١٧٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ (١) بنُ أَبِي الْحَكِيمِ، عَنْ عَطَاءِ (٢) بْنِ يسارْ: أَنَّ (٣) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كبَّر فِي صَلاةٍ (٤) مِنَ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أَشَارَ (٥) إِلَيْهِمْ بِيَدَهِ أَنِ امْكُثُوا، فَانْطَلَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ (٦) وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرٌ فصلَّى (٧) .
_________________
(١) القرشي، وثَّقه ابن معين والنسائي، مات سنة ١٣٠ هـ، كذا ذكره الزرقاني.
(٢) قوله: عطاء، أخو سليمان وعبد الله وعبد الملك موالي ميمونة أم المؤمنين كاتَبَتهم وكلُّهم أخذ عنها العلم، وعطاء أكثرهم حديثًا، وكلهم ثقة، ذكره الزرقاني.
(٣) قوله: أنَّ، قال ابن عبد البر: هذا مرسل، وقد رُوي متَّصلًا مسنَدًا من حديث أبي هريرة وأبي بكرة. قلت: حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (أخرجه البخاري في ٥ - كتاب الغسل، ١٧ - باب إذا ذَكَر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمَّم، ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٩ - باب متى يقوم الناس للصلاة، حديث ١٥٧، ١٥٨) ومسلم وأبو داود والنسائي، وحديث أبي بكرة. أخرجه أبو داود، وكذا في "التنوير".
(٤) هو الصبح كما في رواية أبي داود من حديث أبي بكرة.
(٥) قوله: ثم أشار، مثله في رواية أبي هريرة، فقوله في رواية الصحيحن: (فقال لنا: مكانَكم) من إطلاق القول على الفعل.
(٦) وفي رواية أبي هريرة: فاغتسل ثم رجع إلينا ورأسه يقطر فكبَّر.
(٧) زاد الدارقطني فقال: إني كنت جنبًا فنسيتُ إن أغتسل.
[ ١ / ٥٢٢ ]
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، مَنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ فِي صَلاةٍ، فَلا بَأْسَ (١) أَنْ يَنْصَرِفَ وَلا يتكلم فيتوضأ،
_________________
(١) قوله: فلا بأس إلخ، أقول: استنباط هذه المسألة من حديث الباب كما فعله محمد غير صحيح. أما أوَّلًا: فلأنه قد رُويت قصة انصراف النبي ﷺ من الصلاة من حديث أبي هريرة بلفظ: خرج رسول الله ﷺ وقد أُقيمت الصلاة وعُدِّلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاّه انتظرنا أن يكبر فانصرف، وفي رواية: فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا مكانكم. وهذا دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، نعم ورد في "سنن أبي داود" من حديث أبي بكرة أنه دخل في صلاة الفجر، فكبَّر ثم أومأ إليهم، والجمع بينهما بحمل قوله كبر على أنه أراد أن يكبِّر، وأبدى عياض والقرطبي احتمال أنهما واقعتان، وقال النووي: إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان، فإن ثبت التعدّد فذاك، وإلاَّ فما في "الصحيحين" أصح كذا في "فتح الباري". إذا عرفت هذا فنقول: إن اختير طريق الجمع وحمل المجمل على المفصل فقوله: (كبَّر) في حديث الباب يكون محمولًا على إرادة التكبير فلا يكون له دلالة على انصراف من سبقه حدث في الصلاة. وأما ثانيًا: فلأن انصراف رسول الله ﷺ المرويّ في حديث الباب إنما كان لأجل أنه كان جنبًا فنسي ودخل في الصلاة قبل الغسل كما أوضحه ما في رواية الدارقطني، ثم رجع وقد اغتسل فقال: إني كنت جنبًا فنسيتُ أن أغتسل. وقد ورد في "صحيح البخاري" وغيره أيضًا التصريح بأنه اغتسل ثم رجع ورأسه يقطر ماءً. فعُلم أن انصرافه كان لحدثٍ سابق على الصلاة، لا لحدث في الصلاة، والمقصود هذا لا ذاك. وأما ثالثًا: فلأنه قد ورد في "صحيح البخاري" وغيره أنه رجع بعد ما اغتسل ورأسه يقطر ماءً، والحدث الذي يجوز بحدوثه في الصلاة البناء إنما هو الحدث
[ ١ / ٥٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الذي يوجب الوضوء لا الذي يوجب الغسل. وأما رابعًا: فلأن الإمام إذا أحدث في الصلاة فذهب للتوضؤ فلا بدَّ له أن يستخلف فلو لم يستخلف فسدت صلاته وصلاة من اقتدى به كما هو مصرَّح في موضعه، ولم يُنقل في الأخبار أنه ﵇ استخلف أحدًا، فكيف يستقيم الأمر. وأما خامسًا: فلأنه ورد في حديث أبي هريرة: ثم رجع إلينا ورأسه يقطر ماءً فكبَّر. وهذا نص في أنه لم يبنِ على ما سبق، بل استأنف التكبير. وكيف يجوز له البناء على التكبير السابق إن ثبت أنه خرج بعد ما كبَّر؟ فإنه كان قد أدّاه على غير طهارة، ولا يجوز البناء على ما أداه بغير طهارة، بل على ما أدّاه بطهارة. وبالجملة إذا جُمعت طرق حديث الباب ونُظر إلى ألفاظ رواياته وحُمل بعضها على بعض عُلم قطعًا أنه لا يصلح لاستنباط ما استنبطه محمد ﵀. وبه يظهر أنه لا يصح إدخال هذا الحديث في باب الحدث في الصلاة (قال شيخنا في الأوجز ١/٢٩٤: إن رواية الموطأ هذه ورواية الصحيحين المذكورة لو حملتا على أنهما واقعة واحدة فلا إشكال أصلًا، إلاَّ أن الظاهر عندي أنهما واقعتان مختلفتان، ولما كان عند الإمام مالك حكم الحدث السابق واللاحق واحدًا، يعني إذا صلّى الإمام ناسيًا محدثًا أو جنبًا ثم تذكَّر، وكذلك إذا أحدث في وسط الصلاة ففي كلا الحالين تفسد صلاته عند المالكية، ولا يجوز البناء، فلذا ذكر هذا الحديث في إعادة الصلاة لأن (كبّر) لو حمل على ظاهره بطلت الصلاة عند المالكية أيضًا وتجب الإعادة فيصح إدخال الحديث في باب الإعادة. وأما عند الحنفية، فحديث الباب ليس من باب الجنابة بل من باب سبق الحدث في الصلاة ولذا أدخله الإمام محمد في "موطئه".. وليست هذه قصة الجنابة المذكورة في الصحيحين وغيرهما، وإيرادات العلاّمة عبد الحيّ في حاشية "الموطأ"، من المستغربات. وقد تقدم أنَّ عياضًا والقرطبي والنووي وابن حبان كلهم قالوا بتعدد القصة، وما أورد الشيخ عبد الحيّ على استنباط الإمام محمد، فمبنيّ على وحدة القصتين إلاّ قوله: ولم ينقل أنه استخلف أحدًا، وأنت خبير بأنَّ اتحاد القصتين خلاف ما عليه الجمهور وعدم النقل لشيء يغاير نقل العدم والحجة في الثاني دون الأول، وحديث الباب في حمله على قصة الجنابة مع شروع الصلاة مشكل على الجمهور كلهم كما تقدم من أقوال الحنفية والمالكية، وقال الشافعي: لو أن إمامًا صلّى ركعة ثم ذكر أنه جنب، فخرد واغتسل وانتظره القوم وبنى على الركعة الأولى فسدت عليه وعليهم صلاتهم لأنهم يأتمّون به عالمين أن صلاته فاسدة وليس له أن يبني على ركعة صلاها جنبًا، ولو علم بعضهم دون بعض فسدت صلاة من علم. اهـ. وكذلك عند الحنابلة، فعُلم أنَّ حديث الباب في حمل قوله: (كبَّر) على معناه الحقيقي لا يوافق أحدًا من الأئمة، فإما أن يحمل على المجاز من قوله أراد (أن يكبر)، أو يحمل على تعدُّد القصَّة. اهـ. مختصرًا)، لأنه لم يكن هناك
[ ١ / ٥٢٤ ]
ثُمَّ يَبْنِيَ (١) عَلَى مَا صَلَّى، وَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ويتوضَّأ وَيَسْتَقْبِلَ صَلاتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) - ﵀ -.