١٩٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي صَالِحُ (١) بْنُ كَيسان، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قالت: فُرِضَتْ الصلاة (٢) ركعتين (٣)
_________________
(١) السرّاج وورد أيضًا من طرق ضعيفة، عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت وكلها عند الطبراني. واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أبيّ، فقال: أربع أو خمس على الشك، وسوى رواية أبي هريرة لأحمد قال فيها: سبع وعشرون. قال: واختُلف في أيّ العددين أرجح؟ فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ، قال: ووقع الاختلاف أيضًا في مميز العدد، ففي رواية "درجة" وفي أخرى"جزء" وفي أخرى"ضِعفًا"، والظاهر أن ذلك من تصرّف الرواة. قال: ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محقّقة المعنى. انتهى. وقد جمع بين روايتَي الخمس والسبع، بأنَّ ذِكرَ القليل لا ينفي الكثير، وبأنه أخبر بالخمس ثم أعلمه الله بالزيادة، وبالفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع وبإيقاعها في المسجد أو في غيره.
(٢) هو المدني مولى غفار، وثَّقه أحمد وابن معين، مات بعد سنة ١٤٠ هـ كذا في "الإسعاف".
(٣) وللتنّيسي: فرض الله الصلاة حين فرضها.
(٤) قوله: ركعتين ركعتين، لم تختلف الآثار، ولا اختلف أهل العلم بالأثر والخبر أن الصلاة إنما فرضت بمكة حين أُسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء، ثم أتاه جبريل من الغد، فصلّى به الصلوات لأوقاتها، إلا أنهم اختلفوا في هيئاتها حين فُرضت، فرُوي عن عائشة أنها فُرضت ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعًا، وبذلك قال الشعبي والحسن البصري في رواية ميمون، وروى ابن عباس أنها فُرضت في الحضر أربعًا وفي
[ ١ / ٥٥٧ ]
رَكْعَتَيْنِ (١) فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَزِيدَ (٢) فِي صَلاةِ الْحَضَرِ (٣) وأُقِرَّت (٤) صلاةُ السَّفَرِ.
١٩١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ
_________________
(١) السفر ركعتين، وقال نافع بن جبير بن مطعم - وكان أحد علماء قريش بالنسب وأيام العرب والفقه، وهو راويه عن ابن عباس، وهو روى عنه حديث إمامة جبريل -: إنّ الصلاة فُرضت في أول ما فُرضت أربعًا إلاّ المغرب والصبح، وكذلك قال الحسن البصري في رواية، ورُوي عن النبي ﷺ من حديث أنس بن مالك القشيري ما يدل على ذلك وهو قوله: إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، والوضع لا يكون إلا من تمام قبله، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر قال: فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين، كذا في "الاستذكار".
(٢) زاد أحمد في "مسنده": إلا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا.
(٣) بعد الهجرة. ففي البخاري عنها: فرضت الصلاة ركعتين، فلما هاجر النبي ﷺ فرضت أربعًا.
(٤) قوله: صلاة الحضر، لابن خزيمة وابن حبان: فلما قَدِمَ المدينةَ زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتُركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار.
(٥) قوله: وأقرَّت، احتجَّ بظاهر هذا الحنفيةُ وموافقوهم على أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، وأجاب مخالفوهم بأنه غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمانَ فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره. قال الحافظ: وفيه نظر لأنه مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، وعلى تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابي وهو حجة كذا في "شرح الزرقاني".
[ ١ / ٥٥٨ ]
اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ (١) قَصر الصَّلاةَ.
١٩٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَرَجَ حَاجًّا (٢) أَوْ مُعْتَمِرًا قَصَرَ (٣) الصَّلاةَ بِذِي الحُلَيْفَة (٤) .
١٩٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ خَرَج إِلَى رِيم (٥) فقَصَر الصلاةَ فِي مَسيرِهِ (٦) ذَلِكَ.
١٩٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ: أَنَّهُ كَانَ يُسافرُ (٧) مع ابنِ
_________________
(١) وبين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلًا.
(٢) أي: قاصدًا الحج والعمرة من المدينة إلى مكة.
(٣) قوله: قصر الصلاة بذي الحليفة، قال ابن عبد البر: كان ابن عمر يتبرَّك بالمواضع التي كان رسول الله ينزلها، ولما علم أنه ﵇ قصر العصر بذي الحليفة حين خرج إلى حجة الوداع فعل مثله.
(٤) قوله: بذي الحُلَيفة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وإسكان الياء، ميقات أهل المدينة وهو على نحو ستة أميال من المدينة، وقيل: سبعة، كذا في "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي.
(٥) بكسر الراء وإسكان التحتية وميم، قوله: إلى ريم، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد من المدينة، ولعبد الرزاق عن مالك ثلاثون ميلًا من المدينة، ورواه ابن عقيل عن ابن شهاب، قال: هي ثلاثون ميلًا، فيحتمل أن ريم موضع متسع فيكون تقدير مالكٍ عند آخره، وعقيل عند أوله، كذا قال الزرقاني.
(٦) أي: سيره ذلك القدر.
(٧) قال الباجي: سمّى الخروج إلى البريد ونحوه سفرًا مجازًا أو اتِّساعًا.
[ ١ / ٥٥٩ ]
عُمَرَ البريدَ (١) فَلا يَقْصُرُ الصَّلاةَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ أَتَمَّ الصَّلاةَ (٢) إِلا أَنْ يريد مسيرةَ
_________________
(١) قوله البريد: هو كلمة فارسيَّة يُراد بها في الأصل البَغل، وأصلها بُرِيدَة دُم، أي: محذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأعربت وخُفِّفت، ثم سمِّي الرسول الذي يركب البريد بريدًا والمسافة التي بين السكنين بريدًا، والسكنة موضع كان يسكنه الفيوج المرتَّبون من بيت أو قُبَّة أو رباط، وكان يرتب في كل سكنة بغال، وبُعد ما بين السكنين فرسخان، وقيل أربعة، ومنه الحديث: "لا تُقتصر الصلاة في أقل من أربعة بُرُد"، وهي ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع كذا في "نهاية ابن الأثير".
(٢) قوله: أتم الصلاة إلاّ أن يريد إلخ، اختلفوا فيه: فقالت طائفة من أهل الظاهر يقصر في كل سفر ولو في ثلاثة أميال لظاهر قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، وروى مسلم وأبو داود عن أنس: كان رسول الله إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر الصلاة. وهو أصح ما ورد في ذلك وأصرحه. وروى سعيد بن منصور، عن أبي سعيد: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخًا يقصر فيه الصلاة. وحمله أكثر العلماء على أن المراد به المسافة التي يبتدأ منها القصر لا مسافة السفر، وذهب مالك إلى أن أقل مدة السفر التي يقصر فيها أربعة برود، وبه قال الشافعي وأحمد وجماعة، وهي ستة عشر فرسخًا أي: ثمانية وأربعون ميلًا، والمستند لهم حديث: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برود". أخرجه الدارقطني والبيهقي والطبراني. وسنده متكلم فيه، لكنه مؤيد بفعل ابن عمر وابن عباس، كما أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما أنهما كانا يقصران في أربعة برود. وذهب أصحابنا إلى التقدير بثلاثة أيام أخذًا من حديث الصحيحين: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي رحم محرم"، ومن حديث يمسح المقيم يومًا وليلةً والمسافر ثلاثة أيام ولياليها"، وأخرج محمد في كتاب "الآثار"، عن سعد بن عبيد الله
[ ١ / ٥٦٠ ]
ثلاثةِ أيّامٍ كَوَامِلَ (١) بسيرِ الإبلِ ومَشيِ الأَقْدَامِ، فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ قصرَ الصَّلاةَ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرِهِ، وَيَجْعَلَ الْبُيُوتَ (٢) خَلفَ ظَهره، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ -.