٢٠٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ (٣) قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي (٤)
_________________
(١) قوله: عن العلاء، ابن العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي أبو وهب أو أبو محمد الدمشقي، روى عن مكحول والزهري وعمرو بن شعيب، وعنه الاَوزاعي وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وغيرهما. قال ابن معين وابن المديني وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: كان من خيار أصحاب مكحول، وقال دُحيم: كان مقدَّمًا على أصحاب مكحول، ثقة مات سنة ١٣٦ هـ، كذا في "تهذيب التهذيب".
(٢) قوله: عن مكحول، هو أبو عبد الله الهذلي الفقيه الدمشقي كثير الإرسال، عن عبادة وأبيّ وعائشة وكبار الصحابة، قال أبو حاتم: ما رأيتُ أفقه من مكحول وقد كثر الثناء عليه، وتوثيقة من النقّاد كما بسطه في "تهذيب التهذيب" و"تذكرة الحفاظ"، مات سنة ١١٣ هـ، وقيل غير ذلك.
(٣) قال ابن عبد البر: كذا رواه جمعة رواة " الموطأ"، ورواه يحيى بن مسلمة بن قعنب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. قال: والصواب ما في "الموطأ".
(٤) قوله: يصلي على راحلته، قال الحافظ: قد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلاَّ أن أحمد (وذكر الباجيُّ الشافعي مع أحمد بن حنبل في استقبال القبلة عن ابتداء التكبير، والظاهر أنه وهم لأن الحافظ أعلم بمذهبه، لم يذكر الاستحباب إلاَّ عن أحمد، وفي "الاستذكار": هذا الأمر مجمع عليه لاخلاف فيه بين العلماء كلهم أنهم يجيزون التطوع للمسافر على دابَّته حيث توجَّهت به للقبلة وغيرها، إلاّ أن منهم جماعة يستحبون أن يفتتح المصلي صلاته مستقبل القبلة، ثم لا يبالي حيث توجّهت به راحلته، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور. اهـ. وقال ابن عابدين من الحنفية: لا يُشترط استقبال القبلة في الابتداء، انظر أوجز المسالك ٣/١٢٣) وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء
[ ١ / ٥٧٣ ]
عَلَى راحلتِهِ (١) فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا توجَّهتْ بِهِ، قَالَ (٢) (٣): وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ ذَلِكَ.
٢٠٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عمر (٤) بن عبد
_________________
(١) الصلاة، وقد أوجبه الشافعية حيث سهل. والحجّة لذلك حديث الجارود، عن أنس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذا أراد أن يتطوَّع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلّى حيث توجّهت ركابه، أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني. انتهى. وحكى ابن بطّال الإجماع على أنه لا يجوز أن تصلى المكتوبة على الدابَّة ما عدا ماذُكر في صلاة شدة الخوف، واعلم أن الجمهور ذهبوا إلى جواز التنفُّل على الدابّة في السفر الطويل والقصير أخذًا بإطلاق الأحاديث في ذلك، وخصّه مالك بالسفر الطويل، قال الطبري: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، قال الحافظ: ولم يتفق على ذلك عنه. وحجّته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره ﷺ، ولم يُنقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك، وقد ذهب أبو يوسف ومن وافقه في التوسعة في ذلك، فجوَّزه في الحضر أيضًا، وقال به من الشافعية الإصطخريُّ، كذا في "ضياء الساري بشرح صحيح البخاري".
(٢) ناقته التي تصلح لأن ترتحل.
(٣) أي: ابن دينار.
(٤) قوله: قال، عقّب الموقوف بالمرفوع مع أن الحجة قائمة بالمرفوع لبيان أن العمل استمرَّ على ذلك، كذا قال الزرقاني.
(٥) قوله: أبو بكر بن عمر، بضمّ العين عند جميع رواة "الموطأ" ومنهم
[ ١ / ٥٧٤ ]
الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ سَعِيدًا (١) أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ أسيرُ مَعَهُ وأتحدَّث مَعَهُ، حَتَّى إِذَا خشيتُ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرَ تخلَّفت (٢)، فنزلتُ (٣) فأوترتُ (٤)، ثُمَّ ركبتُ، فَلَحِقْتُهُ (٥)، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٦)، نزلتُ فأوترتُ وخشيتُ (٧) أَنْ أُصْبِحَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ (٨) لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أسوة (٩)
_________________
(١) يحيى على الصواب، وفتح العين وزيادة واو وَهَمٌ، قاله ابن عبد البر، وقال: هو أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، لم يُوقَف له على اسم، القُرشي العَدويّ المدني، من الثقات، ليس له في "الموطأ" ولا في الصحيحن سوى هذا الحديث الواحد، كذا في "شرح الزرقاني".
(٢) قوله: أن سعيدًا، بفتح السين، ابن يسار بتحتية مخففة السين، التابعي الثقة المدني، مات سنة ١١٧ هـ، وقيل: قبله بسنة، روى له الجماعة، كذا في "شرح الزرقني".
(٣) أي: بقيت خلفه وتركت معيَّته.
(٤) عن مركوبي.
(٥) أي: صلَّيت الوتر على الأرض.
(٦) أي: أدركته.
(٧) هو كنية لابن عمر.
(٨) أي: خفتُ طلوع الفجر فيفوت الوتر.
(٩) استفهام تحقيق.
(١٠) بكسر الهمزة وضمها: قدوة.
[ ١ / ٥٧٥ ]
حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى (١) وَاللَّهِ، قَالَ: فإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ (٢) على البعير.
_________________
(١) فيه الحلف على الأمر الذي يُراد تأكيده.
(٢) قوله كان يوتر على البعير (زاد في النسخة المطبوعة، لموطأ الإمام مالك برواية محمد - بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف - حديث: أخبرنا مالك، أخبرني عمرو بن يحيى، عن سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر: رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجِّه إلى خيبر. قلت: قال الدارقطني وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني، إنما المعروف في صلاته ﷺ على راحلته أو على البعير، انظر صحيح مسلم ٢/٣٥٢)، استدل به الشافعي ومالك وأبو يوسف وغيرهم على أن الوتر سنة، وليس بواجب وإلا لم يجز على الدابة من غير عذر، واحتجّوا لأبي حنيفة في وجوب الوتر بأحاديث، منها حديث: "إن الله زادكم صلاةً ألا وهي الوتر"، أخرجه الترمذي وأبو داود والطبراني وأحمد والدارقطني وابن عديّ من حديث خارجة بن زيد، وإسحاق بن راهويه والطبراني من حديث عمرو بن العاص، والطبراني من حديث ابن عباس، والحاكم من حديث أبي بصرة الغفاري، والدارقطني في "غرائب مالك"، من حديث ابن عمر، والطبراني في "مسند الشاميين"، من حديث أبي سعيد الخدري بطرق يتقوّى بعضها ببعض عل ما بسطه الزيلعي وغيره، قالوا: من المعلوم أن المزيد يكون من جنس المزيد عليه، فيكون الوتر كالمكتوبة التي فرضها الله تعالى، لكن لما كان ثبوته بأخبار آحاد قلنا بوجوبه دون افتراضه، ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي أيوب مرفوعًا: "الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحبّ أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليوتر". ورواه أيضًا أحمد وابن حبان والحاكم وقال: على شرطهما، ومنها ما أخرجه أبو داود والحاكم وصححه مرفوعًا: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا"، ومنها حديث: "أوتروا قبل أن تصبحوا"، أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد، ومنها ما أخرجه عبد الله بن أحمد، عن أبيه بسنده أنَّ معاذ بن جبل قدم الشام، فوجد أهل الشام لا يوترون، فقال لمعاوية: ما لي أرى أهل الشام لا يوترون؟ فقال معاوية: وواجب ذلك عليهم؟ فقال: نعم، سمعت رسول الله يقول: زادني ربي صلاة وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر.
[ ١ / ٥٧٦ ]
٢٠٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، (١) قَالَ: رأيت أنس ابن مَالِكٍ فِي سَفَرٍ يُصَلِّي (٢) عَلَى حِمَارِهِ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِيمَاءً بِرَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى شَيْءٍ (٣) .
٢٠٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ لَمْ يصلِّ (٤) مَعَ صلاة الفريضة
_________________
(١) الأنصاري.
(٢) التطوع.
(٣) زاد البخاري ومسلم، عن ابن سيرين، عن أنس: لولا أنّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فعله لم أفعله.
