الزرقاني.
(٦) في نسخة: يفتتح.
(٧) كلما خفض وكلما رفع لما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود: كان النبي ﷺ يكبِّر في كل خفض ورفع وقيام وقعود وأبو بكر وعمر.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وكلما رفع، وإذا انحطّ (١) للسجود كبَّر،
_________________
(١) وأخرجه أحمد والدارمي وإسحاق بن راهويه والطبراني وابن أبي شيبة. وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبِّر حين يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلِّها، ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس، وفي "الصحيحين"، عن عمرانَ بن حُصين أنه صلّى خلف علي بن أبي طالب بالبصرة، فقال: ذكَّرنا هذا الرجل صلاةَ رسول الله ﷺ، فذكر أنه كان يكبِّر كلما رفع وكلما خفض، وفي الباب عن أبي موسى عند أحمد والطحاوي، وابن عمر عند أحمد والنسائي، وعبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور، ووائل بن حُجْر عند ابن حِبَّان، وجابر عند البزار، وغيرهم عند غيرهم.
(٢) قوله: وإذا انحط إلخ، مصرَّح به لكونه محل الخلاف أخذًا مما أخرجه أبو داود، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى أنه صلّى مع رسول الله ﷺ وكان لا يتم التكبير، قال أبو داود: ومعناه إذا رفع رأسه من الركوع، وأراد أن يسجد لم يكبِّر وإذا قام من السجود لم يكبِّر. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" وقال: فذهب قوم إلى هذا، فكانوا لا يكبِّرون في الصلاة إذا خفضوا، ويكبِّرون إذا رفعوا، وكذلك كان بنو أمية يفعلون ذلك (في الأصل: "يفعل ذلك")، وخالفهم في ذلك آخرون، فكبَّروا في الخفض والرفع جميعًا، فذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله ﷺ. انتهى. ثم أخرج عن عبد الله بن مسعود، قال: أنا رأيت رسول الله ﷺ يكبِّر في كل خفض ورفع. وأخرج عن عكرمة، قال: صلّى بنا أبو هريرة، فكان يكبِّر إذا رفع، وإذا خفض، فأتيتُ ابن عباس، فأخبرته، فقال: أوليس سنَّة أبي القاسم ﷺ؟ وأخرج عن أبي موسى، قال: ذكَّرنا عليٌّ صلاةً كنّا نصلّيها مع رسول الله ﷺ إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا، كان يكبِّر كلّما خفض ورفع، وكلَّما سجد. وأخرج عن أنس:
[ ١ / ٣٨٠ ]
وإذا انحطّ (١) للسجود الثاني
_________________
(١) كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يُتمّون التكبير، يكبِّرون إذا سجدوا، وإذا رفعوا، وإذا قاموا من الركعة. وأخرج عن أبي هريرة نحو ما أخرجه مالك، ثم قال الطحاوي (١/١٣٠): فكانت هذه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى (ضعّف الحافظ في الفتح ٢/٢٢٣ حديث عبد الرحمن بن أبْزى، وقال: وقد نفى البخاري في "التاريخ"، عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري والبزّار: تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول: قال: وأجيب على تقدير صحته بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجهر به، أو لم يمدّه. اهـ)، وأكثر تواترًا، وقد عمل بها أبو بكر وعمر وعلي، وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا. انتهى كلامه. وفي "الوسائل إلى معرفة الأوائل" للسيوطي: أول من نقص التكبير معاوية، كان إذا قال: سمع الله لمن حمده انحطّ إلى السجود ولم يكبِّر، أسنده العسكري، عن الشعبي. وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم أنه قال: أول من نقص زياد. انتهى. وفي "الاستذكار" بعد ذكر حديث أبي هريرة، وحديث أبي موسى: (إما نسيناها وإما تركناها عمدًا)، وغير ذلك. هذا يدلك على أن التكبير في غير الإِحرام لم يتلقَّه السلف من الصحابة والتابعين على الوجوب، ولا على أنه من مؤكَّدات السنن، بل قد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير هو إذن بحركات الإِمام، وشعار الصلاة، وليس بسنَّة إلا في الجماعة، ولهذا ذكر مالكٌ في هذا الباب حديثَه، عن علي بن حسين وأبي هريرة مرفوعين، وعن ابن عمر وجابر فعلهما، ليُبيِّن بذلك أن التكبير في كل خفض ورفع سنَّة مسنونة، وإن لم يعمل بها بعض الصحابة، فالحجة في السنَّة، لا في ما خالفها. انتهى ملخَّصًا (الاستذكار ٢/١٣١) .
(٢) أي: انخفض.
[ ١ / ٣٨١ ]
كبَّر. فَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْيَدَيْنِ (١) حَذْوَ الأذنين (٢)
_________________
(١) من دون مطأطأة الرأس عند التكبير كما يفعله بعض الناس، فإنه بدعة، ذكره محمد بن محمد الشهير بابن أمير الحاج في "حَلْبة المجلِّي شرح منية المصلي" (في الأصل: "حلية المحلي"، وهو تحريف) .
