١٤٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تتشهَّد فَتَقُولُ: التحياتُ (٣) الطيباتُ
_________________
(١) في ظاهر الرواية، ولم يعلموا أنه قد ثبت عنهم بروايات متعددة ولا أنه ورد في أحاديث متكثرة، فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه مخالفًا لما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه، بل وعن أئمتنا أيضًا، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي وثبت عن رسول الله ﷺ وأصحابه الإثبات لكان فعل الرسول وأصحابه أحق وألزم بالقبول، فكيف وقد قال به أئمتنا أيضًا؟!
(٢) قوله: أفضل، لقوله ﷺ: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه". أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذرّ ﵁.
(٣) هو تفعّل من تشهد، سمِّي به لاشتماله على النطق بالشهادة، والتشهُّد: ليس عند مالك في التشهد شيء مرفوع وإن كان غيره قد رفع ذلك، ومعلوم أنه لا يقال بالرأي. ولمّا علم مالك أن التشهد لم يكن إلاَّ توقيفًا، اختار تشهد عمر لأنه كان يعلِّمه الناس وهو على المنبر من غير نكير (قال الباجي ١/١٧٠: فإن قال قائل فقد أثبتم أن تشهد عمر بن الخطاب هو الصواب المأمور به وأن ما عداه ليس بمأمور به..فالجواب أن مالكًا ﵀ اختار تشهُّد عمر بن الخطاب على سائر ما روي فيه بالدليل الذي ذكرناه إلاَّ أنه مع ذلك يقول: من أخذ بغيره لا يأثم ولا يكون تاركًا للتشهد في الصلاة إلخ)، كذا في "الاستذكار".
(٤) فسرها بعضهم بالمُلك وبعضهم بالبقاء وبعضهم بالسلام.
[ ١ / ٤٦٥ ]
الصلواتُ (١) الزاكياتُ لِلَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ وَرَحْمَةُ الله وركاته، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ.
١٤٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢) بْنِ عَبْدِ (٣) الْقَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يعلِّم النَّاسَ التَّشَهُّدَ، وَيَقُولُ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ (٤) لِلَّهِ، الزَّاكِيَّاتُ (٥) لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ (٦) الصَّلَوَاتُ (٧) لِلَّهِ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وركاته، السلام (٨)
_________________
(١) أي: الدعوات الصافيات.
(٢) قوله: عبد الرحمن، عامل عمر على بيت المال، ذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة وقال تارة: تابعي، مات سنة ٨٨ هـ، كذا قال ابن حجر.
(٣) بغير إضافة (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى قارة بطن من خزيمة بن مدركة، كذا قال الزرقاني.
(٤) قوله: التحيات، عن القتبي أن الجمع في لفظ التحيات سببه أنهم كانوا يحيون الملوك بأثنية مختلفة كقولهم: أنعم صباحًا، وعش كذا سنة، فقيل: استحقاق الأثنية كلها لله تعالى، كذا في "التنوير".
(٥) قال ابن حبيب: هي صالح الأعمال.
(٦) أي: طيبات القول.
(٧) قوله: الصلوات، قال القاضي أبو الوليد: معناه أنها لا ينبغي أن يُراد بها غير الله، وقال الرافعي: معناه الرحمة لله على العباد.
(٨) قوله: السلام، قيل السلام هو الله، ومعناه الله على حفظنا، وقيل هو جمع سلامة.
[ ١ / ٤٦٦ ]
عَلَيْنَا (١) وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ (٢)، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.
١٤٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ (٣)، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، وَالزَّاكِيَّاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ (٤) أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ شهدتُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَشِهِدْتُ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
يَقُولُ (٥) هَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوليَين، ويدعو (٦) بما بدا
_________________
(١) يريد به المصلِّي نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة.
(٢) استنبط منه السبكي أن في الصلاة حقًا للعباد مع حق الله.
