١٣٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بن
_________________
(١) الحَلبة" (في الأصل: "الحلية"، وهو تحريف) حيث قال: السرّ هو السنة، وبه قالت المالكية، وفي قول عندهم يجهر في الجهرية، وعند الشافعي إن كانت جهرية جهر به الإمام بلا خلاف، والمنفرد على المعروف، والمأموم في أحد قوليه، ونصّ النووي على أنه الأظهر، وقد ورد في السنَّة ما يشهد لكل من المذهبين، ورجح مشايخنا ما للمذهب بما لا يعرى عن شيء لمتأمِّله. فلا جرم أنْ قال شيخنا ابن الهمام (فتح القدير ١/٢٥٧): ولو كان إليّ في هذا شيء لوفَّقت بأن رواية الخفض يراد بها عدم القرع العنيف ورواية الجهر بمعنى قولها: في زبر الصوت وذيلها. انتهى.
(٢) قوله: فقال، وجَّهوا قوله بحديث: "إذا قال الإمام: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين"، فإنه يدل على القسمة وهو تنافي الشركة، ولا يخفى ما فيه، والأحاديث الصريحة في قول الإمام آمين واردة عليه، فلهذا لم يأخذ المشايخ بهذه الرواية.
(٣) قوله: ولا يؤمِّن الإمام، قد يقال: يخالفه قوله في كتاب "الآثار": فإنه أخرج فيه عن أبي حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم النخعي قال: أربع يخافت بهن الإمام: سبحانك اللَّهم، والتعوُّذ، وبسم الله، وأمين، ثم قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. فهذا يدل على أن أبا حنيفة أيضًا قائل بقول الإمام آمين سرًّا، أو يجاب عنه بوجهين: أحدهما: أن الرواية عنه مختلفة، فذكر إحداهما ههنا، وذكر الأخرى هناك. وثانيهما: إن أبا حنيفة فرَّع الجواب في المسألة على قولهما كما فرَّع مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها، وإن كان خلاف مختاره.
[ ١ / ٤٤٧ ]
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ (١): إن أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبسَ (٢) عَلَيْهِ حَتَّى لا يَدري كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ (٣) أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ (٤) سَجْدَتَيْنِ (٥) وَهُوَ جَالِسٌ.
١٣٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ (٦) بْنُ الحُصَين (٧)، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ (٨) مَوْلَى (٩) ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ،
_________________
(١) هذا حديث متفق عليه، ورواه الأربعة، كذا في "مرقاة المفاتيح".
(٢) بفتح الباء الموحدة الخفيفة، أي: خلط.
(٣) قوله: فإذا وجد، قال أبو عمر (في الأصل: "أبو عمرو"، وهو تحريف): هذا الحديث محمول عند مالك وابن وهب وجماعة على الذي يكثر عليها السهو، ويغلب على ظنه أتم، لكن يوسوس الشيطان له، وأما من غلب على ظنه أنه لم يكمل، فيبنيه على يقينه.
(٤) ترغيمًا للشيطان.
(٥) بعد السلام، كما في حديث عبد الله بن جعفر مرفوعًا: من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلِّم، رواه أحمد وأبو داود.
(٦) وثَّقه ابن معين، مات سنة ١٣٥، كذا في "الإسعاف".
(٧) بمهملتين مصغرًا.
(٨) قوله: أبي سفيان، اسمه وهب، قاله الدارقطني، وقال غيره: اسمه قُزْمان، بضم القاف، قال ابن سعد: ثقة، قليل الحديث، روى له الستة، كذا في "شرح الزرقاني" و"التقريب".
(٩) هو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي، ذكره جماعة في ثقات التابعين، كذا قال الزرقاني.
[ ١ / ٤٤٨ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْعَصْرِ (٢)، فسلَّم (٣) في ركعتين، فقام ذو اليدين (٤)
_________________
(١) قوله: صلّى، قال أبو عمر في (الأصل أبو عمرو) بن عبد البر: كذا رواه يحيى ولم يقل "لنا"، وقال ابن القاسم وابن وهب والقعنبي وقتيبة، عن مالك قالوا: صلّى لنا.
(٢) قوله: صلاة العصر، ورد في طريق البخاري الظهر أو العصر على الشك، وفي (أبواب الإمامة)، عن أبي الوليد، عن شعبة: الظهر، بغير شك، وكذا لمسلم من طريق أبي سلمة، وله من طريق آخرى، عن أبي هريرة: العصر وفي (باب تشبيك الأصابع في المسجد) من صحيح البخاري، من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: إحدى صلاتي العشيّ، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا. قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعَدَ من قال يُحمل على أن القصة وقعت مرتنين، بل روى النسائي من طريق ابن عون، عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة العصر فجزم بها، ولم يختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة واحدة، فيترجَّح رواية من روى العصر في حديث أبي هريرة. انتهى. كذا في "ضياء الساري شرح صحيح البخاري".
(٣) سهوًا.
(٤) قوله: ذو اليدين، قال ابن حجر: ذهب الأكثر إلى أن اسمه الخِرْباق، بكسر المعجمة وسكون الراء، بعدها موحَّدة، آخره قاف، اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين عند مسلم، ولفظه: فقام إليه رجل، يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، وهذا صنيع من يوحِّد حديث أبي هريرة بحديث عمران، وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدّد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياق، ففي حديث أبي هريرة أن السلام كان من
[ ١ / ٤٤٩ ]
فَقَالَ (١): أَقَصُرَتِ (٢) الصَّلاةُ (٣) يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ (٤) لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ: يا رسول الله قد كان بعض
_________________
(١) اثنتين، وفي حديث عمران أنه كان من ثلاث (قال الحافظ في "فتح الباري": ٣/٧٨: والظاهر أن الاختلاف من الرواة، وأبعد من قال يُحمل على أن القصة وقعت مرتين إلخ. وقال العيني في "عمدة القاري" ٣/٦٤٤: قلت: الحمل على التعدّد أولى من نسبة الرواة إلى الشك) .
(٢) قوله: فقال، أي: ذو اليدين: وهو غير ذي الشمالين المقتول في بدر، بدليل ما في حديث أبي هريرة ومن ذكرها معه من حضورهم تلك الصلاة ممن كان إسلامه بعد بدر، وقول أبي هريرة في حديث ذي اليدين: صلّى لنا رسول الله وصلّى بنا، وبينما نحن جلوس مع رسول الله، محفوظ من نقل الحفاظ، وأما قول ابن شهاب الزهري في هذا الحديث: إنه ذو الشمالين، فلم يُتابَع عليه، وحمله الزهري على أنه المقتول يوم بدر، وغلط فيه (قلت: لم ينفرد به الزهري بل تابعه على ذلك عمران بن أنس، عند النسائي والطحاوي. انظر: نصب الراية ١/١٨٢، وبذل المجهود ٥/٣٦٠) والغلط لا يسلم منه أحد، كذا في "الاستذكار".
(٣) قوله: أقصرت، بفتح القاف وضم الصاد المهملة، أي: صارت قصيرة، وبضم القاف وكسر الصاد أي: أن الله قصَّرها، والثاني أشهر، وأصح، وفيه دليل على ورعهم إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وإنما استفهموا لأن الزمان زمان نسخ، قاله الحافظ.
(٤) بالرفع على الفاعلية أو النيابة.
(٥) قوله: كل ذلك لم يكن، قال النووي: فيه تأويلان، أحدهما: أن معناه لم يكن المجموع، والثاني: وهو الصواب أن معناه: لم يكن ذاك، ولا ذا في
[ ١ / ٤٥٠ ]
ذَلِكَ (١)، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ (٢)، فَقَالَ: أَصَدَقَ (٣) ذُوُ الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا (٤): نَعَمْ. فأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا (٥) بَقِيَ عَلَيْهِ (٦) مِنَ الصلاةَ ثُمَّ سلَّم، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بعد التسليم.
_________________
(١) ظني، بل ظني أني أكملت أربعًا، ويدل على صحة هذا التأويل أنه ورد في بعض روايات البخاري أنه قال: لم تُقْصر، ولم أَنسَ.
(٢) وأجابه في رواية أخرى بقوله: بلى، قد نسيت.