(٢) قوله: حذو الأذنين، لما روى مسلم، عن وائل أنه رأى النبيَّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه الحديث. وأخرج أحمد وإسحاق بن راهويه والدارقطني والطحاوي، عن البراء: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه. وأخرج الحاكم - وقال: صحيح على شرط الشيخين - والدارقطني والبيهقي، عن أنس: رأيت رسول الله ﷺ كبَّر، فحاذى بإبهاميه أذنيه الحديث. وأخرج أبو داود ومسلم والنسائي وغيرهم، عن مالك بن الحُوَيرث: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبَّر، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يَبلغ بهما فروع أذنيه. ويعارض هذه الأحاديث رواية ابن عمر التي أخرجها مالك وأبو داود والنسائي ومسلم والطحاوي وغيرهم. وأخرج الجماعة إلاّ مسلمًا من حديث أبي حُمَيد الساعدي: "رفع يديه حتى يحاذيَ بهما مَنْكِبيه". وأخرج أبو داود والطحاوي من حديث عليٍّ نحوه. وباختلاف الآثار اختلف العلماء، فاختار الشافعي وأصحابه كما هو المشهور حذو المنكبين، واختار أصحابنا حذو الأذنين، وسلك الطحاوي على أن الرفع حذوَ المنكبين كان لعذر حيث أخرج، عن وائل: أتيتُ النبيَّ ﷺ فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه، إذا كبَّر، وإذا ركع وإذا سجد، ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها وأشار شريك الراوي عن عاصم عن كليب عن وائل إلى صدره، ثم قال الطحاوي: فأخبر وائل في حديثه هذا أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم تحت ثيابهم، فعملنا بالروايتين، فجعلنا الرفع إذا كانت اليدان
[ ١ / ٣٨٢ ]
في ابتداء الصلاة (١) مرَّةً واحدة،
_________________
(١) تحت الثياب لعلَّة البرد إلى منتهى ما يُستطاع إليه الرفع، وهو المنكبان، وإذا كانا باديتين رفعهما إلى الأذنين، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. انتهى. وقال العيني في "البناية": لا حاجة إلى هذه التكلُّفات، وقد صحَّ الخبر في ما قلنا وفي ما قاله الشافعي، فاختار الشافعي حديث أبي حميد، واختار أصحابنا حديث وائل وغيره، وقد قال أبو عمر (في الأصل: "أبو عمرو"، وهو تحريف) بن عبد البر: اختلفتْ الآثار، عن النبي ﷺ وعن الصحابة ومن بعدهم، فروي عنه ﵇ الرفع فوق الأذنين، وروي عنه أنه كان يرفع حذاء الأذنين، وروي عنه حذوَ منكبيه، وروي عنه إلى صدره، وكلُّها آثار مشهورة محفوظة، وهذا يدل على التوسعة في ذلك. انتهى (قال الشيخ في الأوجز ٢/٤٢: الاختلاف فيه كأنه لفظيّ، لأن ابن الهمام من الحنفية قال: لا تعارض بين الروايتين)، وفي "شرح مسند الإِمام" لعلي القاري: الأظهر أنه ﷺ كان يرفع يديه من غير تقييد إلى هيئة خاصة، فأحيانًا كان يرفع إلى حيال منكبيه، وأحيانًا إلى شَحْمَتي أذنيه. انتهى.
(٢) قوله: في ابتداء الصلاة، إما قبل التكبير كما أخرجه النسائي، عن ابن عمر: رأيت رسولَ الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبِّر. وأخرج ابن حِبّان، عن أبي حميد: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر. وإما مع التكبير كما أخرجه أبو داود، عن وائل: أنه رأى رسولَ الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير. وإما بعد التكبير كما أخرجه مسلم، عن أبي قلابة: أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلّى كبَّر، ثم رفع يديه، وحدَّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا. والكل واسع ثابت إلا أنه رجَّح أكثر مشائخنا (والأصح عند الشافعية والمالكية المقارنة، وفي المغني عند الحنابلة المقارنة كذا في الأوجز ٢/٤٣) تقديم الرفع.
[ ١ / ٣٨٣ ]
ثُمَّ لا يَرْفَعُ (١) فِي شيْء مِنَ الصَّلاةِ (٢) بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣) - رحمه الله تعالى - وفي
_________________
(١) قوله: ثم لا يرفع: ولو رفع لا تفسد صلاته كما في "الذخيرة" وفتاوى الولوالجي وغيرهما من الكتب المعتمدة، وحكى بعض أصحابنا عن مكحولٍ النسفي أنه روي، عن أبي حنيفة فساد الصلاة به، واغترَّ بهذه الرواية أمير الكاتب الإِتقاني صاحب "غاية البيان" فاختار الفساد، وقد ردَّ عليه السبكي في عصره أحسن ردّ كما ذكره ابن حجر في "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"، وصنَّف محمود بن أحمد بن مسعود القونوي الحنفي رسالة نفيسة في إبطال قول الفساد، وحقق فيها أن رواية مكحول شاذة مردودة، وأنه رجل مجهول لا عبرة لروايته، وقد فصلتُ في هذا الباب تفصيلًا حسنً في ترجمة مكحول في كتاب: "طبقات الحنفية" المسمَّى بالفوائد البهية في تراجم الحنفية، فليرجع إليه.
(٢) أي: في جزء من أجزاء الصلاة.
(٣) قوله: قول أبي حنيفة، ووافقه في عدم الرفع إلاَّ مرة الثوريُّ والحسنُ بن حَيّ وسائر فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا، وهو قول ابن مسعود وأصحابه، وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المَرْوزي: لا نعلم مصرًا من الأمصار تركوا بإجماعهم رفعَ اليدين عند الخفض والرفع إلا أهل الكوفة، واختلفت الرواية فيه، عن مالك، فمرة قال: يرفع، ومرة قال: لا يرفع، وعليه جمهور أصحابه، وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وابن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وجماعة أهل الحديث بالرفع إلا أن منهم من يرفع عند السجود أيضًا، ومنهم من لا يرفع عنده. ورُوي الرفع في الرفع والخفض، عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو الدرداء وأنس وابن عباس وجابر، وروى الرفعَ، عن النبي ﷺ نحو ثلاثة وعشرين رجلًا من الصحابة كما ذكره جماعة من أهل الحديث، كذا في "الاستذكار" (٢/١٢٣ - ١٢٥) لابن عبد البر. وذكر السيوطي في رسالته
[ ١ / ٣٨٤ ]
ذلك (١) آثار كثيرة (٢) .
_________________
(١) "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" أن حديث الرفع متواتر (قال في "نيل الفرقدين" ص ٢٢: إن الرفع متواتر إسنادًا وعملًا، ولا يُشك فيه، ولم يُنسخ ولا حرف منه، وإنما بقي الكلام في الأفضلية، وصرَّح أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" أنه من الاختلاف المباح، وفي ص ١٢٣: حكى ذلك من الحافظ أبي عمر (أي: ابن عبد البر) من المالكية، ومن الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن القيم من الحنابلة. وأما الترك، فأحاديثه قليلة ومع هذا هو ثابت بلا مرية، وهو متواتر عملًا لا إسنادًا عند أهل الكوفة، وقد كان في سائر البلاد تاركون وكثير من التاركين في المدينة في عهد مالك، وعليه بنى مختاره، وكان أكثر أهل مكة يرفعون فبنى عليه الشافعي. "معارف السنن" ٢/٤٥٩)، عن النبي ﷺ، أخرجه الشيخان، عن ابن عمر ومالك بن الحويرث، ومسلم، عن وائل بن حُجْر، والأربعة، عن عليّ، وأبو داود، عن سهل بن سعد، وابن الزبير وابن عباس ومحمد بن مسلمة وأبي أسيد وأبي قتادة وأبي هريرة وابن ماجه، عن أنس وجابر وعمير الليثي، وأحمد، عن الحكم بن عمير، والبيهقي، عن أبي بكر ﵁ والبراء، والدارقطني، عن عمر. وأبي موسى، والطبراني، عن عقبة بن عامر ومعاذ بن جبل.
(٢) أي: في عدم رفع اليدين إلا مرَّة.
(٣) قوله: آثار كثيرة، عن جماعة من الصحابة: منهم ابن عمر وعلي وابن مسعود، كما أخرجه المؤلف وسيأتي ذكر مالها وما عليها. ومنهم: عمر بن الخطاب، روى الطحاوي والبيهقي من حديث الحسن بن عيّاش، عن عبد الملك بن الحسن، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: رأيت عمر يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود، ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك. قال الطحاوي: فهذا عمر لم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، والحديث صحيح لأن الحسن بن عيّاش وإن كان هذا الحديث دار عليه، فإنه ثقة، حجة،
[ ١ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وذكر ذلك يحيى بن معين وغيره. انتهى. واعترضه الحاكم على ما نقله الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية"، بأنها رواية شاذه، لا يعارَض بها الأخبار الصحيحة عن طاووس، عن كيسان، عن ابن عمر أن عمر (في معارف السنن ٢/٤٧٠، قال: أعله المحدثون، وصححوه عن ابن عمر، عنه ﷺ، ولم يثبت عن عمر غير هذا) كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه، انتهى. ومنهم أبو سعيد الخدري، وأخرج البيهقي، عن سوار بن مصعب، عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبِّران، ثم لا يعودان. وأعله البيهقي بأن عطية سيِّئ الحال، وسوار أسوأ منه، قال البخاري: سوار منكر الحديث، وعن ابن معين غير محتج به. ويخالف هذا الأثر ما أخرجه البيهقي، عن ليث، عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وابن عباس وابن الزبير وأبا هريرة يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، وأخرج أيضًا عن سعيد بن المسيَّب، قال: رأيت عمر يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي سنده من استضعف. ومنهم عبد الله بن الزبير كما حكاه صاحب "النهاية" وغيرُه من شراح "الهداية" أنه رأى رجلًا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع، فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه، لكن هذا الأثر لم يجده المخرجون المحدثون مسندًا في كتب الحديث، مع أنه أخرج البخاري في رسالة "رفع اليدين"، عن عبد الله بن الزبير أنه كان يرفع يديه عند الخفض والرفع، وكذا أخرجه، عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وجابر وأبي هريرة وأنس أنهم كانوا يرفعون أيديهم. وأخرج البيهقي، عن الحسين، قال: سألت طاووسًا عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: رأيت عبدَ الله بنَ عباس وابنَ الزبير وابنَ عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا سجدوا. وأخرج أيضًا، عن عبد الرزاق قال: ما رأيت أحسنَ صلاةً من ابن جريج رأيته يرفع
[ ١ / ٣٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) يديه إذا افتتح، وإذا رفع. وأخذ ابن جريج صلاته عن عطاء بن أبي رباح وأخذ عطاء، عن عبد الله بن الزبير، وأخذ ابن الزبير، عن ابي بكر الصديق ﵁. ومنهم ابن عباس، حكى عنه بعض أصحابنا أنه قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك. لكنه أثر لم يثبته المحدثون، والثابت عندهم خلافه، قال ابن الجوزي في "التحقيق"، بعد ذكر ما حكاه أصحابنا، عن ابن عباس وابن الزبير: هذان الحديثان لا يُعرفان أصلًا، وإنما المحفوظ عنهما خلاف ذلك، فقد أخرج أبو داود، عن ميمون أنه رأي ابن الزبير يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فانطلقتُ إلى ابن عباس، فقلت" إني رأيتُ ابن الزبير صلّى صلاة لم أرَ أحدًا يصلّيها، فوصفت له، فقال: أنْ أحببتَ أن تنظر إلى صلاة رسول الله ﷺ، فاقتدِ بصلاة عبد الله بن الزبير. انتهى. وردَّه العينيّ بأن قوله: لا يُعرفان، لا يَستلزم عدم معرفة أصحابنا، هذا ودعوى النافي ليست بحجة على المثتب، وأصحابنا أيضًا ثقات، لا يَرَوْن الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته. انتهى. وفيه نظر ظاهر، فإنه ما لم يوجد سند أثر ابن عباس وابن الزبير في كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة كيف يعتبر به بمجرَّد حسن الظن بالناقلين، مع ثبوت خلافه عنهما، بالأسانيد العديدة. ومنهم أبو بكر الصديق أخرج الدارقطني وابن عدي، عن محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلاَّ عند استفتاح الصلاة. وفيه محمد بن جابر، متكلَّم فيه، ويخالفه ما أخرجه أبو داود، عن ميمون كما مرَّ نقلًا عن "التحقيق". ومنهم العشرة المبشرة، كما حكى بعض أصحابنا، عن ابن عباس أنه قال: لم يكن العشرة المبشرة يرفعون أيديهم إلاَّ عند الافتتاح، ذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في "شرح سفر السعادة"، ولا عبرة بهذا الأثر ما لم يوجد سنده عند مهرة الفن، مع ثبوت خلافه في كتب الحديث مما يؤيد عدم الرفع من الأخبار المرفوعة ما أخرجه الترمذي وحسّنه والنسائي وأبو داود، عن
[ ١ / ٣٨٧ ]
١٠٥ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ بْنِ صالح، عن عاصم بن كٌلَيْب (١) الجَرْمي،
_________________
(١) علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلّي بكم صلاة رسول الله ﷺ، فصلّى، فيم يرفع يديه إلا أول مرة. وأخرج أبو داود، عن البراء: كان رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعود. وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر وعباد بن الزبير مثله. وللمحدثين على طرق هذه الأخبار كلمات تدل على عدم صحتها، لكن لا يخفى على الماهر أن طرق حديث ابن مسعود تبلغ درجة الحسن. والقدر المتحقَّق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه كليهما عن رسول الله ﷺ إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غفير، ورواة الترك جماعة قليلة، مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك، عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجّة بها، فإذن نختار أن الرفع ليس بسنَّة مؤكدة يُلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي ﷺ أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي مغترًا بحسن الظن بالصحابة التاركين، وابن الهمام والعيني، وغيرهم من أصحابنا، فليست بمبرهن عليها بما يشفي العليل ويروي الغليل.
(٢) قوله: عن عاصم بن كليب، هو عاصم بن كليب مصغرًا، ابن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، روى عن أبيه وأبي بريدة وعلقمة بن وائل بن حجر وغيرهم، وعنه شعبة، والسفيانان، وغيرهم، وثَّقه النسائي، وابن معين، وقال أبو داود: كان من أفضل أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في الثقات، وأرَّخ وفاته سنة ١٣٧ هـ. وأبوه كليب بن شهاب ثقة، كذا في "تهذيب التهذيب" و"الكاشف"، وفي "أنساب السمعاني": الجرمي: بفتح الجيم وسكون الراء المهملة نسبة إلى جَرْم، قبيلة باليمن، ومنها من الصحابة: شهاب بن المجنون الجَرْمي جَدّ عاصم بن كليب.
[ ١ / ٣٨٨ ]
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ علىَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (١) رَفَعَ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى (٢) مِنَ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُمَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.
١٠٦ - قَالَ مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ بْنِ صالح، عن
_________________
(١) قوله: رأيت على بن أبي طالب، كذا أخرجه الطحاوي، عن أبي بكر النهشلي، عن عاصم، عن أبيه، أن عليًا كان يرفع في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يعود، وقال الدارقطني في "علله": اختلف علي أبي بكر النهشلي فيه، فرواه عبد الرحيم بن سليمان عنه، عن عاصم، عن أبيه مرفوعًا، ووهم في رفعه، وخالفه جماعة من الثقات: منهم عبد الرحمن بن مهدي وموسى بن داود وأحمد بن يونس وغيرهم. فَرَوَوْه، عن أبي بكر النهشلي موقوفًا على علي، وهو الصواب. وكذلك رواه محمد بن أبان عن عاصم موقوفًا. انتهى. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قد روي من طرقٍ واهية، عن علي أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود، وهذا ضعيف، إذ لا يُظَنّ بعليٍّ أنه يَختار فعلَه على فعلِ النبي ﷺ، وهو قد روي عنه أنه كان يرفع يديه عند الركوع والرفع. انتهى. وتعقَّبه ابن دقيق العيد في "الإمام" بأن ما قاله ضعيف، فإنه جعل روايته مع حسن الظن بعليّ في ترك المخالفة دليلًا على ضعف هذه الرواية، وخصمه يعكس الأمر، ويجعل فعل عليّ ﵁ بعد الرسول دليلًا على نسخ ما تقدم، انتهى. وذَكَر الطحاوي بعد روايته، عن عليّ: لم يكن عليّ ليرى النبي ﷺ يرفع، ثم يتركه إلاّ وقد ثبت عنده نسخه. انتهى. وفيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك عليّ وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة إنْ ثبت عنهم، لأنهم لم يروا الرفع سنَّةً مؤكَّدة يلزم الأخذ بها ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يُعتبر بنسخ أمر ثابت عن رسول الله ﷺ بمجرد حسن الظن بالصحابي مع إمكان الجمع بين فعل الرسول وفعله.
(٢) عند افتتاح الصلاة.
[ ١ / ٣٨٩ ]
حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، قَالَ: لا تَرْفَعْ يَدَيْكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى.
١٠٧ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (١)، أخبرنا حُصَين بن عبد الرحمن (٢)،
_________________
(١) قوله: يعقوب بن إبراهيم، هو الإمام أبو يوسف القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة، قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ": القاضي أبو يوسف فقيه العراقيين يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة، سمع هشام بن عروة وأبا إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب وطبقتهم. وعنه محمد بن الحسن الفقيه وأحمد بن حنبل وبشر بن الوليد ويحيى بن معين، نشأ في طلب العلم، وكان أبوه فقيرًا، فكان أبو حنيفة يتعاهده قال المزني: هو أتبع القوم للحديث. وقال يحيى بن معين: ليس في أصحاب الرأي أحد أكثر حديثًا ولا أثبت من أبي يوسف، وقال أحمد: كان منصفًا في الحديث، مات في ربيع الآخر سنة ١٨٢ هـ عن سبعين سنة إلا سنة وله أخبار في العلم والسيادة، قد أفردته وأفردت صاحبه محمد بن الحسن في جزء، وأكبر شيخ له حصين بن عبد الرحمن. انتهى ملخّصًا. وله ترجمة طويلة في "أنساب السمعاني"، قد ذكرته في مقدمة هذه الحواشي وذكرت ترجمتَه أيضًا في "مقدمة الهداية" وفي "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" وفي "الفوائد البهية في تراجم الحنفية".
(٢) قوله: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، هو حصين، بالضم، ابن عبد الرحمن السلمي، الكوفي، أبو الهذيل، ابن عم منصور بن المعتمر، حدث عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رويبة وابن أبي ليلى، وأبي وائل، وعنه شعبة، وأبو عوانة، وآخرون، كان ثقةً حجةً حافظًا عالي الإسناد. قال أحمد: حصين ثقة، مأمون من كبار أصحاب الحديث، عاش ثلاثًا وتسعين سنة، ومات سنة ١٣٦ هـ، كذا في "تذكرة الحفاظ".
[ ١ / ٣٩٠ ]
قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ (١) عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ عَمْرُو: حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ وائل الحضرمي، عن
_________________
(١) قوله: وعمرو بن مرّة، هو أبو عبد الله عَمرو، بالفتح، بن مُرَّة، بضم الميم، وتشديد الراء، ابن عبد الله بن طارق بن الحارث بن صلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الجملي المرادي الكوفي الأعمى. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون الأودي، وسعيد بن جبير، ومصعب بن سعد والنَّخَعي وغيرهم، وعنه ابنه عبد الله وأبو إسحاق السبيعي والأعمش ومنصور وحصين ابن عبد الرحمن والثوري وشعبة وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وأبو حاتم: صدوق، ثقة، وشعبة: كان أكثرهم علمًا، وما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلّس إلا ابنَ عون، وعمرو بن مرة، ومسعر، لم يكن بالكوفة أحبّ إليّ، ولا أفضل منه، ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال: كان مرجئًا، مات سنة ١١٦ هـ، وثَّقه ابن نمير ويعقوب بن سفيان كذا في "تهذيب التهذيب" و"الكاشف" و"تذكرة الحفاظ" وقد أخطأ القاريّ حيث قال: دخلت أنا وعمرو بن مرّة، بضم الميم وتشديد الراء، يُكنى أبا مريم الجهني، شهد أكثر المشاهد، وسكن الشام، مات في أيام معاوية، وروى عنه جماعة، كذا في "اسماء رجال المشكاة" لصاحب المشكاة في فصل الصحابة. انتهى كلامه. وجه الخطأ من وجوه: أحدها: أنه لو كان الداخل على النخعي مع حصين عمرو بن مُرّة الصحابي لذَكَرَ رؤيتَه الرفع أو عدمه، فإنه صحب النبي ﷺ، وشهد معه المشاهد، وصلى معه غير مرة، فكيف يصحّ أن يروي عن وائل بواسطة ابنه الرفعَ ثم يسكت على ردّ النخعي بفعل ابن مسعود وروايته ولا يذكره ما رآه رفعًا كان أو غير رفع؟! ثانيها: عن (في الأصل: "عن"، وهي زائدة) عمرو بن مرّة هذا لم يذكره أحد من نقّاد الرجال في ما علمنا من جملة الرواة، عن علقمة بن وائل.
[ ١ / ٣٩١ ]
أَبِيهِ (١): أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَرَآهُ يرفع يديه إذا كبَّر، وإذا ركع،
_________________
(١) وثالثها: أنه لم يذكره أحد في علمنا ممن روى عنه حصين، بل المذكور في شيوخ حصين ورواة علقمة هو الذي ذكرناه. ورابعها: أن هذا الصحابي مات في أيام معاوية، ووفاة معاوية كانت سنة ستين أو تسع وخمسين على ما في "استعياب ابن عبد البر" وغيره من كتب أخبار الصحابة، فلا بد أن يكون وفاة عمرو بن مرّة قبله، وقد ذكر ابن حبان في "كتاب الثقات"، أن ولادة إبراهيم النخعي سنة خمسين، وكذا ذكره غيره، فعلى هذا يكون النخعي يوم موت معاوية ابن تسع أو عشر سنين، وعند موت عمرو بن مرة الجهني أصغر منه، فهل يتصور أن يحضر عمرو بن مرّة عند هذا الصبي صغير السن بكثير، ويروي عنده الرفع، عن علقمة، عن أبيه، ويرد عليه هذا الصبي؟! وأما الحوالة إلى "أسماء رجال المشكاة" فلا تنفع، فإنه لم يذكر صاحب "المشكاة" أن عمرو بن مرّة أينما ذكره هو هذا، بل إنما هو عمرو بن مرّة المذكور في "المشكاة" وإني أتعجب من العلاّمة القاري كيف يخطئ خطأً كثيرًا في تعيين الرواة في شرحه" الموطأ"، وشرحه لمسند الإمام الأعظم وغيرهما، مع جلالته وتوغُّله في فنون الحديث ومتعلقاته، والله يسامح عنا وعنه.
(٢) قوله: عن أبيه، أي: وائل الحَضرمي، بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة نسبة إلى حضرموت، بلدة في اليمن، وكان وائل بن حُجر - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم - ملكًا عظيمًا بها، فلما بلغه ظهور النبي ﷺ ترك ملكه، ونهض إليه، فبشَّر النبي ﷺ بقدومه قبل قدومه بثلاثة أيام، ولما قدم قرَّبه من مجلسه وقال: هذا وائل أتاكم من أرض اليمن - أرض بعيدة - طائعًا، غير مُكرَه، راغبًا في الله ورسوله، اللهم بارك في وائل وولده، ثم أقطع له أرضًا، كانت وفاته في إمارة معاوية، حدّث عنه بنوه علقمة وعبد الجبار، كذا في "أنساب السمعاني". وفي "جامع الأصول" لابن الأثير: أبو هنيدة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل الحضرمي كان قَيلًا من أقيال حضرموت، وأبوه كان من
[ ١ / ٣٩٢ ]
وَإِذَا رَفَعَ (١)، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا أَدْرِي (٢) لعلَّه لَمْ يَرَ النَّبِيّ ﷺ يصلي
_________________
(١) ملوكهم وفد على النبي ﷺ فأسلم، وبشَّر به قبل قدومه. انتهى. وفي "تهذيب التهذيب": علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي، روى عن أبيه والمغيرة بن شعبة وطارق بن سويد، وعنه أخوه عبد الجبار وابن أخيه سعيد وعمرو بن مرَّة وسماك بن حرب، وغيرهم، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث. وحكى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة، عن أبيه مرسل. انتهى.
(٢) رأسه من الركوع.
(٣) قوله: ما أدري إلخ، استبعاد من إبراهيم النخعي رواية وائل بأن ابن مسعود كان صاحب رسول الله ﷺ في السفر والحضر ومصاحبته أتمّ وأزيد من مصاحبة وائل، فكيف يعقل أن يحفظ رفع اليدين وائل ولا يحفظ ابن مسعود، فلو كان رفع اليدين من رسول الله ﷺ لحفظه ابن مسعود ولم يتركه مع أنه لم يرفع إلا مرة، ولم يرو الرفعَ، عن رسول الله ﷺ، بل رُوي عنه تركه، وهذا الأثر عن النخعي قد أخرجه الدارقطني أيضًا عن حصين، قال: دخلنا على إبراهيم النخعي، فحدثه عمرو بن مرّة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين فحدّثني علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يفتتح، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما رأى أباه رسول الله إلا ذلك اليوم، فحفظ عنه ذلك، وعبد الله بن مسعود لم يحفظه إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. ورواه أبو يعلى في "مسنده" ولفظه: أحفظ وائل ونسي ابن مسعود، ولم يحفظه؟! إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وأخرجه الطحاوي، عن حصين، عن عمرو بن مرّة قال: دخلت مسجد حضرموت، فإذا علقمة بن وائل يحدّث، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده، فذكرت ذلك لإبراهيم فغضب، وقال: رآه هو لم يَرَه ابن مسعود ولا أصحابه. وأخرج عن المغيرة قال: قلت لإبراهيم: حدّث وائل أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه إذا افتتح، وإذا ركعَ، وإذا رفع؟ فقال: إنْ كان رآه مرة يفعل،