(٣) قوله: بسم الله، قد ذكر السخاوي في "المقاصد الحسنة" أن زيادة البسملة في التشهد غير صحيحة، وقد أوضحته في رسالتي "إحكام القنطرة في أحكام البسملة"، لكن لا يخفى أن سند مالك صحيح، وفيه الزيادة موجودة فيُحمل على كونها أحيانًا ولا يُنكر أصل الثبوت.
(٤) قوله: السلام عليك، كذا رأيتُه في نسخ هذا الكتاب، وذكر الزرقاني في "شرح الموطأ"، برواية يحيى: "السلام على النبي" بإسقاط كاف الخطاب ولفظ: أيها.
(٥) أي: ابن عمر.
(٦) أي: ابن عمر، أجازه مالك في رواية ابن نافع، والمذهب كراهة الدعاء في التشهد الأول.
[ ١ / ٤٦٧ ]
لَهُ (١) إِذَا قَضَى تشهُّدَه، فَإِذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاتِهِ تَشَهَّدَ كَذَلِكَ (٢) إلاَّ أَنَّهُ يقدِّم التَّشَهُّدَ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا بَدَا لَهُ (٣)، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ قَالَ: السَّلامُ (٤) عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. السَّلامُ عَلَيْكُمْ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ (٥) عَلَى الإِمَامِ، فَإِنْ سلَّم عَلَيْهِ (٦) أَحَدٌ عن يساره ردَّ (٧) عليه.
_________________
(١) قوله: ويدعو بما بدا له (ظاهر الحديث أن المصلي يدعو بما شاء، قال العيني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو به الإنسان في صلاته، فعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلاّ بالأدعية المأثورة أو الموافقة للقرآن العظيم، وقال الشافعي ومالك: يجوز أن يدعو فيها بكلّ ما يجوز أن يدعو به خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين. انظر: "أوجز المسالك" ٢/١٣٧)، فيه جواز الدعاء في التشهد الأول، وبه أخذ ابن دقيق العيد حيث قال: المختار أن يدعو في التشهد الأول كما في التشهد الأخير لعموم الحديث: "إذا تشهَّد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع". وتُعُقِّب بأنه ورد في الصحيح، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا فَرَغَ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ "، وروى أحمد وابن خزيمة، عن ابن مسعود: علَّمني رسول الله ﷺ التشهد في أول الصلاة وآخرها: فإذا كان في وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد، وإذا كان في آخره دعا لنفسه ما شاء، وقال القاري: هذا عندنا محمول على السنن والنوافل.
(٢) أي: مثل ما مرَّ.
(٣) أي: ظهر له.
(٤) هذه زيادة، كان ابن عمر اختاره ليختمه بالسلام على النبي وعلى الصالحين.
(٥) أي: ينوي في سلامه الرد عليه.
(٦) بأن كان مصليًا مع الإمام.
(٧) أي: نواه في سلامه عن يساره.
[ ١ / ٤٦٨ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: التشهُّد الَّذِي ذُكر كلُّه حَسَنٌ (١) وليس يشبه تشهُّد
_________________
(١) قوله: الذي ذُكر كلُّه حسن، قد رُوي عن جماعة (جملة من روى التشهد بألفاظ مختلفة من الصحابة أربعة وعشرون صحابيًا كما في "التلخيص" وأشار إلى رواياتهم ومثله في "عمدة القاري" ٣/١٧٨)، من الصحابة التشهد مرفوعًا، وموقوفًا بألفاظ مختلفة عل ما بسطه الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الرافعي". فمنهم أبو موسى الأشعري، قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا وبيَّن لنا سنَّتنا وعلَّمنا صلاتنا فقال: إذا صلَّيتم فكان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني. ومنهم ابن عمر، أخرج أبو داود عنه، عن رسول الله ﷺ في التشهد: التحيات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله - قال ابن عمر: زدتٌ فيها وبركاته - السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله - قال ابن عمر: زدت وحده لا شريك له - وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ورواه الدارقطني، عن ابن أبي داود، عن نصر بن علي، عن أبيه، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عنه، وقال: إسناده صحيح، وقد تابعه على رفعه ابن أبي عدي، عن شعبة، ووقفه غيرهما، ورواه البزار، عن نصر بن علي، وقال: رواه غير واحد، عن ابن عمر ولا أعلم أحدًا رفعه، عن شعبة غيره، وقول الدارقطني يرد عليه، وقال يحيى بن معين: كان شعبة يضعِّف حديث أبي بشر، عن مجاهد، وقال: ما سمع منه شيئًا، إنما رواه ابن عمر، عن أبي بكر موقوفًا. ومنهم عائشة، وروى الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي، عن القاسم بن
[ ١ / ٤٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) محمد قال: علَّمتني عائشة قالت: هذا تشهُّد النبي ﷺ: التحيات لله والصلوات والطيبات إلخ، ووقفه مالك، ورجَّح الدارقطني في "العلل" وقفَه، ورواه البيهقي من وجه آخر وفيه التسمية، وفيه محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث لكن ضعَّفها البيهقي لمخالفته من هو أحفظ منه. ومنهم سمرة، روى أبو داود عنه مرفوعًا: قولوا: التحيات لله، الطيبات والصلوات، والمُلك لله، ثم سلِّموا على النبي وسلِّموا على أقاربكم وأنفسكم، وإسناده ضعيف. ومنهم علي، أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث عبد الله بن عطاء عن النهدي: سألت الحسن بن علي، عن تشهُّد النبي ﷺ فقال: سلني عن تشهد علي، فقلت: حدِّثني بتشهد علي، عن النبي ﷺ، فقال: التحيات لله والصلوات والطيبات والغاديات والرائحات (في الأصل: "الرابحات"، وهو تحريف) والزاكيات والناعمات السابغات الطاهرات لله، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن مردويه من طريق آخر ولم يرفعه وفيه زيادة: ما طاب فهو لله وما خبث فلغيره. ومنهم ابن الزبير، أخرج الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" من حديث ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد سمعت أبا الورد، سمعت ابن الزبير يقول: إن تشهد رسول الله ﷺ، بسم الله وبالله خير الأسماء، التحيات لله والصلوات والطيبات أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًاعبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهدني في الركعتين الأوليين. ومنهم معاوية، أخرج الطبراني في "الكبير" مثل تشهُّد ابن مسعود. ومنهم سلمان، أخرج الطبراني والبزّار مثل تشهد ابن مسعود، وقال في
[ ١ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) آخره: قلها في صلواتك، ولا تزد فيها حرفًا ولا تنقص منها حرفًا، وإسناده ضعيف. ومنهم أبو حميد أخرج الطبراني عنه مرفوعًا مثله، ولكن زاد بعد الطيبات: الزاكيات، وأسقط واو الطيبات، وإسناده ضعيف. ومنهم ابن عباس، أخرج مسلم والشافعي والترمذي عنه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهُّد كما يعلِّمنا السورة من القرآن، فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي إلخ، وأخرجه الدارقطني وابن ماجه وابن حبان وغيرهم. ومنهم ابن مسعود، أخرج تشهُّدَه الأئمة الستة، ورواه أبو بكر بن مردويه في كتاب "التشهد" له من حديث أبي بكر مرفوعًا وإسناده حسن، ومن رواية عمر مرفوعًا وإسناده ضعيف، ومن حديث الحسين بن علي، ومن حديث طلحة بن عبيد الله وإسناده حسن. ومن حديث أنس وإسناده صحيح، ومن حديث أبي هريرة وإسناده صحيح، ومن حديث أبي سعيد وإسناده صحيح، ومن حديث الفضل بن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى، وفي أسانيدهم مقال، ومنهم عمر أخرجه مالك ومن طريقه الشافعي ورواه الحاكم والبيهقي، وفي رواية للبيهقي في أوله: (بسم الله خير الأسماء) وهي منقطعة، وقال الدارقطني: لم يختلفوا في أن هذا موقوف على عمر، ورواه البعض، عن ابن أبي أويس، عن مالك مرفوعًا، وهو وهم. ومنهم جابر. أخرج النَّسائي وابن ماجه والطبراني والحاكم كلهم من طريق أيمن، عن أبي الزبير، عنه: كان رسول الله ﷺ يعلِّمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أسأل الجنة وأعوذ بالله من النار، ورجاله ثقات إلاّ أن أيمن أخطأ في إسناده، وخالفه الليث وهو من أوثق الناس في أبي الزبير، فقال: عن أبي الزبير، عن طاووس وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال
[ ١ / ٤٧١ ]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَنَا (١) تشهُّدُه لأَنَّهُ (٢) رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعليه العامة عندنا.
_________________
(١) حمزة بن محمد الحافظ: قوله، عن جابر خطأ، ولا أعلم أحدًا قال في التشهد باسم الله وبالله إلاَّ أيمن، وقال الدارقطني: ليس بالقويّ، خالف الناس. هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر، فهذه التشهدات المروية مرفوعة أو موقوفة كلها حسنة دالة على كون الأمر موسَّعًا، وقد ذكر ابن عبد البر أنَّ الاختلاف في التشهُّد وفي الأذان والإقامة وعدد التكبير على الجنائز وعدد التكبير في العيدين ورفع الأيدي عند الركوع والرفع في الصلاة ونحو ذلك كله اختلاف في مباح، وبمثله ذكر أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في "منهاج السنة" فليُحفَظ.
(٢) قوله: وعندنا، أي: المختار عندنا تشهُّد ابن مسعود، وعند الشافعي تشهد ابن عباس، وعند مالك تشهد عمر، ولكلٍّ وجوه توجب الترجيح ما ذهب إليه، والخلاف إنما هو في الأفضلية (وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها، كذا قال النووي في "شرح المهذب" ٣/٤٥٧) كما صرح به جماعة من أصحابنا، ويشير إليه كلام محمد ههنا، فما اختاره صاحب "البحر" من تعيين تشهد ابن مسعود وجوبًا وكون غيره مكروهًا تحريمًا مخالف الدراية والرواية فلا يُعوَّل عليه.
(٣) قوله: لأنه رواه إلخ، هذا الوجه إنما يستقيم بالنسبة إلى ما رواه مالك من تشهد ابن عمر وعمر وعائشة موقوفًا وإلا فقد روى غير أبن مسعود أيضًا تشهده عن النبي ﷺ كما مر بسطه، وهناك وجوه أُخر ترجح تشهد ابن مسعود على غيره، منها: أن حديثه أصح كما قال الترمذي: هو أصح حديث روي في التشهد، وقال البزّار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود، روي عن نيِّف وعشرين وجهًا ولا يُعلم روي عن رسول الله ﷺ أثبتَ منه ولا أصح إسنادًا ولا أشهر رجالًا ولا أشد تضافرًا بكثرة الأسانيد، وقال مسلم: إنما اجتمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضًا، وغيره قد اختلف أصحابه، وقال
[ ١ / ٤٧٢ ]
١٤٩ - قَالَ مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مُحِلّ بْنُ مُحرِز الضَّبِّي، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الأَسْدِيِّ (١)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كُنَّا (٢) إِذَا صلَّينا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
_________________
(١) محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد، وروى الطبراني في "الكبير"، عن بريدة بن الخصيب قال: ما سمعتُ أحسن من تشهُّد ابن مسعود، كذا ذكره الحافظ ابن حجر ومنها: أن الأئمة الستَّة اتفقوا على تخريجه لفظًا ومعنى، وهو نادر، وتشهد ابن عباس من أفراد مسلم، وغيره في غيرهما، ذكره الزيلعي. ومنها: أن فيه تأكيد التعليم كما أخرجه أبو حنيفة، عن القاسم، قال: أخذ علقمة بيدي، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله ﷺ أخذ بيده وعلَّمه التشهد، وليس ذلك في غيره، ذكره ابن الهمام. ومنها: أن فيه زيادة الواو وهي لتجديد الكلام بخلاف تشهد ابن عباس ذكره صاحب "الهداية" وغيره. ومنها: ما ذكره الزيلعي وابن الهُمام وابن حجر أن الترمذي أخرج بسنده عن خُصَيْف أنه رأى النبي ﷺ في المنام، فقال: [(زاد في نسخة) يا رسول الله إن الناس قد اختلفوا في التشهد، فقال:] عليك بتشهد ابن مسعود. ومنها: أنه وافقه جمع من الصحابة دون غيره (عدَّ الشيخ محمد حسن السنبهلي اثنين وعشرين وجهًا للترجيح ولكنها مدخولة. من شاء فليراجع "تنسيق النظام": ص ٧٧) .
