تَعْلِيْقَاتٌ مُتَفَرقةٌ على "المُوطَّأ" للإمامِ مالكٍ -﵀- أغلَبُها تفسيرٌ لُغَويٌّ، أَوْ تَوْجِيْه نحويٌّ، ولا أَظُنُّ أَنَّنَا بحاجةٍ إلى التَّعريفِ بكتاب "المُوَطَّأ" ولا بصَاحِبِهِ إمامِ دارِ الهِجْرَةِ مالِكِ بنِ أَنَسٍ الأَصبَحِيِّ المَدَنِيِّ (ت ١٧٩ هـ)، فالكتابُ من أَهَمِّ وأَشْهَرِ وَأَعْظَمِ الكُتُبِ المُؤَلَّفةِ في الإسلام، وَإِلْقَاءُ نَظْرَة سَرِيْعَةٍ على الحَرَكَةِ العِلْميَّةِ الكُبْرَى التي أثارها العُلَمَاءُ حَوْلَ هَذَا الكِتَابِ تَدُلُّ على ذلِكَ، فَقَدْ عَكَفَ العُلَمَاءُ على دِرَاسَتِهِ وَتَدْرِيْسِهِ وَرِوَايَتِهِ وَتَصْحِيْحِهِ، واسْتِخْرَاجِ كُنُوْزِهِ، وَشَرَحَ عَدَدٌ كبيرٌ جدًّا من العُلَمَاءِ ألْفَاظَهُ وَمَعَانِيه، واسَتْخَرُجوا رِجَالهُ، وَتَحَدَّثُوا عن مَا اشْتَمَلَ عليه من فَوَائِدَ فِقْهِيَّةٍ، قَامَتْ هَذ الحَرَكَةُ العِلْمِيَّةُ الكُبْرَى على مَرَّ العُصُوْرِ، وَأَوْلَى العُلَمَاءُ هَذَا الكِتَاب العنَايَةَ التَّامَّةَ؛ لأنَّه مَصْدَرٌ مُهِمٌّ، من أَقْدَمِ وأَوْثَقِ مَصَادِرِ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَزَادَه شُهْرَةً وأَهَمِّيَّة ما كَتَبَهُ العُلَمَاءُ عليه من شُرُوحٍ بَعْضُها في غايةِ النَّفَاسَةِ والإِفَادَةِ، كـ"التَّمْهِيْد" لابنِ عَبْدِ البَرِّ، و"الاسْتِذْكَارِ" له، و"المُنْتَقى" لأَبي الوَليْدِ البَاجي وَغَيْرِها، الَّتي أَصْبَحَتْ أَصُوْلًا يُرْجَعُ إليْهَا عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وغيرهم، بل هي شَوَاهِدُ وَاضِحَةٌ على تقدُّم الفِكْرِ العَرَبِي الإسْلامِيِّ. وحَدِيثي عن "المُوطَّأ" للسَّادَةِ الأَفَاضِلِ القُرَّاء سيكونُ كجَالِبِ التَّمْرِ إلى هَجْرٍ. وما قُلْتُهُ عن الكِتَابِ أَقُوْلُهُ عن
[ مقدمة / ٦٧ ]
المُؤَلِّفِ، فهو أَشْهَرُ من أنْ أُعَرِّفَ بِهِ، أَو أَذْكُرَ مآثره وَخِصَاله الحميدة، وَمَنَاقبه وفضائله أُلِّفَتْ فِيْهَا المُصَنَّفَاتُ.
والَّذي نَحْنُ بِحَاجَةٍ إليه مَعْرِفَةُ سَنَدُ رِوَايَةِ المُؤَلِّفِ إلى "المُوَطَّأ"، وقد حَاوَلْتُ أن أجدَ لَهُ طَرِيْقًا مُسْنَدًا يَصِلُهُ به، فلم أَعْثُرْ على شَيْءٍ من ذلِك - مَعَ حِرْصِي الشَّدِيْدِ ومُواصَلَةِ البَحْثَ. وَقَدْ صَرَّحَ المُؤَلِّفُ بأَنَّ لَهُ رِوَايَةً، لكِنَّهُ لم يَذْكُرْ أيَّ روَايَةٍ هي؟ ! هل هي رِوَايَةُ يَحْيَى أو غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ الغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أنَّها رِوَايَةٍ يَحْيَى؛ لأنَّها هي أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ، وأَكْثَرُها انتِشَارًا من غَيْرِهَا من الرِّوَايَات في بلادِ الأنْدَلُسِ خَاصَّةً، وحَوَاضِرِ العَالمِ الإسْلامِيِّ عَامةً، بين العُلَمَاءِ وَطَلبَة العِلْمِ. ويُضَافُ إلى ذلِكَ أَنَّ المُؤَلِّفَ كثيرٌ النَّقلِ عن روايةِ يَحْيَى ومقارنتها بالرِّوايات الأُخرى، وهو قليلُ النَّقْدِ لها والاعتِرَاضِ عليها، وفي ترجَمَةِ تِلْمِيْذِهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبدِ الله بنِ حِصْنٍ الأنْصَارِيِّ، ذكر المُتَرْجِمُوْنَ أنَّه أَخَذَ عَنْه "المُوَطَّأ" هكَذَا دُوْنَ ذِكْرٍ للرِّوَايَة والسَّنَدِ. وفي كِتَابِنَا هَذَا "التَّعليق عَلَى المُوَطَّأ" يَرِدُ فيه مثل قولهِ: "بالفتح رَوَيْنَاهُ"، وَقَوْلهِ: "رَوَيْنَاهُ في "المُوطَّأ" " وَقَوْلهِ: "وَهكَذَا رَوَيْنَاهُ في "المُوَطَّأ" وغيره " وَقَوْلِهِ (١/ ٤٢): "فَإِنَّمَا رَوَيْنَاهُ بَتشَدِيْدِ الدَّال " ومثل ذلِكَ في الكِتَابِ كَثِيْرٌ، يُراجع مثلًا: (١/ ٤٨، ١٠٣، ١١٦، ١٢٤، ١٣١، ٢٠٤، ٢١١، ٣٤٧، ٢/ ١٠٨، ١٢١، ١٦٣، .. وغيرها.
وقَدْ نَصَّ المؤلِّفُ على رواية يَحْيَى في الصَّفَحَات التَّالية (١/ ١٦، ٢٢١، ٢٢٢، ٢٤٩، ٢٦٤، ٣٣٤، ٣٤٢، ٣٧٥، ٣٩٩، ٤٠٢، ٢/ ٧، ١٨، ٤١،
[ مقدمة / ٦٨ ]
١٦١، ٢٧٧، ٣١٢، ٣٢٤، ٣٥١، ٣٧٦، ٣٨٨، ٤٠٤ وغيرها) مُؤَيِّدًا لروايَتِهِ غالبًا، مُنْتَقِدًا لهَا أَحْيَانًا كَقَوْلهِ (١/ ٣٤٢): "وَوَقَعَ في رِوَايَةِ يَحْيَى: "كادَ أَنْ يُحْرِجَهُ" وهو خَطَأٌ وَصَوَابُهُ: "كَادَ يُحْرِجَهُ"؛ لأنَّ "أنْ" لا تدخُلُ في خَبَرِ "كَادَ" إلَّا في ضَرُوْرَةِ الشَّعْرِ" وَقَوْلهِ (١/ ٣٩٩): "رَوَى يَحْيَى: أبا البَدَّاح عاصمَ بنَ عَدِيٍّ، وَرَوَى غيره: أَبَا البدَّاح بنَ عَاصِمِ وهو الصَّحَيْحُ" وغيرها.
