٢٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا وَهْبُ (٣) بْنُ كَيْسان، قَالَ: سمعتُ جابرَ (٤) بن عبد الله يقول: رأيتُ (٥)
_________________
(١) قوله: الوضوء مما غيَّرت النار، قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مسَّت النار، وممن ذهب إلى ذلك: ابن عمر، وأبو طلحة، وأنس، وأبو موسى، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وأبو مجلز، وأبو قلابة، والحسن البصري، والزهري. وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مسَّت النار، ورأوْه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ، وممَّن لم برَ منه وضوءًا: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأُبَيّ بن كعب، وأبو أمامة، وأبو الدرداء، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: عَبيدة السَّلْماني، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، ومالك، والشافعي، وأهل الحجاز عامَّتهم، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، كذا في "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار" للحازمي.
(٢) أي: طعام غيَّرته النار، ووصل فيه أَثَرُه.
(٣) قوله: وهب بن كَيسان، بفتح الكاف، قال في "الإسعاف": وهب بن كيسان القرشي مولاهم أبو نعيم المدني، وثَّقه النسائي وابن سعد، مات سنة ١٢٧ هـ.
(٤) قوله: جابر، هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرَام بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري، من مشاهير الصحابة، شهد بدرًا - على ما قيل - وما بعدها، وأبوه أحد النقباء الاثني عشر، وكُفَّ بصر جابر آخر عمره، مات بالمدينة سنة ٧٤ هـ وقيل سنة ٧٧ هـ، وقيل سنة ٧٨ هـ، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا في "جامع الأصول".
(٥) قوله: رأيتإلخ، أعلم مالكٌ الناظر في موطَّئه، أن عمل الخلفاء
[ ١ / ٢٢٨ ]
أَبَا بكرٍ (١) الصِّدِّيق أَكَلَ لَحْمًا (٢) ثُمَّ صلَّى وَلَمْ يتوضَّأْ.
٣٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا زيدُ (٣) بنُ أَسْلَمَ، عَنْ عطاءِ (٤) بنِ يَسار، عَنِ ابْنِ عباس: أنَّ رسولَ الله ﷺ أكل (٥)
_________________
(١) الراشدين بترك الوضوء مما مسَّته النار دليل على أنه منسوخ، وقد جاء هذا المعنى، عن مالك نصًا: روى محمد بن الحسن، عن مالك، أنه سمعه يقول: إذا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديثان مختلفان وبَلَغَنا أنَّ أبا بكر وعمر عَمِلا بأحد الحديثين وتركا الآخر، كان ذلك دليلًا على أن الحق في ما عملا به، كذا في "الاستذكار".
(٢) قوله: أبا بكر الصدّيق، هو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قُحافة - بضم القاف - ابن عامر بن عمرو بن كعب، الملقَّب بالعتيق، رفيق النبي ﷺ في الغار، الشاهد معه المشاهد كلّها، وهو أول من أسلم من الرجال، وله مناقب مشهورة، مات سنة ١٣ هـ، كذا في "أسماء رجال المشكاة".
(٣) أي: مطبوخًا.
(٤) قوله: زيد بن أسلم، هو أبو أسامة، وقيل أبو عبد الله زيد بن أسلم المدني الفقيه مولى عمر، قال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وابن خراش: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، وكان عالمًا بالتفسير، مات سنة ١٣٦ هـ وقيل غير ذلك، كذا في "تهذيب التهذيب".
(٥) قوله: عطار بن يَسار، بفتح الياء أبو محمد الهلالي المدني مولى ميمونة أمّ المؤمنين، ثقة فاضل صاحب عبادة ومواعظ، من التابعين، مات سنة ٩٤ هـ، وقيل بعد ذلك، كذا في "التقريب".
(٦) قوله: أكل جَنْب شاة، أي: لحمه، وللبخاري في الأطعمة "تعرق"، أي: أكل ما على العَرْق - بفتح العين وسكون الراء - هو العظم، وأفاد القاضي إسماعيل أن ذلك كان في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، بنت عم النبي ﷺ، ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة، كما عند البخاري من حديثها أنه ﷺ
[ ١ / ٢٢٩ ]
جَنْبَ (١) شاةٍ، ثُمَّ صلَّى وَلَمْ يتوضَّأ (٢) .
٣١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا محمدُ بنُ المُنْكَدِر (٣)، عَنْ محمدِ (٤) بنِ إبراهيم التَّيمي،
_________________
(١) أكل عندها كتفًا ثم صلّى ولم يتوضَّأ، وهو خالة ابن عباس، كما أن ضباعة بنت عمه، كذا في "فتح الباري".
(٢) بفتح الجيم: القطعة من الشيء.
(٣) قوله: ولم يتوضأ، كان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مسَّت النار ناسخ لأحاديث الإباحة، والإباحة سابقة، واعتُرض عليه بحديث جابر: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّت النار"، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، لكن قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر ههنا الشأن والقصة لا مقابل النهي، وإن هذا الحديث مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي ﷺ شاة، فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر، ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مسّت النار، وأن وضوء الظهر كان لأجل حدث لا لأكل الشاة. وحكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال: لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبيَّن الراجح نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون، فرجحنا به أحد الجانبين. وجمع الخطَّابي بأن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب، كذا في "الفتح".
(٤) قوله: محمد بن المنكدر، بضم الميم وسكون النون وفتح الكاف وكسر الدال المهملة، ابن عبد الله بن الهُدَير - بالتصغير - التيمي المدني ثقة فاضل، مات سنة ١٣٠ هـ أو بعدها، كذا في "التقريب".
(٥) قوله: عن محمد بن إبراهيم، ابن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني، ثقة، مات سنة ١٢٠ هـ على الصحيح، كذا في "التقريب".
[ ١ / ٢٣٠ ]
عن ربيعةَ (١)، عن عبدِ اللَّهِ (٢): أَنَّهُ تعشَّى (٣) (٤) مَعَ عُمَرَ بنِ الخطاب (٥)،
_________________
(١) قوله: عن ربيعة، هو ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير - بالتصغير - التيمي المدني، روى عن عمر، وطلحة، وأبي سعيد الخدري، وعنه ابنا أخيه محمد وأبو بكر ابنا المنكدر بن عبد الله، وابن أبي مليكة، ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد: وُلد على عهد رسول الله ﷺ وكان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: تابعي مدني ثقة، مات سنة ٩٣ هـ، كذا في "تهذيب التهذيب" والدليل على أن المراد بربيعة المذكور ههنا هو هذا كلام الطحاوي في "شرح معاني الآثار": نا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكًا حدَّثه، عن محمد بن المنكدر وصفوان بن سليم أنهما أخبراه، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُديْر أنه تعشى مع عمر بن الخطاب ثم صلّى ولم يتوضَّأ، انتهى. وقد أخطأ القاري حيث فسره بربيعة الرأي شيخ مالك حيث قال عن ربيعة أي ابن أبي عبد الرحمن تابعي جليل القدر أحد فقهاء المدينة سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وروى عنه الثوري ومالك مات سنة ١٣٦ هـ انتهى.
(٢) عن عبد الله هكذا في بعض النسخ، وعليه كتب القاري: "إذا أُطلق عبد الله عند المحدثين، فهو عبد الله بن مسعود. انتهى. فأشار إلى أنّ المتعشي مع عمر بن الخطاب هو ابن مسعود وأن ربيعة روى عنه ذلك، وفي بعض النسخ الصحيحة ربيعة بن عبد الله، أنه تعشى مع عمر، وهو الموافق لما ذكره الطحاوي من رواية مالك، فحينئذ يكون المتعشي مع عمر هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير.
(٣) أي: أكل العشاء، وهو بفتح العين، الطعام الذي يؤكل في المساء، كذا في "النهاية".
(٤) طعامًا مسَّته النار.
(٥) قوله: مع عمر بن الخطاب إلخ، قد أخرج الطحاوي، عن جابر: أكلنا مع أبي بكر خبزًا ولحمًا ثم صلّى ولم يتوضأ، وأكلنا مع عمر خبزًا ولحمًا ثم قام إلى الصلاة ولم يمس ماءًا، وأخرج عن إبراهيم، أن ابن مسعود وعلقمة خرجا من بيت عبد الله بن مسعود يريدان الصلاة، فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد
[ ١ / ٢٣١ ]
ثمَّ صَلَّى (١) وَلَمْ يتوضَّأ.