(٢) نسبة إلى أسد، بفتحتين، اسم عدة قبائل.
(٣) قوله: كنا إلخ، فيه دليل على أن أوَّل ما فُرضت الصلاة لم يكن التشهُّد مشروعًا فيها لا فرضًا ولا سنَّة، يؤخذ ذلك من قوله: كنا إذا صلينا إلخ، فدل على أنهم بقُوا زمانًا كذلك إلى اليوم الذي سمع النبي ﷺ، فنهاهم وأمرهم بالتحيات لله والصلوات إلخ، وفيه دليل على أن ما كان من زيادة ذكر أو دعاء في الصلاة لا يفسدها لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بإعادة الصلاة التي تقدَّمت، كذا في "بهجة النفوس شرح مختصر البخاري" لابن أبي جَمرة.
[ ١ / ٤٧٣ ]
قُلْنَا (١) السَّلامُ عَلَى اللَّهِ (٢)، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاتَه ذاتَ يَوْمٍ (٣) ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: لا تَقُولُوا (٤) السَّلامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ (٥) هُوَ السَّلامُ (٦)، وَلَكِنْ قولوا (٧): التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ، السلام
_________________
(١) أي: في قعود التشهد.
(٢) قوله: على الله، وفي رواية البخاري ومسلم وغيرهما: السلام على الله قبل عباده، والسلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان أي على ملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء، كذا في "المرقاة". (١/٥٥٦) .
(٣) أي: في يوم من الأيام.
(٤) قوله: لا تقولوا، كان الصحابة يسلِّمون في القعود على الله وعلى الملائكة فنهاهم من التسليم على الله، وأما السلام على الملائكة فلم ينكر عليهم بل أرشدهم إلى ما يعمّ المذكورين وغيرهم بقوله: " وعلى عباد الله الصالحين"، وقال: "إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض"، وهذا من جوامع الكلام، كذا في "التوشيح شرح صحيح البخاري" للسيوطي.
(٥) في نسخة: فالله.
(٦) أي هو الذي يعطي السلام لعباده، فأنى يُدعى له، قوله: فإن الله هو السلام، بقي ههنا بحث وهو أنه: لِمَ نهاهم عن أن يقولوا: السلام على الله من عباده، ثم أمرهم أن يقولوا: التحيات؟ والانفصال عنه أن السلام هو الأمان وليس على الله خوفٌ من أحد فنهاهم لأنه تعالى يُطلب منه الأمان وهو الذي يؤمن، كذا في "بهجة النفوس".
(٧) قوله: قولوا، الأمر فيه للوجوب كما قاله ابن ملك فينجبر بسجود السهو، وكذا القعود الأول واجب، وأما الأخير ففرض عندنا، كذا في "مرقاة المفاتيح".
