١٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا (٣)
_________________
(١) حدث في الصلاة، ولعلَّ محمدًا نظر إلى قوله: (كبَّر)، فحمله على الدخول في الصلاة وإلى قوله: (ثم رجع وعلى جلده أثر الماء)، فحمله على أنه توضأ، وحمل قوله: (فصلّى) على أنه بنى، وأيَّده بأنه أشار إليهم أن امكثوا، ولم يتكلَّم كما هو شأن الباني، فاستنبط منه ما استنبط.
(٢) قد ذكرت الأحاديث الدالة على هذا في باب الوضوء من الرعاف، فانظر هناك.
(٣) وبه قال جماعة، وخالفهم جماعة في البناء كما مرَّ منّا ذكره في باب الوضوء من الرعاف.
(٤) قوله: أخبرنا عبد الرحمن، قال الحافظ ابن حجر: هذا هو المحفوظ، رواه جماعة عن مالك، فقالوا عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، أخرجه النسائي والإسماعيلي والدارقطني وقالوا: الصواب الأول.
[ ١ / ٥٢٥ ]
عبدُ الرَّحْمَنِ (١) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ (٢) أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (٣) الخُدْري أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلا (٤) مِنَ اللَّيْلِ يَقْرَأُ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يردِّدها (٥)، فَلَمَّا أَصْبَحَ حدَّث النَّبِيَّ ﷺ كأنَّ (٦) الرَّجُلَ (٧) يُقَلِّلُها (٨)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "والذي نفسي بيده إنها (٩)
_________________
(١) قوله: عبد الرحمن، الأنصاري المازني، وثقه النسائي وأبو حاتم، مات في خلافة المنصور كذا في "الإسعاف".
(٢) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة التابعي الثقة، كذا قال الزرقاني.
(٣) سعد بن مالك بن سنان.
(٤) هو قتادة بن النعمان أهو أبي سعيد الخدري لأمِّه كما صرح به في رواية "مسند أحمد".
(٥) لأنه لم يحفظ غيرها، أو لما رجاه من فضيلتها قاله أبو عمر (في الأصل: "أبو عمرو") .
(٦) بفعل ماض أو بشد النون.
(٧) بالنصب أو الرفع الذي جاء وذكر، وهو أبو سعيد.
(٨) أي: يعتقد أنها قليلة.
(٩) قوله: إنها لتعدل (أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٣ - باب فضل: قل هو الله أحد)، أي: تساوي ثلث القرآن لأن معاني القرآن ثلاثة علوم: علم التوحيد، وعلم الشرائع، علم تهذيب الأخلاق. وسورة الإخلاص يشمل على القسم الأشرف منها الذي هو كالأصل للقسمين، وهو علم التوحيد، وقال الطِّيبي: ذلك لأن القرآن على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وصفات الله و﴿قل هو الله ﴾ متمحِّضة للصفات فهي ثلث القرآن، وقيل:
[ ١ / ٥٢٦ ]
لَتَعْدِلُ ثُلُثَ (١) القرآن".
_________________
(١) ثوابها يضاعف بقدر ثلث القرآن، فعلى الأول لا يلزم من تكريرها استيعاب القرآن وختمه وعلى الثاني يلزم، وقال ابن عبد البر: من لم يتأوَّل هذا الحديث أخلص ممن اختار الرأي، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، فإنهما حَمَلا الحديث على أن معناه أن لها فضلًا في الثواب تحريضًا على تعلُّمها لا أن قراءتها ثلاث مرات كقراءة القرآن، قال: وهذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة، كذا في "مرقاة المفاتيح" (٤/٣٤٩، وانظر: فتح الباري ٨/٦٠) .
(٢) قوله: ثلث القرآن، قد وقع النزاع بين طَلَبَتي المستفيدين مني بحضرتي سنة إحدى وتسعين بعد الألف والمائتين في أنه إذا قرأ سورة الإخلاص هل يجد ثواب قراءة تمام القرآن؟ فقال بعضهم: نعم، مستندًا بهذا الحديث، ورده بعضهم بأن جميع الأثلاث إنما يبلغ إلى الواحد التام إذا كانت من جنس واحد، وإلا فلا، وليس في الحديث تصريح بشيء من ذلك، فحضروا لديّ سائلين تحقيق الحق في ذلك، فقلت: قد صرّح جمع من الفقهاء والمحدثين بذلك فقالوا: غرضنا أنه هل يُستنبط ذلك من هذا الحديث أم لا؟ فقلت: إن كانت الثلثية معللة باشتمالها على ثلث معاني القرآن، وهو التوحيد كما هو رأي جماعة. فلا دلالة لهذا الحديث على حصول ثواب ختم القرآن بالتثليث لأن التثليث حينئذٍ يكون تثليثًا لآيات التوحيد فقط ولا يشتمل على ما (في الأصل: "ما في القرآن"، والصواب: "على ما في القرآن") في القرآن، وإن حُمل ذلك على كون ثوابه بقدر ثواب ثلث القرآن مع قطع النظر عن ما ذكر يمكن ثواب الختم التام بالتثليث، فانقطع النزاع منهم. ثم وجدت في "معجم الطبراني الصغير "أنه أخرج عن أحمد بن محمد البزار الأصبهاني، نا الحسن بن علي الحلواني، نا زكريا بن عطية، نا سعد بن محمد بن المسور بن إبراهيم، حدثني عمي سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: من قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ بعد صلاة الصبح اثني عشر مرة، فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذٍ إذا اتقى، فصار هذا أدل على المقصود قاطعًا للنزاع.
[ ١ / ٥٢٧ ]
١٧٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: قَالَ معاذُ بْنُ جَبَلٍ (١): لأَنْ أذكرَ اللهَ مِنْ بُكرة (٢) إِلَى اللَّيْلِ أحبُّ (٣) إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ عَلَى جِياد (٤) الْخَيْلِ مِنْ بُكرة حَتَّى اللَّيْلِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ذِكْرُ اللَّهِ حَسَنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ (٥)
١٧٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عمر: أن النبي ﷺ
_________________
(١) قوله: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وكان أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومات في طاعون عَمَواس، كذا في "الإسعاف".
(٢) أي: من أول النهار.
(٣) قوله: أحبّ إليَّ إلخ، فيه تفضيل الذكر على الجهاد وهو أمر توقيفي لا يُدرك بالرأي، وقد ورد به حديث مرفوع أيضًا، وورد بعض الأحاديث بتفضيل الجهاد على جميع الأعمال، والجمع بينهما أن الجهاد الكامل المتضمِّن لبذل المال وإظهار الحجة والبيان وتدبير الأمور بالرأي والتوجه بالدعاء والقلب والقتال باليد أفضل الأعمال مطلقًا، وما سواه من أنواعه يفضل عليه الذكر، كذا حققه برهان الدين إبراهيم بن أبي القاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن جعمان الشافعي في "عمدة المتحصنين شرح عدة الحصن الحصين".
(٤) بالكسر جمع جيد.
(٥) قوله: على كل حال، حتى حالة التغوط والجماع فإنه وإن كان الذكر اللساني منهيًا عنه عند ذلك لكن لا شبهة في حُسن الذكر القلبي، وقد ورد من حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه.
[ ١ / ٥٢٨ ]
قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ (١) الإِبِلِ المُعَلَّقة (٢)، إِنْ عاهَدَ (٣) عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ.