١٣٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا (٤) أمَّن الإمام (٥)
_________________
(١) عبيد بن حذيفة صحابي، قرشي من مُسْلمة الفتح، ومشيخة قريش، وداره بالبَلاط، بفتح الموحَّد بزنة سحاب، موضع بالمدينة، بين المسجد والسوق، كذا قال الزرقاني.
(٢) بل واجب في حالة الجماعة.
(٣) أي: لم يحمتل على نفسخ جهرًا ومشقة بالجهر المفرط، لقوله تعالى: ﴿ولاَ تَجْهَر بصَلاتِكَ وَلاَ تُهَافِتْ بِهَا وَابتغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (سورة الإسراء: آية ١١٠) .
(٤) في نسخة: التأمين، بالمد والتخفيف، ومعناه عند الجمهور: اللهم استجب، وقيل غير ذلك مما يرجع إليه (انظر عمدة القاري ٣/١٠٦ و١٠٧) .
(٥) قوله: إذا أمَّن، قال الباجي: قيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، وقيل: إذا دعا، والأظهر عندنا أن معناه قال: آمين كما أن معنى فأمِّنوا قولوا: آمين. انتهى. والجمهور على القول الأخير. لكن أوَّلوا قوله: إذا أمَّن على أن المراد إذا أراد التأمين ليقع تأمينُ الإمام والمأموم معًا، فإنه يُستحب فيه المقارنة، قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا تستحب مقارنة الإمام في شيء من الصلاة غيره.
(٦) قوله: الإمام، فيه دليل على أن الإمام يقول: آمين، وهذا موضع
[ ١ / ٤٤٣ ]
فَأمَنِّنوا (١)، فَإِنَّهُ (٢) مَنْ وَافَقَ (٣) تأمينُه تأمينَ الْمَلائِكَةِ (٤) غُفر له (٥)
_________________
(١) اختلف فيه العلماء، فروى ابن القاسم، عن مالك أن الإمام لا يقول: آمين، وإنما يقول: ذلك مَنْ خلفه، وهو قول المصريين من أصحاب مالك، وقال جمهور أهل العلم: يقولها كما يقول المنفرد، وهو قول مالك في رواية المدنيين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود والطبري، وحجَّتهم أن ذلك ثابت، عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ووائل بن حجر وحديث بلال: "لا تسبقني بآمين"، كذا في "الاستذكار".
(٢) قوله: فأمنوا، حكي عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم بظاهر الأمر، وأوجبه الظاهرية على كل مصلٍّ، لكن جمهور العلماء على أن الأمر للندب، كذا في "فتح الباري".
(٣) في رواية الصحيحين: فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافقإلخ.
(٤) قوله: من وافق، أي: في الإخلاص والخشوع، وقيل: في الإجابة، وقيل: في الوقت، وهو الصحيح، ذكره ابن ملك، كذا في "مرقاة المفاتيح".
(٥) قوله: تأمين الملائكة، ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره ابن بزيزة وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد من يشهد تلك الصلاة من في الأرض أو في السماء للحديث الآتي: إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة آمين في السماء فوافقت إحداهما الأخرى، وروى عبد الرزاق، عن عكرمة قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غُفر للعبد ومثله لا يٌقال بالرأي، فالمصير إليه أولى، كذا في "التنوير".
(٦) قوله: غُفر له، قال الباجي: يقتضي غفرانَ جميع ذنوبه المتقدِّمة،
[ ١ / ٤٤٤ ]
مَا تقدَّم (١) مِنْ ذَنْبِهِ، قَالَ (٢): فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ (٣): كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: آمِينَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، يَنْبَغِي إِذَا فَرَغَ الإِمَامُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ أَنْ يُؤَمِّنَ الإِمَامُ وَيُؤَمِّنَ مَنْ خَلْفَهُ، وَلا يَجْهَرُونَ (٤) بذلك، فأما أبو حنيفة،
_________________
(١) وقال غيره: هو محمول عند العلماء على الصغائر (قلت: لو حصل كمال الندم عند القيام بحضرته عزَّ شأنه وجلَّ برهانه، فلا مانع من التعميم. أوجز المسالك ٢/١٠٩) .