(٤) قوله: لم يصلِّي إلخ، اتفق العلماء على جواز النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليلهم الأحاديث العامة المطلقة في ندب الرواتب، وحديث صلاته ﷺ الضحى يوم فتح مكة، وركعتي الصبح حين ناموا حتى طلعت الشمس وأحاديث أخر صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة، ولعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، فإن النافل في البيت أفضل، أو لعله تركها في بعض الأوقات تنبيهًا على جواز تركها. وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرِّعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه أنَّ الفريضة متحتمة، فلو شرِّعت تامة لتحتَّم إتمامها، وأما النافلة فهي خيَرة المكلَّف، فالرِّفق به أن تكون مشروعة، ويتخيَّر: إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولاشيء عليه، كذا في "شرح صحيح مسلم" للنووي (انظر المغني ٢/١٤١، وعمدة القاري ٣/ ٥٦٠، وفتح الباري ٢/١٤١) - رحمه الله تعالى -.
[ ١ / ٥٧٧ ]
في السفر التَّطوعَ (١) قبلها (٢) ولا بعدها إلامن جَوْفِ اللَّيْلِ (٣) فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي نَازِلا عَلَى
_________________
(١) أي: النوافل السنن وغيرها.
(٢) قوله قبلها ولا بعدها، وفي "صحيح مسلم"، عن حفص بن عاصم: صحبت ابن عمر في طريق مكة، فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلسنا معه، فكانت منه التفاتة فرأى ناسً قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبِّحون، قال: لو كنت مسبِّحًا لأتممت صلاتي، صحبت رسول الله ﷺ، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان كذلك، ثم قرأ (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةُ) (سورة الممتحنة: رقم الآية ٦) . وأخرج البخاري عنه المرفوع فقط، وجاءت آثار عنه ﷺ، أنه كان ربما كان تنفَّل في السفر قال البراء: سافرت مع رسول الله ثمان عشرة سفرة، فما رأيته يترك الركعتين قبل الظهر. رواه أبو داود والترمزي، والمشهور عن جميع السلف جوازه (قال النووي: اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فتركها ابن عمر وآخرون واستحبهما الشافعي والجمهور، انتهى. والمختار عند الحنفية أن يأتي المسافر بالسنن إن كان في حال أمن واستقرار وإلا إن كان في خوف وقرار، أي: سير لا يأتي به، انظر أوجز المسالك ٣/١١٥)، وبه قال الإئمة الإربعة، كذا قال الزرقاني.
(٣) قوله: الإ من جوف الليل، اختلفوا في النافلة في السفر على ثلاثة أقوال، أحدها: المنع مطلقًا، والثاني: الجواز مطلقًا، والثالث الفرق بين الرواتب فلا تصلّى، وبين النوافل المطلقة فتؤدَّى، وهو مذهب ابن عمر، كذا ذكره النوويّ وغيره، وذكر الحافظ ابن حجر قولًا رابعًا: وهو الفرق بين الليل والنهار، وعليه يدل ظاهر هذا الأثر الذي أخرجه محمد، وقولًا خامسًا: وهو ترك الرواتب التي قبل المكتوبة وأداء ما بعدها وغيرها من النوافل المطلقة كالتهجُّد والضحى وغير ذلك.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الأَرْضِ (١)، وَعَلَى بَعِيرِهِ أَيْنَمَا توجَّه بِهِ.
قَالَ محمد: لابأس أَنْ يصلِّي الْمُسَافِرُ عَلَى دَابَّتِهِ تَطَوُّعًا إِيمَاءً حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ (٢)، يَجْعَلُ السُّجُودَ (٣) أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَأَمَّا الْوِتْرُ وَالْمَكْتُوبَةُ فَإِنَّهُمَا تصلَّيان (٤) عَلَى الأَرْضِ وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الآثَارُ.
٢١٠ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حُصَيْنٍ (٥) قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يصلِّي التطُّوع عَلَى رَاحِلَتِهِ أينما توجَّهت (٦) به فإذا كانت (٧)
_________________
(١) حيث كان يعِّرس
(٢) قوله: حيث كان وجهه، لقوله تعالى: (أينما تولُّوا فثَّم وجه الله) (سورة البقرة: رقم الإية ١١٥) . قال ابن عمر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي على راحلته تطوعًا أينما توجَّهت به، ثم قرأ ابن عمر هذة الإية، وقال: في هذا أنزلت، أخرجه مسلم وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد والترمزي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والطبراني والبيهقي وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححه عنه قال: أنزلت (أينما تولُّوا فثَّم وجه الله)، أن تصلي أينما توجَّهت بك (في الإصل: "به"، وهو خطأ. انظر مستدرك الحاكم ٢/٢٦٦) راحلتك في التطوع.
(٣) أي: إيماءه.
(٤) بصيغة المجهول.
(٥) بالتصغير.
(٦) أي: إلى أي جهة توجهت به.
(٧) قوله: فإذا كانت الفريضة أو الوتر.. إلخ، قد اختلف عن ابن عمر، فحكى مجاهد وحصين وغيرهما كما أخرجه المصنف أنه كان ينزل للوتر، وكذا
[ ١ / ٥٧٩ ]
الْفَرِيضَةِ أَوِ الْوِتْرِ نَزَلَ (١) فصلَّى.
٢١١ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أخبرنا عمر (٢) بن ذر الهمداني، عن
_________________
(١) حكاه سعيد بن جبير، أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وحكى سعيد بن يسار أنه زجره عن نزوله على الأرض كما أخرجه مالك. فأخذ أصحابنا بالآثار الواردة في نزوله للوتر وشيدوه بالأحاديث المرفوعة في نزوله ﷺ للوتر، وقال المجوِّزون لأدائه على الدابة: إنه لا تعارض ههنا إذ يجوز أن يكون النبي ﷺ فعل الأمرين، فأحيانا أدّى الوتر على الدابة، وأحيانا على الإرض، فاقتدى بن ابن عمر، فتارة فعل كما رواه مجاهد وحصين، وتارة بخلافه. ويؤيده ما أخرجه الطحاوي في"شرح معاني الإثار" عن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع قال: كان ابن عمر يوتر على الراحلة، وربما نزل، فأوتر على الأرض، وذكر الطحاوي بعد ما أخرج آثار الطرفين: الوجه في ذلك عندنا أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ كان يوتر على الراحلة قبل أن يحكم بالوتر ويغلظ أمره ثم أحكم بعد ولم يرخص في تركه. ثم أخرج حديث: "إن الله أمركم بصلاة هي خير من حمر النعم، ما بين صلاة العشاء إلى الفجر الوتر، الوتر"، من حديث خارجة وأبي بصرة، ثم قال: فيجوز أن يكون ما روى ابن عمر، عن رسول الله ﷺ من وتره على الراحلة كان منه قبل تأكيده إيّاه، ثم نسخ ذلك ("شرح معاني الآثار" باب الوتر على الراحلة ١/٢٤٩، وأجاب ابن الهمام عن حديث الباب بأنه واقعة حال لا عموم لها، فيجوز كون ذلك لعذر، والإتفاق على أن الفرض يصلّى على الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه. شرح فتح القدير ١/٣٧١) . انتهى. وفيه نظر لا يخفى إذ لا سبيل إلى إثبات النسخ بالإحتمال ما لم يعلم ذلك بنص وارد في ذلك.
(٢) على الأرض.
(٣) قوله: عمر، بضم العين، ابن ذرّ بفتح الذال المعجمة ونشديد الراء المهملة، كذا ضبطه الفتَّني في"المغني" لا بكسر الذال المعجمة كما ذكره
[ ١ / ٥٨٠ ]
مُجَاهِدٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لا يَزِيدُ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، لا يصلِّي قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا، وَيُحْيِي (١) اللَّيْلَ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ أَيْنَمَا كَانَ وَجْهُهُ، وَيَنْزِلُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ (٢) فَيُوتِرُ بِالأَرْضِ، فَإِذَا أَقَامَ لَيْلَةً فِي مَنْزِلٍ أَحْيَى اللَّيْلَ (٣) .
٢١٢ - قَالَ مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبان (٤) بن صالح، عن حماد (٥)، بن أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يصلِّي الصَّلاةَ كُلَّهَا عَلَى بَعِيرِهِ نَحْوَ
_________________
(١) القاري، ابن عبد الله بن زُرارة بضم الزاء المعجمة، الهَمداني نسبة إلى همدان - بالفتح - قبيلة نزلت بالكوفة، قال السمعاني: من أهل الكوفة، يروي عن عطاء ومجاهد، روى عنه وكيع وأهل العراق، مات سنة ١٥٠ هـ، قال ابن حبان: كان مرجئًا. انتهى. وفي"التقريب": عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني بالسكون المرهبي الكوفي، أبو ذر ثقة، رمي بالإرجاء.
(٢) إحياء الليل: السهر فيه.
(٣) لئلا يذهب وقت الوتر فيفوت.
(٤) قوله: أحيى الليل، ظاهر هذا الأثر أنه كان لا ينام الليل، بل يحيي كله بالصلاة أو التلاوة أو الذكر أو غير ذلك، وهو أمر مشهور عنه من طرق أخر أخرجها أبو نعيم في "حلية الأولياء" وغيره. وفيه رد على زعم أن إحياء الليل كلِّه بدعة لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ، وقد حققت الأمر في هذا البحث في رسالتي "إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة".
(٥) بفتح الألف والباء.
(٦) في أربع نسخ: عن حماد، عن أبي سليمان، وهو غلظ، والصحيح حماد بن أبي سليمان كما في كثير من النسخ الصحيحة.
[ ١ / ٥٨١ ]
الْمَدِينَةَ (١) وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ إِيمَاءً، وَيَجْعَلُ (٢) السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ وَالْوِتْرِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ (٣) لَهُمَا، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ (٤) حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَيَجْعَلُ (٥) السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ.
٢١٣ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عيّاش (٦)، حدثني
_________________
(١) فوجهه كان على جهة مقابلة للكعبة.
(٢) ليحصل (في الأصل: "يحصل") التمييز بينهما.
(٣) إلى الأرض
(٤) أي: يصلِّي على الدابة سوى المكتوبة والوتر.
(٥) قوله: يجعل السجود أخفض إلخ، هذا المرفوع يردّ على ابن دقيق العيد في قوله: الحديث يدل على الإيماء مطلقًا في الركوع والسجود معًا والفقهاء قالوا: يكون السجود أخفض من الركوع ليكون البدل على وفق الأصل، وليس في لفظ الحديث ما يثبته ولا ينفيه (انظر فتح الباري ٢/٥٧٤) . انتهى. نقله الحافظ عن ابن حجر تحت ما أخرجه البخاري، عن عبد الله بن دينار قال: كان عبد الله بن عمر يصلِّي في السفر على راحلته أينما توجهت به يومئ. فظاهر قوله: والفقهاء إلى آخره يدل على أنه لم يجد نصًا في ذلك مرفوعًا، ونص آخر وهو ما أخرجه الترمزي (في باب الصلاة على الدابة حيثما توجَّهت ١/١٨٢)، عن جابر، وقال: حسن صحيح، بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلِّي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع.
(٦) بتشديد الياء التحتية.
[ ١ / ٥٨٢ ]
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ (١) أَنَّهُ كَانَ يصلِّي عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ وَلا يَضَعُ (٢) جَبْهَتَهُ، وَلَكِنْ يُشِيرُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِرَأْسِهِ، فَإِذَا نَزَلَ أَوْتَرَ.
٢١٤ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ (٣) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ (٤) الضَّبِّي، عَنِ إِبْرَاهِيمَ النَّخعي: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يصلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ تَطَوُّعًا، يُومِئُ إِيمَاءً وَيَقَرْأُ (٥) السَّجْدَةَ فَيُومِئُ، وَيَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ وَالْوِتْرِ.
٢١٥ - قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ (٦) بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ نافع، عن
_________________
(١) هو عروة بن الزبير بن العوام.
(٢) أي: على الراحلة.
(٣) قوله: خالد، الظاهر أنه خالد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يزيد الطحان أبو الهيثم الواسطي، روى عن اسماعيل بن أبي خالد وحميد الطويل وسليمان التيمي وأبي اسحاق الشيباني وغيرهم، وعنه وكيع وابن مهدي ويحيى القطان وغيرهم وثقه ابن سعد وأبو زرعة والنسائي وأبو حاتم والترمزي، مات سنة ١٧٩ هـ، كذا في "تهذيب الكمال" للمزِّي.
(٤) قوله: المغيرة، هو المغيرة بضم الميم وكسر الغين ابن مقسم - بكسر الميم - الضَّبِّي بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء نسبته إلى ضبَّة قبيلة، مولاهم أبي هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن إلا أنه كان يدلِّس، روى عن النخعي والشعبي وأبي وائل، وعنه جرير وشعبة وزائدة وغيرهم، مات سنة ١٣٦ هـ على الصحيح، كذا في "الكاشف" و"التقريب".
(٥) أي: يقرأ آية السجدة في الصلاة، فيومئ بسجدة التلاوة.
(٦) قوله: أخبرنا الفضل بن غزوان، هكذا وجدنا في عدة نسخ صحيحة،
[ ١ / ٥٨٣ ]
ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ به راحلته صلّى والتطوع، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ نَزَلَ (١) فَأَوْتَرَ.