٣٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي ضَمْرَةُ (٢) بنُ سعيدٍ المازنيّ، عن أبانَ (٣)
_________________
(١) ولحم فأكلا، فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه، ثم قام إلى الصلاة. وأخرج عن عبيد، قال: رأيت عثمان أتي بثريد فأكل، ثم تمضمض ثم غسل يديه، ثم قام فصلّى بالناس ولم يتوضأ. أخرج عن أبي نوفل: رأيت ابن عباس أكل خبزًا ولحمًا حتى سال الودك على أصابعه فغسل يديه وصلّى المغرب. وأخرج عن سعيد بن جبير أن ابن عباس أتي بجفنة من ثريد ولحم عند العصر، فأكل فغسل أطراف أصابعه، ثم صلّى ولم يتوضأ. أخرج عنه: دخل قوم على ابن عباس فأطعمهم طعامًا، ثم صلّى بهِم على طنفسة، فوضعوا عليها وجوههم وجباههم وما توضؤوا. وأخرج عن مجاهد، عن ابن عمر قال: لا نتوضأ من شيء نأكله. وأخرج عن أبي أمامة: أنه أكل خبزًا ولحمًا، فصلّى ولم يتوضأ، وقال: الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل. وأخرج عن أنس: أكلنا أنا وأبو طلحة وأبو أيوب طعامًا قد مسَّته النار، فقمت لأتوضَّأ، فقال: أتتوضأ من الطيِّبات لقد جئت بها عراقية. وأخرج عن ابن مسعود، قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة. فهذه الآثار ونحوها تشيّد عدم انتقاض الوضوء مما مسَّته النار.
(٢) أي: عمر.
(٣) قوله: ضمرة بن سعيد، بفتح الضاد المعجمية، ابن أبي حَنَّة بالفتح والنون المشددة، عمرو بن غزية الأنصاري المازني، نسبة إلى مازن بكسر الزاي قبيلة من الأنصار، وثقه ابن معين والنسائي، وأبو حاتم والعجلي، وذكره ابن حبّان في "الثقات" كذا في "تهذيب التهذيب".
(٤) قوله: عن أبان، بفتح الهمزة وخفة الباء الوحَّدة، هو ابن عثمان بن عفان أمير المؤمنين ثالث الخلفاء المهديين، أبو عبد الله المدني، تابعي له روايات
[ ١ / ٢٣٢ ]
ابن عُثْمَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عفّانَ أَكَلَ لَحْمًا وخُبزًا (١) فتمضمضَ وغسَلَ يَدَيْهِ (٢)، ثُمَّ مَسَحَهُمَا (٣) بِوَجْهِهِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
٣٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى (٤) بنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عامرِ (٥) بنِ ربيعة
_________________
(١) كثيرة، ثقة مات سنة ١٠٥ هـ. وأبوه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ذو النورين، له مناقب جمَّة، استشهد في ذي الحجة، ٣٥ هـ، كذا في "التقريب" و"جامع الأصول".
(٢) بالضم.
(٣) قوله: غسل يديه، في استحباب غسل اليدين بعد الفراغ من الأكل، وورد استحبابه أيضًا عند بَدْء الأكل في عدة روايات، وأخطأ من أنكر استحبابه.
(٤) قوله: ثم مسحهما بوجهه، لعله خشي أن يعلق به شيء من الطعام.
(٥) قوله أخبرنا يحيى بن سعيد، هو شيخ الإسلام أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري المدني قاضي المدينة، حدث عن أنس، والسائب بن يزيد، وأبي أمامة، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد وغيرهم، وعنه شعبة، ومالك، والسفيانان، والحمّادان، وابن المبارك وخلق سواهم، قال أيوب السختياني: ما تركت بالمدينة أفقه منه، وقال يحيى القطان: هو مقدَّم على الزهري، وقال أبو حاتم: ثقة يوازي الزهرن، وقال العجلي: ثقة فقيه فاضل، مات بالهاشمية سنة ١٤٣ هـ، كذا في "تذكرة الحفاظ" للذهبي.
(٦) قوله: عبد الله بن عامر بن ربيعة، هو عبد الله بن عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رُفيدة - بالضم مصغرًا - بن عَنز - بالفتح ثم السكون - بن وائل بن قاسط العنزي، وفي نسبه خلاف، أبو محمد، توفي النبي ﷺ وله أربع أو خمس سنين، وله أخ أكبر منه يسمى بعبد الله واستشهد الأكبر يوم الطائف، ومات الأصغر سنة ٨٥ هـ وقيل سنة
[ ١ / ٢٣٣ ]
العَدَوي (١)، عَنِ الرَّجُلِ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُصِيبُ الطَّعَامَ (٢) قَدْ مسَّته النَّارُ (٣) أَيَتَوَضَّأُ (٤) مِنْهُ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَبِي (٥) يفعلُ ذَلِكَ (٦)، ثُمَّ لا يَتَوَضَّأُ.
٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن بُشَير بْنِ يَسَارٍ (٧) مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ (٨)، أَنَّ سُويد (٩)
_________________
(١) ٧٠ هـ، وأبوهما عامر كان حليفًا لبني عدي بن كعب، ولذلك يقال له العدوي، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعده، مات سنة ٣٢ هـ وقيل سنة ٣٣ هـ وقيل سنة ٣٥ هـ، كذا في "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري.
(٢) بفتحتين نسبة إلى بني عدي.
(٣) أي: يأكله.
(٤) صفة للطعام بجعل لامه للعهد الذهني.
(٥) بهمزة الاستفهام.
(٦) أي: عامر بن ربيعة، وهو ممن هاجر الهجرتين.
(٧) أي: يأكل ما مسّته النار.
(٨) قوله: عن بشير، هو بشير - بالضم - بن يَسار - بالفتح - الحارثي الأنصاري مولاهم المدني، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا قد أدرك عامة الصحابة وكان قليل الحديث، وقال النسائي: ثقة، كذا في "تهذيب التهذيب".
(٩) من الأنصار.
(١٠) قوله: سويد، هو بالضم ابن نعمان بن مالك بن عائد بن مجدعة بن حشم بن حارثة الأنصاري الأوسي، شهد بَيْعة الرضوان، وقيل أحدًا وما بعدها، يُعَدّ في أهل المدينة وحديثه فيهم، كذا في "جامع الأصول".
[ ١ / ٢٣٤ ]
ابن نُعْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ (١) خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَر (٢) (٣) حَتَّى إِذَا كَانُوا بالصَّهباء (٤) - وَهِيَ (٥) أَدْنَى خَيْبَرَ - صلَّوا الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا (٦) رسولُ اللَّهِ ﷺ بِالأَزْوَادِ (٧)، فَلَمْ يُؤْتَ إلاَّ بالسَّويق، فَأَمَرَ بِهِ (٨) فثُرِّيَ (٩) لَهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَكَلَ (١٠) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأكَلنا، ثُمَّ قام إلى المغرب، فمضمض (١١)
_________________
(١) أي: سويد.
(٢) أي: عام غزوة رسول الله ﷺ، وهي سنة سبع من الهجرة.
(٣) قوله: خيبر، بخاء معجمية مفتوحة وتحتية ساكنة وموحدة مفتوحة وراء، غير منصرف، مدينة كبيرة على ثمانية بُرد من المدينة إلى جهة الشام.
(٤) بفتح المهملة والمدّ.
(٥) قوله: وهي أدنى خيبر، أي: طرفها مما يلي المدينة، وقال أبو عبيد البكري في "معجم البلدان": هي على بريدين من خيبر، وبيَّن البخاري من حديث ابن عبيد أن هذه الزيادة من قول يحيى بن سعيد أدرجت، كذا في "فتح الباري".
(٦) فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر وإن كان بعضهم أكثر أكلًا.
(٧) جمع زاد: وهو ما يؤكل في السفر.
(٨) أي: بالسويق.
(٩) قوله: فثُرِّي، بلفظ مجهول الماضي من التثرية، أي: بُلَّ، يقال: ثريت السويق إذا بلَّلته، والسويق: ما يؤخذ من الشعير والحنطة وغيرها للزاد، كذا في "الكواكب الدراري".
(١٠) أي: منه.
(١١) قوله: فمضمض، أي: قبل الدخول في الصلاة، وفائدة المضمضة من السويق وإن كان لا دسم له أنه يحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيشغله، كذا في "الفتح".
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (١) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا (٢) نَأْخُذُ، لا وُضُوءَ مِمَّا مسَّته النَّارُ وَلا مِمَّا دَخَلَ (٣) (٤)، إِنَّمَا الوضوءُ (٥) مِمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَدَثِ (٦)، فَأَمَّا مَا دَخَلَ مِنَ الطَّعَامِ مِمَّا مسَّته النَّارُ أَوْ لَمْ تمسَسه فَلا وضوءَ فيه (٧)،
_________________
(١) قوله: ولم يتوضأ: قال الخطابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مسَّت النار منسوخ لأنه متقدم. وخيبر كانت سنة سبع، قلت: لا دلالة فيه، لأن أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر وروى الأمر بالوضوء كما في "صحيح مسلم"، وكان يُفتي به بعد النبي ﷺ كذا في "الفتح".
(٢) أي بما أفادته (في الأصل: "أفاده"، والظاهر: "أفادته") هذه الأخبار.
(٣) في جوف الآدمي.
(٤) من غير ما مسَّته النار.