(٢) وقع في "أمالي الجرجاني" في آخر هذا الحديث زيادة: "وما تأخر"، كذا في التنوير.
(٣) أي: مالك.
(٤) قوله: فقال ابن شهاب، هذا من مراسيل ابن شهاب، وقد أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" و"العلل" موصولًا من طريق حفص بن عمر العدني، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة به، وقال: تفرَّد به حفص، وهو ضعيف، وقال ابن عبد البر: لم يُتابَع حفص على هذا اللفظ بهذا الإسناد، وكذا قال السيوطي.
(٥) قوله: ولا يجهرون بذلك، به قال الشافعي في قوله الجديد، ومالك في رواية، ومذهب الشافعي وأصحابه وأحمد وعطاء وغيرهم أنهم يجهرون، كذا ذكر العيني، وحجة القائلين بالجهر حديث وائل بن حجر: "كان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيرَ المَعْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، ورفع بها صوته. أخرجه أبو داود، وفي رواية الترمذي عنه: سمعت رسول الله ﷺ قرأ: ﴿ولا الضآلين﴾، قال: آمين، ومدّ بها صوته. وفي رواية النسائي عنه: صليت خلف رسول الله.. الحديث، وفيه ثم قرأ فاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين يرفع بها صوته.
[ ١ / ٤٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وفي رواية لأبي داود والترمذي عنه: أنه صلّى مع رسول الله ﷺ، فجهر بأمين. وروى أبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة: كان رسول الله إذا تلا ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول، زاد ابن ماجه، فيرتجّ بها المسجد. وروى إسحاق بن راهويه عن امرأة أنها صلَّت مع رسول الله ﷺ، فلما قال: ﴿ولا الضآلين﴾ قال: آمين، فسمعته، وهو في صف النساء. وروى ابن حبان في "كتاب الثقات" في ترجمة خالد بن أبي نوف، عنه، عن عطاء بن أبي رباح، قال: أدركت مائتين من أصحب رسول الله ﷺ في هذا المسجد يَعني المسجدَ الحرام إذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ رفعوا أصواتهم بأمين. وفي "صحيح البخاري"، عن عطار تعليقًا: أمَّن عبد الله بن الزبير ومَن وراءه حتى أن للمسجد لَلَجّه (قال القاري في (مرقاة المفاتيح: ٢/٢٩٢): جمل أئمتنا ما ورد من رفع الصوت على أول الأمر اللتعليم، ثم لما استقرَّ الأمر عمل بالإخفاء والله أعلم.. ثم إن الأصل في الدعاء الإخفاء لقوله تعلى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾، ولا شك أن آمين دعاء، فعند التعارض يُرجَّح الإخفاء بذلك وبالقياس على سائر الأذكار والأدعية) . وحجة القائلين بالسر ما أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ لما بلغ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، وأخفى صوته. ولفظ الحاكم: خفض صوته. لكن قد أجمع الحفاظ منهم البخاري وغيره أن شعبة وَهِم في قوله خفض صوته، إنما هو مدّ صوته، لأن سفيان كان أحفظ من شعبة، وهو ومحمد بن سلم وغيرهما رووه عن سلمة بن كهيل هكذا، وقد بسط الكلام في إثبات عِلَل هذا الرواية الزيلعي في "تخريج أحاديث الهداية" وابن الهُمام في "فتح القدير" وغيرهما من محدثي أصحابنا. والإنصاف أنَّ الجهر قويّ من حيث الدليل، وقد أشار إليه ابن أمير حاج في "
[ ١ / ٤٤٦ ]
فَقَالَ (١): يُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ، وَلا يُؤَمِّنُ الإمام (٢) .