٣٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ (٣)،
_________________
(١) ابن عبد البَرّ وغيره، والكلام في هذا المبحث طويل (انظر السعاية في كشف ما في "شرح الوقاية" ١/٢٦٨) .
(٢) أي: عدم الوضوء فيه.
(٣) بأن يكون الماء موضوعًا في إناء واحد ويغترفان منه.
(٤) قوله: حدَّثنا نافع، قال شيخ الإسلام الذهبي في "تذكرة الحفاظ": نافع أبو عبد الله العدوي المدني حدَّث عن مولاه ابن عمر، وعن عائشة، وأبي هريرة، وأم سلمة، ورافع بن خديج، وطائفة، وعنه أيوب، وعبيد الله، وابن جريج، والأوْزاعي، ومالك، والليث، وخلق، قال البخاري وغيره: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال ابن وهب: حدَّثني مالك، قال: كنت آتي نافعًا وأنا غلام حديث السنّ فيحدِّثني، وكان يجلس بعد الصبح في المسجد لا يكاد يأتيه أحد، قال حماد بن زيد ومحمد بن سعد: مات نافع سنة ١١٧ هـ، وقال يحيى بن معين: نافع ديلمي، وعن نافع، قال: خدمت ابن عمر ثلاثين سنة، فأُعطي ابن عمر فيَّ ثلاثين ألفًا، فقال: إني أخاف أن تفتني دراهم، فأعتقني. انتهى ملخَّصًا. وفي "جامع الأصول": نافع بن سَرْجِس - بفتح السن المهملة الأولى وسكون الراء المهملة وكسر الجيم - مولى ابن عمر كان ديلميًا من كبار التابعين المدنّيين من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذي يُجمع على حديثهم ويُعمل به، ومعظم حديث ابن عمر عليه دار، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع، عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد، مات سنة ١١٧ هـ، وقيل سنة ١٢٠ هـ.
[ ١ / ٢٣٩ ]
عن ابنِ عمر (١):
_________________
(١) انتهى. ومثله في "إسعاف المبطَّأ برجال الموطأ" للسيوطي، فإنه قال: نافع بن سرجس الديلمي مولى ابن عمر المدني عن مولاه، ورافع بن خديج، وأبي هريرة، وعائشة، وأم سلمة، وطائفة، وعنه بنوه عبد الله، وأبو بكر، وعمر، والزهري، وموسى بن عقبة، وأبو حنيفة، ومالك، والليث، وخلق. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مات سنة ١١٧ هـ. انتهى. والذي يعلم من ثقات ابن حبان أن نافعًا مولى ابن عمر ليس بابن سرجس بل هو غيره، فإنه قال أولًا في حرف النون نافع مولى ابن عمر، أصابه ابن عمر في بعض غزواته، كنيته أبو عبد الله، اختُلف في نسبه ولم يصح فيه عندي شيء فأذكره، يروي عن ابن عمر، وأبي سعيد، روى عنه الناس، مات سنة ١١٧ هـ. انتهى. ثم قال: نافع بن سرجس الحجازي مولى بني سباع كنيته أبو سعيد، يروي عن أبي واقد الليثي، روى عنه عبد الله بن عثمان بن خشيم. انتهى وذكر صاحب المشكاة في "أسماء رجال المشكاة" في نسبه مثل ما في "جامع الأصول"، حيث قال: نافع بن سرجس - بفتح السين الأولى وسكون الراء وكسر الجيم - كان ديلميًا من كبار التابعين، سمع ابن عمر وأبا سعيد، وعنه خلق كثير، منهم مالك والزهري. انتهى. وذكر في "التقريب" و"التهذيب" و"تهذيبه" و"الكاشف": نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، مات سنة ١١٧ هـ، من غير ذكر نسبه.
(٢) قوله: عن ابن عمر، المراد به حيث أُطلق عبد الله بن عمر بن الخطاب وإن كان له أبْناء آخرون أيضًا، كما أنه يُراد بابن عباس وابن مسعود وابن الزبير عند الإطلاق هو عبد الله. ترجمته مبسوطة في "تذكرة الحفاظ" للذهبي وغيره، وفي "الإسعاف" عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عبد الرحمن المكي، أسلم قديمًا مع أبيه وهو صغير، بل روي أنه أوَّل مولود وُلد في الإسلام، واستُصغر يوم أحد، وشهد الخندق وما بعدها، وقال فيه النبي ﷺ: "أنه رجل صالح"، ورى
[ ١ / ٢٤٠ ]
كان الرجالُ (١) والنساءٌ يتوضَّؤون (٢) جميعًا (٣)
_________________
(١) عنه بنوه: سالم، وحمزة، وعبد الله، وبلال، وعبيد الله، وعمر، وزيد، وحفيده محمد بن زيد، وأبو بكر بن عبيد، ومولاه نافع، وزيد بن أسلم، وعطاء، وخلق، ومسنده عند بقيّ بن مخلد ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، توفي سنة ٧٣ هـ وقيل سنة ٧٤ هـ. انتهى.
(٢) قوله: كان الرجال إلخ، فإن قلت: يعارضه ما رُوي أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وَضوء المرأة، قلت: حديث الإباحة أصح، كذا في "الكواكب الدراري".
(٣) قوله: يتوضؤون، قال الرافعي: يريد كل رجل مع امرأته، وأنهما كانا يأخذان من إناء واحد، وكذلك ورد في بعض الروايات. قلت: ما تكلم على هذا الحديث أحسن من الرافعي، فلقد خلط فيه جماعة، كذا في "التنوير".