(٥) قوله: إنما الوضوء مما خرج، كأنه يشير إلى ماروي عن عباس، أنه قال: الوضوء مما خرج وليس مما دخل، أخرجه الدارقطني، وأخرج أيضًا في كتاب "غرائب مالك" عن ابن عمر مرفوعًا: لا ينقض الوضوء إلاَّ ما خرج من قُبُل أو دبر. قال ابن الهُمام في "فتح القدير": ضُعِّف بشعبة مولى ابن عباس، وقال في الكمال: بل بالفضل بن المختار، وقال سعيد بن منصور: إنما يحفظ هذا من قول ابن عباس، وقال البيهقي: رُوي عن عليّ من قوله. انتهى.
(٦) قوله: من الحدث، كالغائط والبول والدم السائل والمذي والقيء وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه.
(٧) قوله: فلا وضوء فيه، لما مرَّ من الأخبار المرفوعة والآثار الموقوفة، ويعارضها أحاديث الأمر بالوضوء مما مسَّته النار، فروى ابن ماجه، عن أبي هريرة مرفوعًا: توضَّؤوا مما غيَّرت النار، فقال ابن عباس: أتوضأ من الحميم؟ فقال: يا ابن أخي إذا سمعتَ عن رسول الله ﷺ حديثًا فلا تضربْ له الأمثال. وروي عن عائشة مرفوعًا: توضؤوا مما مسَّت النار. وروى أبو داود، عن أبي هريرة مرفوعًا: الوضوء مما أنضجت النار. وروي عن سعيد بن المغيرة: أنه دخل على أم حبيبة، فسقته قدحًا من سويق فدعا بماء، فمضمض، فقالت: يا ابن أختي ألا توضأ؟ إن النبي ﵊، قال: توضَّؤوا مما غيَّرت النار. وروى الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: الوضوء مما مسَّت النار ولو من ثور أقط. فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن، أنتوضأ من الحميم؟ فقال: يا ابن
[ ١ / ٢٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أخي، إذا سمعت حديثًا فلا تضرب له مثلًا. وروى النسائي عن المطلب بن عبد الله، قال: قال ابن عباس: أنتوصَّأ من طعام أجده حلالًا في كتاب الله، لأن النار مسَّته؟ فجمع أبو هريرة حَصى وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله ﷺ قال: "توضؤوا مما مسَّت النار". وروى النسائي، عن أبي أيوب مرفوعًا: توضؤوا مما غيَّرت النار. وعن أبي طلحة مرفوعًا مثله. وعن زيد بن ثابت مرفوعًا: توضؤوا مما مسَّت النار. وروى الطحاوي، عن أبي طلحة: أن رسول الله ﷺ أكل ثور أقط، فتوضأ منه. وروى عن زيد بن ثابت مرفوعًا: توضؤوا مما غيَّرت النار. وعن أم حبيبة مرفوعًا: توضؤوا مما مسَّتْ النار. وعن القاسم مولى معاوية: أتيتُ المسجد، فرأيت الناس مجتمعين على شيخ يحدِّثهم، قلت: من هذا؟ قالوا: سهل بن الحنظلة، فسمعته يقول: قال
[ ١ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رسول الله ﷺ: "من أكل لحمًا فليتوضأ". وعن أبي قلابة، عن رجل من الصحابة قال: كنا نتوضَّأ مما غيَّرت النار، ونمضمض من اللبن. وعن أبي هريرة بأسانيد متعددة نحو ما مرَّ. وعن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله، أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت فعلت وإن شئت لا تفعل"، قال: يا رسول، أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم". وروى ابن ماجه، عن البراء: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: "توضؤوا منها". ورُوي عن جابر: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم. ومثله في سنن أبي داود وغيره، عن البراء وغيره. ولاختلاف الأخبار في هذا الباب اختلف العلماء فيه، فمنهم من جعله ناقضًا، بل جعله الزهري ناسخًا لعدم النقض، ومنهم من لم يجعله ناقضًا وحكموا بأنَّ الأمر منسوخ بحديث جابر وغيره وعليه الأكثر، ومنهم من قال: من أكل لحم الإبل خاصة وجب عليه الوضوء وليس عليه الوضوء في غيره أخذًا من حديث البراء وغيره، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث وهو مذهب قوي من حيث الدليل، وقد رجَّحه النووي وغيره. وقد سلك بعض العلماء مسلك الجمع، فاختار بعضهم أن الأمر للاستحباب، واختار بعضهم أن الأمر عزيمة والترك رخصة، واختار بعضهم أن الوضوء في أحاديث الأمر محمول على غسل اليدين. وهو قول باطل أبطله
[ ١ / ٢٣٨ ]
وهو (١) قول أبي حنيفة ﵀.