قَال صَاعِدُ بْنُ أَحْمَدَ (١): "أَحَدُ المُتْقِنِيْن المُتَوَسِّعِيْنَ في ضُرُوْبِ المَعَارِفِ، مِنْ أَهْلِ الفِكْرِ الصَّحِيْحِ، والنَّظَرِ النَّاقِدِ، والتَّحْقِيْق بِصِنَاعَةِ الهَنْدَسَةِ، والرُّسُوْخ في عِلْمِ النَّحْو واللُّغَةِ والشِّعْرِ والخَطَابَةِ، والإحْكَامِ لِعِلْمِ الفِقْهِ والأثَرِ والكَلامِ، وهُوَ مَعَ ذلِكَ شَاعِرٌ بَلِيْغٌ، لَيْسَ يَفْضُلُهُ عَالِمٌ بالأنْسَابِ والأخْبَارِ والسِّيَرِ، مُشرفٌ على جُمَلِ سَائِر العُلُوْمِ". وَقَال صَاعِدٌ أَيْضًا: (٢) "أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ: أَحَدُ رِجَالِ الكَمَالِ فِي وَقْتِهِ بِاحْتِوَائِهِ عَلَى فُنُوْن المَعَارِفِ وَجَمْعِهِ لِكُليَّاتِ العُلُوْمِ، وَهُوَ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ بالنَّحو واللُّغَةِ وَمَعَانِي الأشْعَار، وَعِلْمِ العَرُوْضِ، وَصِنَاعَةِ البَلاغَةِ، وَهُوَ بَلِيْغٌ، مُجِيْدٌ، شَاعِرٌ، مُتَقَدِّمٌ، حَافِظٌ للسُّنَنِ وَأَسْمَاءِ نَقَلَةِ الأخْبَارِ، بَصِيْرٌ بِأُصُوْلِ الاعْتِقَادَاتِ، وَأُصُوْلِ الفِقْهِ، وَاقِفٌ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْ فَتَاوَى فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، نَافِذٌ فِي عِلْمِ الشُّرُوْطِ والفَرَائِضِ مُتَحَقِّقٌ بَعَلْمِ الحِسَاب وَالهَنْدَسَةِ، مُشْرِفٌ عَلَى جَمِيع آرَاءِ الحُكَمَاءِ، حَسَنُ النَّقْدِ لِلْمَذَاهِبِ، ثَاقِبُ الذِّهْنِ في تَمْيِيْزِ الصَّوَابِ، وَيَجْمَعُ إِلَى ذلِكَ آدَاب الأخْلاقِ، مَعَ حُسْنِ المُعَاشَرَةِ، وَلِيْنِ الكَنَفِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ".
وَقَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ البَاقِي بنُ مُحَمَّدٍ الحِجَارِيُّ (٣) "وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّيُوَالِيُّ يَقُوْلُ: وَاللهِ مَا أَقُوْلُ فِيْهِ إِلَّا كَمَا قَال الشَّاعِرُ:
وَكَانَ مِنَ العُلُوْمِ بِحَيْثُ يُقضَى لَهُ فِي كُلِّ عِلْمٍ بِالجَمِيعِ"
_________________
(١) طبقات الأُمم (١١٤، ١١٥).
(٢) نقله عنه ابن بشكوال في الصِّلة (٦٥٣)، وابن دِحْيَةَ في المُطب (٣٢٣) وغيرهما.
(٣) أَبُو بكرٍ المذكور هُنَا هو أحد تلاميذ أبي الوليد. سبق ذكره في مبحث تلاميذه. وقوله هذَا في الصِّلة (٦٥٣).
[ مقدمة / ٦٠ ]
وَوَصَفَهُ القَاضِي عِيَاضٌ، بِأَنَّهُ (١) "كَانَ غَايَةً فِي الضَّبْطِ والتَّقْيِيْدِ والإتْقَانِ وَالمِعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ وَالأَدَبِ، لهُ تَنْبِيْهَات وَرُدُوْدٌ عَلَى كِبَارِ أَهْلِ التَّصَانِيْفِ التَّارِيْخِيّةِ وَالأدَبيَّة يَقْضِي نَاظِرُهَا العَجَبَ، تُنْبِئُ عَنْ مُطَالعَتِهِ وَحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ، وَنَاهِيْكَ مِنْ حُسْنِ كِتَابِهِ فِي تَهْذِيْبِ الكُنَى لِمُسْلِمِ الَّذِي سَمَّاهُ بـ"عَكْسِ الرُّتْبَةِ"، وَمِن تَنْبِيْهَاتِهِ عَلَى أَبِي نَصْرٍ الكَلابَاذِيِّ، وَ"مُؤْتَلِفِ" الدَّارَقُطْنِيِّ وَ"مَشَاهِد ابْنِ هِشَامٍ" وَغَيْرها".
وَمَعَ ثَنَاءِ القَاضِي عِيَاض -﵀- عَلَى أَبي الوَلِيْد، كَانَ مُنْتَقِدًا لَهُ في جَسَارَتِهِ وَإِقْدَامِهِ عَلَى تَغْيير الرِّوَايَةِ فِي الحَدِيْثِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَ، وَرُبَّمَا أَخْطَأَ فَخَطَّأَ الصَّوَابَ، وَوَهم وَغَلط، قَال فِي "الإلماع" (٢): "وَالَّذِي اسْتَمَر عَلَيْه عَمَل أَكْثَر الأشْيَاخِ نَقْل الرِّوَايَة كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ وَسَمِعُوهَا، وَلَا يُغَيِّرُوْنَهَا فِي كُتُبِهِم، وَمِنْهُم مَن يَجْسُر عَلَى الإصْلاحِ، وَكَانَ أَجْرَأَهُم عَلَى هَذَا مِنَ المُتَأَخَرِيْنَ القَاضِي أَبُو الوَليْد هِشَامُ بنُ أَحْمَد الكِنَانِيُّ الوَقَّشِيُّ، فَإِنَّهُ لِكَثرةِ مُطَالعَتِهِ، وَتَفَنُّنِهِ فِي الأَدَبِ وَاللُّغَةِ، وَأَخْبَار النَّاسِ، وَأَسْمَاءَ الرِّجَالِ وَأَنْسَابهم، وَثُقُوْب فَهْمِهِ، وَحِدَّة ذِهْنِهِ جَسَرَ عَلَى الإصْلاحِ كَثيْرًا، وَرُبَّمَا نَبَّهَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ، لكِنَّهُ رُبَّمَا وَهِمَ وَغلط فِي أَشْيَاء مِن ذلِكَ، وَتَحَكَّم فيها بما ظَهَرَ لَهُ، أَو بِمَا رَآهُ فِي حَدِيْث آخَر، وَرُبَّمَا كَانَ الَّذِي أَصْلَحَهُ صَوَابًا، وَرُبَّمَا غَلِطَ فِيْه وَأَصْلَحَ الصَّوَابَ بِالخَطَأ". وَقَال (٣): "وَكَانَ أَبُو الوَليْدِ الكِنَانِيُّ مِمَّن أَتْقَنَ، وَربمَا تَكَلَّفَ في الإصْلاحِ والتَّقويْمِ بَعْضَ مَا نُعِيَ عَلَيْهِ".
_________________
(١) معجم البُلدان (٥/ ٤٣٨)، نقلا عن القاضي عياض ﵀.
(٢) الإلماع (١٨٥، ١٨٦).
(٣) المصدر نفسه (١٩٣).
[ مقدمة / ٦١ ]
وَقَرِيْبُ مِن ذلِكَ قَال القَاضِي عِيَاض فِي "مَشَارِق الأَنْوَارِ" فِي مُقَدِّمَتِهِ، وَفِي ثَنَايَا الكِتَابِ، وَدَلَّلَ عَلَى ذلِكَ (١).
وَعَن القَاضِي عِيَاض فِي "فَتْح المُغِيْث" للحَافِظ السَّخَاوي (٢)، وَوَصَفَ القَاضِي عِيَاض بِأَنَّهُ تِلْمِيْذُ الوَقَّشِيِّ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذلِكَ.
وَوَصَفَهُ يَاقُوتٌ الحَمَويُّ فِي "مُعْجَمِ البُلْدَانِ" (٣) بأنَّهُ "الفَقِيْهُ الجَلِيْلُ، عَالِمِ الزَّمَنِ، إِمَامٌ، عَالِمٌ فِي كُلِّ فَنٍّ، صَاحِبُ الرِّسَالةِ المُرْشِدَةِ" وَقَال فِي مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ (٤): "كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالعَرَبِيَّةِ واللُّغَةِ والشِّعْرِ وَالخَطَابَةِ، وَالحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ، وَالأَحْكَامِ، وَالكَلامِ، وَكَانَ أَدِيْبًا كَاتِبًا، شَاعِرًا، مُتَوَسِّعًا فِي ضُرُوْبِ المَعَارِفِ، مُتَحَقِّقًا بِالمَنْطِقِ وَالهَنْدَسَةِ، لَا يَفْضلُه عَالِمٌ بِالأَنْسَابِ وَالأَخْبَارِ وَالسِّيرِ"، وَوَصَفَهُ أَبُو الخَطَّابِ ابنُ دَحْيَةَ (٥) بـ"عَالِمِ الأنْدَلُسِ"، وَوَصَفَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ (٦) بـ"العَلَّامَةِ البَحْرِ، ذُو الفُنُونِ".
قَال العَلَّامَةُ المَقَّرِيُّ (٧): "كَانَ الحَافِظُ أَبُو الوَليْدِ هِشَامٌ الوَقَّشِيُّ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بالهَنْدَسَةِ وَآرَاءِ الحُكَمَاءِ والنَّحْو واللُّغَةِ، وَمَعَانِي الأَشْعَارِ والعَرُوْض، وَصِنَاعَةِ الكِتَابَةِ وَالفِقْهِ وَالشُّرُوْطِ وَالفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَمَا قَال الشَّاعِرُ:
_________________
(١) مشارق الأنوار (١/ ٤، ١٠، ٧٧، ٢٦٤، ٣٦٠، ٢/ ١٠، ١٩٦، ٢٣٧).
(٢) فتح المغيث (٢٥٦).
(٣) معجم البلدان (٥/ ٤٣٨).
(٤) معجم الأدباء (٦/ ٢٧٧٨).
(٥) السّراج المُنير له (مخطوط).
(٦) سير أعلام النُّبلاء (١٩/ ١٣٤).
(٧) نفح الطِّيب (٣/ ٣٧٦).
[ مقدمة / ٦٢ ]
وَكَانَ مِنَ العُلُوْمِ بحَيْثُ يُقْضَى لَهُ فِي كُلِّ فَنٍّ بالجَمِيْعِ
وَوَصَفَهُ المَقَّرِيُّ أَيْضًا (١) بِـ"القَاضِي الأَدِيْبِ، والفَيْلَسُوف الأَرَيْبُ قَاضِي طُلَيْطُلَةَ" وَلَمَّا أَوْرَدَ اجْتِمَاعَهُ بأبي مَرْوَان عَبْد المَلِكِ بنِ سِرَاجٍ قَال (٢): "وَكَانَا فَرِيْدَيْ عَصْرِهِمَا حِفْظًا وَتَقَدُّمًا" وَقَال مَرَّة أُخْرَى (٣): "وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا الرَّجُلِ الفَرْدِ قَبْلَ هَذَا".