(٣) الذين صلّوا معه.
(٤) في رواية لأبي داود بإسناد صحيح: أن الجماعة أومؤوا، أي: نعم.
(٥) قوله: فقالوا: نعم، احتجَّ مالك وأحمد بقولهم: نعم، على جواز الكلام لمصلحة الصلاة، وليس كما قالا لما مرَّ أن من خصائصه ﷺ كما صرَّحت به الأحاديث الصحيحة أنه يجب إجابته في الصلاة بالقول والفعل، ولا تبطل به الصلاة، وحينئذٍ لا حاجة إلى ماروي، عن ابن سيرين أنهم لم يقولوا: نعم، بل: أومؤوا بالإشارة، كذا في "مرقاة المفاتيح".
(٦) وهو الركعتان.
(٧) قوله: ما بقي عليه، اختلفوا في الكلام في الصلاة بعد ما أجمعوا على أن الكلام عامدًا إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته مفسدٌ إلاَّ الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في صلاته لإحياء نفس ونحو ذلك من الأمور الجسام لم يفسدها (في الأصل: "لم يفسد"، والظاهر: "لم يفسدها") . وهو قول ضعيف يردّه السنن والأصول؟ فالمشهور من مذهب مالك وأصحابه: إذا تكلم على ظنِّ أنه أتمَّ الصلاة لم يفسد عامدًا كان الكلام أو ساهيًا، وكذا إذا تعمَّد الكلام إذا كان في صلاحها وبيانها، وهو قول ربيعة وإسماعيل بن إسحاق. وقال الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك: إن المصلّي إذا تكلم ساهيًا أو تكلم وهو يظن أنه أكمل صلاته لا يفسد وإن تعمَّد عالمًا بأنه
[ ١ / ٤٥١ ]
١٣٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عن عطاء بن يسار أن (١) رسول الله ﷺ،
_________________
(١) لم يتمَّها يفسد وإن كان لإصلاحها. وذهب الكوفيون أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم: إلى أن الكلام في الصلاة مفسد على كل حال، سهوًا كان أو عمدًا، لصلاح الصلاة أو لا، على ظن الإتمام أو لا، كذا ذكره ابن عبد البر. أما حجة المالكية والشافعية، فحديث ذي اليدين. وأما الحنفية، فاحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (سورة البقرة: رقم الآية ٢٣٨)، أي: ساكتين، فإنه نزل نسخًا لما كانوا يتكلَّمون في الصلاة، كما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة والطحاوي وغيرهم من حديث زيد بن أرقم. وطرقه مبسوطة في "الدر المنثور" للسيوطي، وأجابوا عن حديث ذي اليدين، بوجوه: منها، أنه كان من خصائصه ﷺ، وفيه مطالبة ما يدل على الاختصاص. ومنها، أنه كان حين كان الكلام مباحًا، وفيه أن تحريم الكلام كان بمكة على المشهور، وهذه القصة قد رواها أبو هريرة، وهو أسلم سنة سبع، وقال بعضهم: إن أبا هريرة لم يحضرها، وإنما رواها مرسلًا، بدليل أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وهو صاحب القصة، وردوه بأن رواية مسلم وغيره صريحة في حضور أبي هريرة تلك القصة والمقتول ببدر هو ذو الشمالين وصاحب القصة هو ذو اليدين وهو غيره (قلت: مدار البحث والاستدلال في هذه المسألة موقوف على أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وأنه استشهد ببدر، ولم يدركه أبو هريرة لأن إسلامه كان سنة سبع من الهجرة. وقد استوفى أدلة الفريقين الشيخ ظهير النيموي في "آثار السنن" (١/١٤٤)، فارجع إليه)، كما بسطه ابن عبد البر، وفي المقام كلام طويل لا يتحمّله المقام.
(٢) قوله: أنَّ، قال ابن عبد البر: هكذا روي الحديث عن مالك مرسلًا، ولا أعلم أحدًا أسنده عن مالك إلاَّ الوليد بن مسلم، فإنه وصله، عن أبي سعيد الخدري.
[ ١ / ٤٥٢ ]
قَالَ: إِذَا شكَّ (١) أحدُكم فِي صلاتِه، فَلا يَدْري كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فلْيَقُم (٢)، فليصلِّ (٣) رَكْعة، ولْيَسْجُدْ (٤) سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صلَّى خَامِسَةً شَفَعها (٥) (٦)
_________________
(١) قلت: وصله مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد، كذا في "تنوير الحوالك".
(٢) أي: تردَّدَ من غير رجحان، فإنه مع الظن يبني عليه عندنا خلافًا للشافعي، كذا في "مرقاة المفاتيح".
(٣) وفي رواية مسلم: "فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن".
(٤) قوله فليصلِّ، قال ابن عبد البر: في الحديث دلالة قوية لقول مالك والشافعي والثوري وغيرهم أنَّ الشاكَّ يبني على اليقين، ولا يجزيه التحرِّي، قال أبو حنيفة: إن كان ذلك في أول مرة استقبل، وإن كان غير مرة تحرّى، وليس في الأحاديث فرق (وللإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات: إحداها" البناء على اليقين. والثانية: البناء على التحرّي مطلقًا، والثالثة: البناءعلى اليقين للمنفرد والتحرّي للإمام وهو ظاهر مذهبه. وقالت الحنفية: إذا شكَّ أحد وهو مبتدئ بالشك لا مبتلىّ به استأنف الصلاة، وإن كان يعرض له الشك كثيرًا بنى على أكبر رأيه، وإن لم يكن رأي بنى على اليقين. "عمدة القاري" ٣/٧٤٩، و"أوجز المسالك" ٢/١٧٦)، كذا قال الزرقاني.
(٥) قوله: وليسجد، قال القاضي عياض: القياس أن لا يسجد إذ الأصل أنه لم يزد شيئًا، لكن صلاته لا تخلو عن أحد خللين، إما الزيادة، وإما إداء الرابعة على التردد، فيسجد جبرًا للخلل ولما كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سمى جبره ترغيمًا له، كذا في "مرقاة المفاتيح".
(٦) أي: ردَّها إلى الشفع.
(٧) قوله: شفعها، لأنها تصير ستًّا بهما، حيث أتى معظم أركان الصلاة. وقول ابن ملك ههنا: (وبه قال مالك، وعند أبي حنيفة: يصلّي ركعة سادسة) سهو
[ ١ / ٤٥٣ ]
بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ ترغيمٌ (١) لِلشَّيْطَانِ.
١٤٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَج، عَنِ ابْنِ بُحَينَة (٢) أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ (٣) وَلَمْ يَجْلِس، فَقَامَ الناسُ فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ وَنَظَرْنَا (٤) تَسْلِيمَهُ كَبَّر وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ (٥) ثم سلَّم.
_________________
(١) ظاهر لأنّ الكلام ههنا في المقدر، والخلاف إنما هو في المحقق كذا في "مرقاة المفاتيح" (٣/٢٣) .
(٢) أي: إغاظة له وإذلال.
(٣) قوله: عن ابن بُحَيْنة، بضم الباء بعده حاء مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة مصغّرًا: هي اسم أمّه اشتهر به، وهو عبد الله بن مالك بن القشب الأزدي، من أجلَّة الصحابة، مات بعد سنة ٥٠ هـ، كذا في "التقريب" وغيره.
(٤) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج: (فسّبحوا به فمضى) . أخرجه ابن خزيمة.
(٥) أي: انتظرنا.
(٦) قوله: قبل التسليم، فيه دليل على أن وقت السجود قبل السلام وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري: موضعُه بعد السلام. وتمسَّكَا بحديث ابن مسعود وأبي هريرة (وقال مالك وهو قول قديم للشافعي: إن كان السجود لنقصان قُدِّم، وإن كان لزيادة أُخِّر: "مرقاة المصابيح" ٣/٢٢)، كذا في "الكاشف عن حقائق السنن"، حاشية المشكاة للطِّيبي.