(٤) زاد ابن ماجه، عن هشام بن عروة، عن مالك في هذا الحديث: من إناء واحد. وزاد أبو داود من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: ندلي فيه أيدينا. وظاهر قوله "جميعًا" أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة، وحكى ابن التِّين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا في موضع واحد، هؤلاء على حده وهؤلاء على حده، والزيادة المتقدمة في قوله: من إناء واحد تردّ عليه. وإن كان هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب، فقد أجاب ابن التِّين عنه بما حكاه عن سحنون أن معناه: كان الرجال يتوضؤون فيذهبون، ثم تأتي النساء فتتوضأن. وهو خلاف الظاهر من قوله جميعًا، وقد وقع مصرَّحًا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث من طرق معتمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه أبصر النبي ﷺ وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهَّر منه، والأَولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده بالزوجات والمحارم، كذا في "فتح الباري".
[ ١ / ٢٤١ ]
فِي زمنِ (١) رسولِ اللَّهِ ﷺ (٢) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: لا بَأْسَ (٣) بِأَنْ تتوضَّأ المرأةُ وتغتسلُ مع الرجلُ من
_________________
(١) قوله: في زمن إلخ، يُستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف فعلًا إلى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يكون حكمه الرفع وهو الصحيح، كذا في "الفتح".
(٢) وفي نسخة زيادة " من إناء واحد".
(٣) قوله: لا بأس..إلخ، قد وردت بذلك أخبار كثيرة: فمن ذلك ما أخرجه أصحاب السنن والدارقطني وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما من حديث ابن عباس، عن ميمونة قالت: أجنبتُ فاغتسلتُ من جفنة، فبقيَتْ فيها فضلة، فجاء النبيّ ﷺ يغتسل منه، فقت له، فقال: الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه. هذا لفظ الدارقطني، وقد أعلَّه قوم بأن فيه سماك بن حرب الراوي عن عكرمة، وكان يَقبل التلقين. وردَّه ابن حجر في "فتح الباري" بأنه قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلاَّ صحيح حديثهم. وروى الشيخان وغيرهما: أن النبي ﷺ وميمونه كانا يغتسلان من إناء واحد. وأخرج الطحاوي، عن عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد. وعن أم سلمة: كنت إغتسل أنا ورسول الله ﷺ من مركن واحد نفيض على أيدينا حتى ننقيها، ثم نفيض علينا الماء. وعن عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد يبدأ قبلي، وفي رواية: من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة. وعن عروة: أن عائشة والنبي ﷺ كانا يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله. وعن ابن عباس، عن بعض أزواج النبي ﷺ: اغتسلتُ من جنابة، فجاء
[ ١ / ٢٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) النبي ﷺ يتوضأ، فقالت له، فقال: "إن الماء لا ينجسه شيء". وهناك أخبار وردت بالمنع عن الوضوء بفضل المرأة: ففي سنن أبي داود والنسائي، عن داود بن عبد الله قالت: لقيتُ رجلًا صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعًا. وفي سنن أبي داود، عن الحكم، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طَهور المرأة. ولابن ماجه، عن عليّ: كان النبي ﷺ وأهله يغتسلون من إناء واحد، ولا يغتسل أحدهما بفضل صاحبه. وله، عن عبد الله بن سَرْجِس: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة بفضل وضوء الرجل (وفي الأصل: "الرجل"، والظاهر: "وضوء الرجل")، ولكن يشرعان جميعًا. ولاختلاف الأخبار اختلفت الآراء على خمسة أقوال: الأول: كراهة تطهُّر المرأة بفضل الرجل وبالعكس. والثاني: كراهة تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وجواز العكس. والثالث: جواز التطهر إذا اغترفا جميعًا وإذا خلت المرأة فلا خير في الوضوء بفضلها. والرابع: أنه لا بأس بتطهُّر كل منهما بفضل الآخر شَرَعا (في الأصل: "شرعًا"، وهو خطأ، والصواب: "شَرَعا") جميعًا أو تقدّم أحدهما وعليه عامة الفقهاء. والخامس: جواز ذلك ما لم يكن الرجل جنبًا والمرأة حائضًا. وقد رُوي عن ابن عباس وزيد وجمهور الصحابة والتابعين جواز الوضوء
[ ١ / ٢٤٣ ]
إناءٍ (١) واحدٍ (٢) إِنْ بدأتْ قَبْلَهُ أَوْ بَدَأَ قَبْلَهَا (٣)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٤) ﵀.
_________________
(١) بفضل المرأة إلاَّ ابن عمر، فإنه كره فضل وضوء الجنب والحائض، كذا في "الاستذكار". والجواب للجمهور عن أحاديث النهي بوجوه: أحدها: أنها ضعيفة بالنسبة إلى أحاديث الإباحة، والثاني: أن المراد النهي عن فضل أعضائها، أي: المتساقط منها. والثالث: أن النهي للاستحباب والأفضل، كذا قال النووي في شرح صحيح مسلم.
(٢) بأن يأخذا الماء منه لا أنهما يتوضأان فيه.
(٣) قوله: من إناء واحد، نقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال المرأة والرجل من الإناء الواحد، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر، عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، ونقل النوويّ أيضًا الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي، وثبت عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع، لكن مقيَّدًا بما إذا كان جنبًا، وأما عكسه فصحَّ عن عبد الله بن سرجس ﵁ وسعيد بن المسيب والحسن البصري أنهم منعوا عن التطهير بفضل المرأة، وبه قال أحمد وإسحاق، لكن قيَّده بما إذا خَلَتْ به، كذا في "الفتح".
(٤) أي: سواء كانت بداية المرأة قبل الرجل أو بالعكس.
(٥) وأبي يوسف، ذكره الطحاوي.
[ ١ / ٢٤٤ ]