[ ١ / ٤٧٤ ]
عَلَيْكَ (١) أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله
_________________
(١) قوله: السلام عليك إلخ، ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ وما بعده في الخطاب (في بذل المجهود ٥/٢٨٣: لو كان كذلك كان ينبغي أن يُقال في حياته ﷺ عند الغَيْبَة في السفر وغيره بدون لفظ الخطاب ولم يثبت بعد، بل كانوا يقولون في الحضور والغيبة بلفظ الخطاب، فينبغي أن يُقال بعد وفاته ﷺ أيضًا كذلك)، ففي الاستئذان من صحيح البخاري من طريق أبي معمر عنه بعد أن ساق حديث التشهّد، قال: وهو بين أظهرنا (هكذا في أصل الكتاب والصواب بين ظهرانينا. وقال الحافظ جمال الدين الملطي في معتصره: ١/٣٥ بعد ذكر الحديث المذكور من قوله: بين ظهرانينا - إلى - على النبي: منكر لا يصح، وذلك مخالف لما عليه العامة)، فلما قُبض قلنا: السلام يعني على النبي. وأخرجه أبو عَوَانة في صحيحه وأبو نعيم والبيهقي من طرق متعددة بلفظ: فلما قُبض قلنا السلام على النبي، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة. قال السبكي في "شرح المنهاج" بعد أن ساقه مسندًا إلى أبي عوانة وحده: إن صح عن الصحابة هذا دلَّ على أن الخطاب في السلام بعد رسول الله ﷺ غير واجب. انتهى. قلت: قد صحَّ بلا ريب، وقد وجدتُ له متابعًا قويًا، قال عبد الرزاق: أنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حيّ: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وإسناده صحيح. وأما ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن النبي ﷺ علَّمهم (في الأصل: "علَّمه"، والظاهر: "علَّمهم" كما في "فتح الباري" ٢/٣١٤) التشهد فذكره، قال: فقال ابن عباس: إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حيًا، فقال ابن مسعود: هكذا علَّمناه، وهكذا نعلِّم، فظاهره أن ابن عباس قاله بحثًا، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر أصح لأن أبا عُبيدة لم يسمع من أبيه والإسناد إليه مع ذلك ضعيف، فكذا في "فتح الباري".
[ ١ / ٤٧٥ ]
وأشهد (١) أن محمدًا عبد وَرَسُولُهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - يَكره (٢) أَنْ يُزاد فيه حرف أو يُنقص (٣) منه حرف.
_________________
(١) قوله: أشهد أن، قال الرافعي: المنقول أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقول في تشهده أشهد أني رسول الله، ولا أصل لذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه ﷺ، كان يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله أو عبده ورسوله، كذا في "التلخيص (في الأصل: "تلخيص الحبير"، وهو تحريف) الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير" لابن حجر ﵀.
(٢) قوله: يَكره أن يُزاد، لأنه تلقّاه من فِي رسول الله ﷺ وعلَّمه كما كان يعلِّم السورة من القرآن، فأحب أن لا يُزاد فيه ولا ينقص. وقد أخرج الطحاوي عن المسيّب بن رافع أنه سمع عبد الله بن مسعود رجلًا يقول في التشهد: بسم الله، التحيات لله، فقال له: أتأكل؟ وأخرج أيضًا، عن الربيع بن خيثم أنه لقي علقمة فقال: إنه قد بدا لي أن أزيد في التشهد "ومغفرته"، فقال علقمة: ننتهي إلى ما عُلّمناه. وأخرج عن أبي إسحاق قال: أتيت أبا الأسود، فقلت إن أبا الأحوص قد زادَ "والمباركات"، قال: فأته، فقل له: إن الأسود ينهاك ويقول لك: إن علقمة بن قيس تعلَّمهن من عبد الله كما يتعلم السورة من القرآن عدَّهن عبد الله في يده (في "شرح معاني الآثار" ١/١٥٦: "إن أبا الأحوص قد زاد في خطبة الصلاة") .
(٣) قوله: أو ينقص، هذا ينافي ما روي أنه كان يقول بعد وفاة النبي ﷺ "على النبي"، وكذا روي عن غيره كما بسطه ابن حجر في "فتح الباري" ولعله كَرِه نقصانًا يخلُّ بالمعنى لا مطلقًا.
[ ١ / ٤٧٦ ]