[ ١ / ٤٥٤ ]
١٤١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَفِيفُ بْنُ عَمْرِو (١) بْنِ الْمُسَيِّبِ السَّهْمِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَار قَالَ: سَأَلْتُ عبدَ اللَّهِ (٢) بنَ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ وَكَعْبًا (٣) عَنِ الَّذِي يَشُكُّ كَمْ صَلَّى ثلاثاُ أَوْ أَرْبَعًا، قَالَ: فَكِلاهُمَا قَالا: فليقُمْ وَلْيُصَلِّ (٤) رَكْعةً أُخْرَى قَائِمًا ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ إِذَا صَلَّى.
١٤٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ النِّسْيَانِ، قَالَ: يَتَوَخَّى (٥) أَحَدُكُمُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ من
_________________
(١) قوله: عَمرو، بفتح العين. قرأت بخط الذهبي: لا يُدرى من هو؟ أي: عفيف بن عمرو. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ثقة، كذا في "تهذيب التهذيب" لابن حجر.
(٢) قوله: عبد الله، هو أبو عبد الرحمن أو أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام السهمي، لم يكن بينه وبين أبيه في السن إلاَّ إحدى عشر سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان مجتهدًا في العبادة، غزيرَ العلم، من أجلَّة الصحابة، مات سنة ٦٣ هـ أو سنة ٦٥ هـ أو سنة ٦٨ هـ أو سنة ٧٣ هـ أو سنة ٧٧ هـ بمكة أو بالطائف أو بمصر أو بفلسطين: أقوال، كذا في "تهذيب التهذيب" وغيره.
(٣) هو من كبار التابعين، هو كعب بن قانع، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار من مُسْلمة أهل الكتاب، مات سنة ٣٢ هـ، كذا في "الإسعاف".
(٤) بانيًا على ما تيقَّن.
(٥) يُقال: توخَّيْت الشيء أتوخأ إذا قصدت إليه، وتعمَّدت فعلَه، وتحرَّيْتُ فيه، كذا في "النهاية". قوله: يتوخّى، هذا ظاهر في أنه يبني على اليقين، كذا قال ابن عبد البر وغيره، وفيه تأمُّل، بل هو ظاهر في التحرِّي والبناء عليه، وعليه حمله الطحاوي بعدما أخرجه من طرق.
[ ١ / ٤٥٥ ]
صَلاتِهِ (١) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، إِذَا نَاءَ (٢) لِلْقِيَامِ وتغيَّرتْ حالُه عَنِ الْقُعُودِ وَجَبَ (٣) عَلَيْهِ لِذَلِكَ سَجْدَتَا السَّهْوِ. وكلُّ سهوٍ وجبتْ فِيهِ سَجْدَتَانِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانِ فَسَجْدَتَا السَّهْوِ فيه بعد التسليم (٤) . ومن
_________________
(١) في بعض النسخ: في الآخر، ثم يسجد سجدتين.
(٢) أي: بَعُد.
(٣) قوله: وجب عليه، فإن سبَّح به المؤتم أو تذكرَّ وهو قريب من القعود عاد، وإلا لا، لما روى أبو داود من حديث المُغيرة بن شعبة مرفوعًا: إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذَكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس وإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو. وأخرج ابن عبد البر في "التمهيد": أن المغيرة قام من ثنتين واعتدل فسبحوا به فلم يرجع وقال لهم كذلك صنع رسول الله ﷺ وعن سعد بن أبي وقاص مثله.
(٤) قوله: بعد التسليم، قد ورد في هذا الباب ما يدل على السجود بعد التسليم وأحاديث تدل على السجود قبل التسليم. فمن الأولى ما أخرجه أبو داود والطبراني وأحمد، عن ثوبان مرفوعًا: "لكل سهو سجدتان بعد السلام". وثبت السجود بعد السلام من فعل النبي ﷺ من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ومن حديث المغيرة أخرجه أبو داود والترمذي، ومن حديث أنس أخرجه الطبراني في "الصغير"، ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن سعد في "الطبقات". وورد السجود قبل التسليم في حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد وأبو داود، ومن حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه الترمذي وابن ماجه، ومن حديث ابن بُحَيْنة أخرجه مالك والبخاري وغيرهما، ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم، ومن حديث معاوية أخرجه الحازمي. ومن ثَم اختلف العلماء في ذلك على ما بسطه الحازمي في كتاب "الاعتبار":
[ ١ / ٤٥٦ ]
أَدْخَلَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ الشكَّ (١) فِي صَلاتِهِ فَلَمْ يدرِ (٢) أَثَلاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا، فَإِنْ كَانَ ذلك أولَ (٣) ما لقي تكلَّمَ (٤)
_________________
(١) فمنهم من رأى السجود كله بعد السلام، وهو المروي، عن علي وسعد وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن عباس وابن الزبير والحسن وإبراهيم وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح بن حَيّ وأبي حنيفة (في الأصل: "أبو حنيفة"، وهو خطأ والصواب أبي حنيفة) وأصحابه، ومنهم من قال: كلّه قبل التسليم، وبه قال أبو هريرة ومعاوية ومكحول والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة والأوزاعي والليث والشافعي وأصحابه. وقال مالك ونفر من أهل الحجاز: إن كان السهو بالزيادة فالسجود بعد السلام أخذًا من حديث ذي اليدين، وإن كان بالنقصان فقبلَه أخذًا من حديث ابن بُحَيْنة. وطريق الإنصاف أن الأحاديث في السجود قبل السلام وبعده ثابتة قولًا وفعلًا، وتقدّم بعضها على بعض غير معلوم. فالكلّ جائز، وبه صرّح أصحابنا أنه لو سجد قبل السلام لا بأس به.
(٢) قوله: الشك في صلاته، ليس المراد به التردد مع التساوي بل مطلق التردد، وقال السيد أحمد الحَمَوي في "حواشي الأشباه والنظائر": اعلم أنّ مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والطلاق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحًا فهذا معناه في اصطلاح الفقهاء. أما أصحاب الأصول، فإنهم فرّقوا بين ذلك فقالوا: التردد إن كان على السواء فهو الشك، فإن كان أحدهما راجحًا، فالراجح ظن والمرجوح وهم. انتهى كلامه نقلًا عن "فتح القدير".
(٣) (في نسخة) ليس المراد به نفي الدراية مطلقًا، بل مراده نفي اليقين، ويجوز أن يراد نفي دراية أحدهما بخصوصه فقط.
(٤) أي: كان الشك عرض له أول مرة وليس بعادة له.
(٥) قوله: تكلم واستقبل صلاته، لما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر، أنه قال في الذي لا يدري صلى ثلاثًا أم أربعًا قال: يعيد حتى يحفظه.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وَاسْتَقْبَلَ (١) صَلاتَهُ، وَإِنْ كَانَ يُبتلى بِذَلِكَ (٢) كَثِيرًا مَضَى عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ (٣) ورَأيِهِ (٤) وَلَمْ يَمْضِ (٥)
_________________
(١) وفي لفظ: أما أنا إذا لم أدر كم صلّيتُ، فإني أعيد، وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير وابن الحنفية وشريح. وأخرج محمد في كتاب "الآثار" نحوه، عن إبراهيم النَّخَعي.
(٢) أي استأنف صلاته وترك ما صلّى.
(٣) أي: بالشك.
(٤) قوله: مضى على أكثر ظنه، فإن لم يكن له ظن بنى على اليقين لحديث ابن مسعود مرفوعًا: "إذا شكَّ أحدكم فليتحرَّ الصواب فليتم عليه". أخرجه البخاري ومسلم، وأخرج محمد في "الآثار"، عن ابن مسعود موقوفًا: إذا شك أحدكم في صلاة ولا يدري أثلاثاَ صلى أم أربعًا، فليتحرّ فلينظر أفضل ظنه، فإن كان أكبرُ ظنه أنها ثلاث قام فأضاف إليها الرابعة، ثم يتشهد، ثم يسلم، ويسجد سجدتي السهو، وإن كان أكبر رأيه أنه صلّى أربعًا تشهد وسلم وسجد سجدتي السهو. وأخرج الطحاوي، عن عمرو بن دينار قال: سئل ابن عمر وأبو سعيد الخدري، عن رجل سها فلم يدرِ كم صلّى، قالا: يتحرى أصوب ذلك فيتمَّه ثم يسجد سجدتين.
(٥) ورأيه عطف تفسيري على الظن أو أكثر الظن، فإن الرأي يُطلق على المظنون وعلى ما يحصل بغلبة الظن، قال الحَمَوي في "حواشي الأشباه": اليقين هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، والشك لغة مطلق التردد، وفي إصطلاح الأصول استواء طرفي الشيء وهو الموقوف بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما فإن ترجّح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين، وأما عند الفقهاء فهو كاللغة لا فرق بين المساوي والراجح. انتهى.
(٦) قوله: ولم يمضِ على اليقين، وفيه خلاف الشافعي ومالك والثوري وداود والطبري، فإنهم قالوا: يَبني على اليقين ولا يلزمه التحري لأحاديث (في الأصل: "لحديث"، والظاهر: "لأحاديث") أبي سعيد الخدري وابن عُمر وعبد الرحمن بن عوف الواردة في البناء على الأقلّ، وحملوا
[ ١ / ٤٥٨ ]
عَلَى الْيَقِينِ (١)، فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ ينجُ فِيمَا يَرَى مِنَ السَّهْوِ الَّذِي يُدخل عَلَيْهِ الشيطانُ، وَفِي ذَلِكَ (٢) آثَارٌ كَثِيرَةٌ.
١٤٣ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (٣) أَنَّ أَنَسَ بن
_________________
(١) حديث ابن مسعود: "فليتحرّ الصواب"، على أن معناه فليتحرّ الذي يظن أنه نقصه فيتمّه (وفي: "فتح الباري" ٣/٧٦، قال الشافعية: هو البناء على اليقين إلخ، وهذا المعنى لا تساعده اللغة أصلًا. وذلك حيث قال العلامة الفتني: التحري القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء والقول، "مجمع بحار الأنوار" ١/٥٠١)، فيكون التحري أن يعيد ما شك فيه ويبني على ماستيقن، وأصحابنا سلكوا مسلك الجمع بين الأحاديث بدون صرف إلى الظاهر، فإن بعضها تدل على البناء على الأقل مطلقًا، وبعضها تدل على تحري الصواب، فحملوا الأولى على ما إذا لم يكن له رأي. والثانية على ما إذا كان له رأي، وقد بسطه الطحاوي في "شرح معاني الآثار"، بأحسن بسط فلْيُراجعْ.
(٢) قوله: على اليقين، قد يقال: لا يقين مع الشك، ويُجاب بأن المراد به المتيقَّن، مثلًا إذا شك ثلاثًا صلّى أم أربعًا؟ فالثلاث هو المتيقَّن، والتردد إنما هو في الزيادة. فلا يمضي على المتيقَّن، فإنه إن فعل ذلك - أي الإمضاء على الأقل المتيقَّن - من غير أن يتحرّى ويعمل بغالبِ ظنه لم ينجُ بضم الجيم، أي: لم يحصل له النجاة في ما يرى في ما يذهب إليه من أخذ المتيقن من السهو أي: الاشتباه الذي يُدخِلُ عليه الشيطان، فإنه وإن بنى على الأقل وأتمَّ صلاته بأداء ركعة أخرى، لكن لا يزول منه التردد والاشتباه الذي يُبتلى به كثيرًا بوسوسة الشيطان، فيقع في حرج دائم وتردد لازم بخلاف ما إذا تحرّى وبنى على غالب رأية وطرح الجانب الآخر فإنه حينئذٍ يحصل له الطمأنينة، ولا يغلب عليه الشيطان في تلك الواقعة.
(٣) والظاهر أنه إشارة إلى جميع ما ذكر.
(٤) ابن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني.
[ ١ / ٤٥٩ ]
مَالِكٍ صَلَّى بِهِمْ فِي سفرٍ كَانَ (١) مَعَهُ فِيهِ فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ (٢) ثُمَّ نَاءَ لِلْقِيَامِ، فسبَّح بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَرَجَعَ (٣) ثُمَّ لَمَّا قَضَى (٤) صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
قَالَ (٥): لا أَدْرِي أَقْبَلَ التَّسْلِيمِ أو (٦) بعده.