[ ١ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) فقد رآه عبد الله خمسين مرة، لا يفعل ذلك. وههنا أبحاث: الأول: ما نقله البيهقي في كتاب "المعرفة"، عن الشافعي أنه قال: الأَولى أن يُؤخذ بقول وائل لأنه صحابي جليل، فكيف يُرَدُّ حديثه بقول رجل ممن هو دونه؟! والثاني: ما قاله البخاري في رسالة "رفع اليدين": إن كلام إبراهيم هذا ظن منه لا يرفع به رواية وائل، بل أخبر أنه رأى النبي ﷺ يصلي فرفع يديه، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم، كما بيّنه زائدة، فقال: نا عاصم، نا أبي، عن وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فرفع يديه في الركوع، وفي الرفع منه، قال: ثم أتيتهم بعد ذلك، فرأيت الناس في زمان برد عليهم جُلّ الثياب تتحرك أيديهم من تحت الثياب. والثالث: ما نقله الزيلعي، عن الفقيه أبي بكر بن إسحاق أنه قال: ما ذكره إبراهيم علّة لا يساوي سماعها، لأن رفع اليدين قد صحّ، عن النبي ﷺ ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يُستغرب، فقد نسي من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون فيه وهو المعوِّذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق في الركوع، وقيام الاثنين خلف الإمام، ونسي كيفية جمع النبي ﷺ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف قرأ رسول الله: ﴿وما خَلَقَ الذكر والأنثى﴾، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين؟ انتهى. والرابع: أن وائلًا ليس بمتفرِّد في رواية الرفع، عن النبي ﷺ، بل قد اشترك معه جمع كثير كما مرّ ذكره سابقًا، بل ليس في الصحابة من روى ترك الرفع فقط إلاّ ابن مسعود، وأما من عداهم، فمنهم من لم تُرو عنه إلاّ رواية الرفع، ومنهم من روى عنه حديث الرفعِ وتركِه كليهما كابن عمر والبراء إلاَّ أن أسانيد رواية الرفع
[ ١ / ٣٩٤ ]
إلاَّ ذلك اليوم فحفظ هذا (١)
_________________
(١) أوثق وأثبت، فعند ذلك لو عُورض كلام إبراهيم بأنه يُستبعد أن يكون ترك الرفع حفظه ابن مسعود فقط ولم يحفظه من عداه من أجلَّة الصحابة الذين كانو مصاحِبين لرسول الله ﷺ مثل مصاحبة ابن مسعود أو أكثر لكان له وجه. والخامس: أنه لا يلزم من ترك ابن مسعود الرفع وأصحابه عدم ثبوت رواية وائل، فيجوز أن يكون تركهم لأنهم رأوا الرفع غير لازم، لا لأنه غير ثابت، أو لأنهم رجَّحوا أحد الفعلين الثابتين، عن رسول الله ﷺ الرفع والترك فداوموا عليه وتركوا الآخر، ولا يلزم منه بطلان الآخر. السادس: أنه قد أخذ ابن مسعود بالتطبيق في الركوع، وداوم عليه أصحابه، وكذلك أخذوا بقيام الإمام في الوسط إذا كان من يقتدي به اثنين مع ثبوت ترك ذلك عن النبي ﷺ وعن جمهور أصحابه بعده بأسانيد صحاح. فلِمَ لا يُعتبر فعل ابن مسعود في هذين الأمرين. وأمثال ذلك؟ فما هو الجواب هناك هو الجواب ههنا (قد ردَّ الحافظ ابن التركماني جميع إيرادات البيهقي في الجوهر النقي ١/١٣٩ - ١٤٠، فارجع إليه)، والإنصاف في هذا المقام أنه لا سبيل إلى ردّ روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعلِه وأصحابه ودعوى عدم ثبوت الرفع ولا إلى رد روايات الترك بالكلية ودعوى عدم ثبوته، ولا إلى دعوى نسخ الرفع ما لم يثبت ذلك بنص عن الشارع، بل يُوفى كلٌّ من الأمرين حظّه، ويقال: كل منهما ثابت، وفعل الصحابة والتابعين مختلف، وليس أحدهما بلازم يُلام تاركه، مع القول برجحان ثبوت الرفع عن رسول الله ﷺ.
(٢) أي: الرفع.
[ ١ / ٣٩٥ ]
مِنْهُ، وَلَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ (١) مَا سَمِعْتُهُ (٢) مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي بَدْء (٣) الصَّلاةِ حِينَ يكبِّرون.
١٠٨ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حَكِيمٍ (٤)، قَالَ: رَأَيْتُ ابن عمر (٥) يرفع يديه حذاء أذنيه
_________________
(١) قال القاري: أي: وسائر أصحاب النبي ﷺ. انتهى. وفيه ما فيه، والظاهر أنَّ ضمير أصحابه راجح إلى ابن مسعود.
(٢) أي: الرفع.
(٣) البَدْ بالفتح، الإبتداء.
(٤) قوله: عن عبد العزيز بن حكيم، ذكره ابن حبان في "ثقات التابعين" (انظر ترجمته في كتاب الثقات ٥/١٢٥، والتاريخ الكبير: ٣/٢/١١)، حيث قال: عبد العزيز بن حكيم الحضرمي كنيته أبو يحيى، يروي عن ابن عمر، عداده في أهل الكوفة، روى عنه الثوري وإسرائيل، مات بعد سنة ١٣٠ هـ، وهو الذي يقال له ابن أبي حكيم. انتهى. وفي "ميزان الاعتدال" قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي.
(٥) قوله: قال: رأيت ابن عمر إلخ، المشهور في كتب أصول أصحابنا أن مجاهدًا قال: صحبت ابن عمر عشر سنين، فلم أره (في الأصل: "فلم أر" والظاهر: "فلم أره")، يرفع يديه إلاَّ مرة. وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله ﷺ وتركه والصحابي الراوي إذا ترك مرويًا ظاهرًا في معناه غير محتمل للتأويل، يُسقط الاحتجاج بالمروي، وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عيّاش، عن حصين، عن مجاهد أنه قال: صلِّيت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلاَّ في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي ﷺ، ولا يكون ذلك إلاَّ وقد ثبت عنده نسخه.
[ ١ / ٣٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وههنا أبحاث: الأول: مطالبته إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب عشر سنين، ولم يرَ ابن عمر فيها يرفع يديه إلاَّ في التكبير الأول. والثاني: المعارضة بخبر طاووس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. والثالث: أن في طريق الطحاوي أبو بكر بن عيّاش، وهو متكلَّم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. قال البيهقي في كتاب "المعرفة" بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عيّاش، قال البخاري: أبو بكر بن عياش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبَّر، وإذا رفع، وكان يرويه أبو بكر قديمًا، عن حصين عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلًا موقوفًا أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما بعد، وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عيّاش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات عن ابن عمر. انتهى. فإن قلت آخذًا من "شرح معاني الآثار" أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس قبل أن يقوم الحجة بنسخه، ثم لمّا ثبت الحجة بنسخه عنده تركه، وفَعَل ما ذكره مجاهد، قلتُ: هذا مما لا يقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارِض ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبتت عنده التزم الرفع على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل، فلا يُسْمعْ. فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوي مرويَّه، قلنا: لا يوجب ذلك النسخ كما مرّ. والثالث: وهو أحسنها أنا سلَّمنا ثبوتَ الترك عن ابن عمر لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤيته الرفع سنَّة لازمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه، وعن رسول الله ﷺ. الرابع: أن ترك الراوي مرويّه إنما يكون مسقطًا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافُه بيقين، كما هو مصرَّح في كتبهم وههنا ليس كذلك، لجواز أن يكون
[ ١ / ٣٩٧ ]
فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةِ افْتِتَاحِ الصَّلاةِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُمَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ (١) .
١٠٩ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَهْشَليُّ (٢)، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيب الجَرْمي، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ (٣) مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ -: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - كرَّم اللَّهُ وَجْهَهُ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولَى الَّتِي يَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلاةَ، ثُمَّ لا يرفعهما في شيء من الصلاة.
_________________
(١) الرفع الثابت عن رسول الله ﷺ حمله ابن عمر على العزيمة، وتَرَكَ أحيانًا بيانًا للرخصة، فليس تركه خلافًا لروايته بيقين. الخامس: أنه لا شبهة في أن ابن عمر قد روى عن رسول الله ﷺ حديث الرفع، بل ورد في بعض الروايات عنه أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله، أخرجه البيهقي. ولا شك أيضًا في أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع، وورد عنه برواية مجاهد وعبد العزيز بن حكيم الترك، فالأَولى أن يُحمل الترك المرويّ عنه على وجه يستقيم ثبوت الرفع منه، ولا يخالف روايته أيضًا، إلا أن يُجعل تركه مضادًا لفعله، ومُسقطًا للأمر الثابت، عن رسول الله ﷺ بروايته ورواية غيره.
(٢) أي: في الركوع والرفع وغير ذلك.
(٣) قوله: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النهشلي، نسبة إلى بني نَهْشل، بفتح النون وسكون الهاء، وفتح الشين المعجمة بعدها لام، قبيلة. ذكره السمعاني في "الأنساب". وفي "التقريب" و"الكاشف": أبو بكر النهشلي الكوفي، قيل: اسمه عبد الله بن قطاف أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية صدوق ثقة، توفي سنة ١٦٦. انتهى. لعله هو.
(٤) الضمير إلى كُليب.
[ ١ / ٣٩٨ ]
١١٠ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ (١)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ (٢) يديه إذا افتتح الصلاة.
_________________
(١) هو: إبراهيم بن يزيد النخعي.
(٢) قوله: أنه كان يرفع إلخ، أخرجه الطحاوي من طريق حصين عن إبراهيم قال: كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلاّ في الافتتاح. وقال: فإن قالوا ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غير متصل، قيل لهم: كان إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلاّ بعد صِحّتِه عنده وتَوَاتُرِ الرواية، عن عبد الله، قد قال له الأعمش: إذا حدثتني فأسند، فقال: إذا قلتُ لك: قال عبد الله،، فلم أقل ذلك حتى حدثّنيه جماعة عن عبد الله، وإذا قلتُ: حدثني فلان، عن عبد الله فهو الذي حدثني، حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق، قال: نا ابن وهب، أو بشر بن عمر - شك أبو جعفر الطحاوي - عن سعيد، عن الأعمش بذلك، فكذلك هذا الذي أرسله إبراهيم عن عبد الله، لم يرسله إلاّ ومخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه رجل بعينه عن عبد الله. انتهى كلامه. وفي "الاستذكار" لابن عبد البر: لم يُروَ عن أحد من الصحابة تركُ الرفع ممن لم يُختلف عنه فيه إلاّ ابن مسعود وحده. وروى الكوفيون عن علي مثلَ ذلك، وروى المدنيون عنه الرفع، من حديث عبيد الله بن أبي رافع. وكذلك اختُلف عن أبي هريرة، فروى عنه أبو جعفر القاري ونُعيم المُجمر أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ويكبِّر في كل خفض رفع، ويقول: أنا أشبهكم بصلاة رسول الله ﷺ، وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه، وهذه الرواية أَولى لما فيها من الزيادة. ورُوى الرفع عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام منهم القاسم بن محمد والحسن وسالم وابن سيرين وعطاء وطاووس ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وابن أبي نَجيح وقتادة. انتهى ملخصًا.
[ ١ / ٣٩٩ ]