ورُبَّمَا انْتَقَدَ رِوَايَةَ يحْيَى وأَصْلَحَهَا ثمَّ أَجِدُهَا في رواية يَحْيى المطبوعة مُصلَحَةٌ كما أَشَارَ، وَهَذَا يَعُوْدُ إِلَى أَمْرَيْنِ: أحدُهُما: أن يكون بعضُ مُصَحِّحِي نُسَخ رِوَايَةِ يَحْيَى أَدْرَكَ الخَطَأَ فَأَصلَحَهُ. والثَّاني: أن تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الأَخْطَاءِ -عَلَى الأقَلِّ- فِي نُسْخَةِ المُؤَلِّفِ من رِوَايَةِ يَحْيَى.
وهُنَاكَ رِوَايَةُ عُبَيْدِ الله عن أبيه يَحْيَى نَقَلَ عَنْهَا المُؤَلِّفُ في الصَّفَحَات التَّالية: (١/ ٣، ٤، ١٧٦، ٢٦٦٢، ٣٠١، ٣٣٨، ٣٧٣، ٣٧٤، ٢/ ٦٩، ٧٨، ١٨٩، ٢٠٨). (رواية معاوية عنه) (١/ ٢٢٣، ٢٢٥، ٢٢٧، ٢٥٦، ٢٨٣ ..) وغيرها. والمُؤَلِّفُ كَثِيْرُ التَّخْطِئَةِ لَهُ، والرَّدِّ عليه، والانتقاد لاختياره، قال (١/ ١٧٦): "وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ الله: بِشَنٌّ مُعَلَّقَةٍ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ مُعَلَّقٍ وهو الصَّوَابُ" وَقَال (١/ ٢٦٢) في قَوْلهِ: "المَرْأَةُ تَمُوْتُ بجُمْعٍ": "بضمِّ الجيم وَكَسْرِهَا مَعًا، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ الله بالفَتْح وهو خَطَأ". وقال (٢/ ٢٨٣) في قَولِهِ: "وإمَّا أن يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ": "رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بكَسْرِ الذَّالِ، وَالوَجْهُ فَتْحُهَا" وغير ذلِكَ. وَرُبَّمَا جَمَعَ معه ابنَ وَضَّاحٍ، وهو كثيرُ الانتِقَاد لرِوَايَةِ ابن وَضَّاحٍ أيضًا، جَمَعَ بينهما في (٢/ ٦٩، ٧٨، ٣٧٤) وغيرها.
[ مقدمة / ٦٩ ]
وَرُبَّمَا دَافَعَ عن رواية عُبَيْدِ الله وَهُوَ قَلِيْلٌ، ومِنْه مَا جَاء في (٢/ ٢٢٧) في قوله: "في عَمَلِ الرَّقيق": "كَذَا رواية عُبَيْدِ الله، وَتَوَهَّم قَومٌ أنَّ ذلِكَ غَلَطٌ، وليس عندي بِغَلَطٍ، ومَجَازُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ".
- وَرَجَعَ إِلى رِوَايَةِ (ابنِ بُكَيْرٍ) كَمَا جَاءَ في (١/ ٣، ٤، ١١، ١٦، ٣٤، ٢٨٥، ٣٤١، ٢/ ١٣٦، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٩٢، ٣٥١، ٣٧٦).
- كَمَا رَجَعَ إلى رِوَايَةِ (القَعْنَبِيِّ) كَمَا جَاءَ في (١/ ١٨٧، ٢٥٦، ٢٦٤، ٢/ ٢١٣).
- ورواية (ابن القَاسِمِ) كَمَا جَاء في (١/ ١٨٧، ٢/ ٩٥، ٢٩٢، ٣٢٨، ٣٥٨، ٣٨٨).
- ورواية (ابن وَهْبٍ) كَمَا في (٢/ ١١٩، ١٣٦، ٢٩٢، ٣٩١).
- ورواية (عليِّ بن زيادٍ) كَمَا في (١/ ٢٦٢). ونقل عن أصحاب مالكٍ منهم أَشْهَبُ: (٢/ ٩٥، ١٠٩، ٣٩١)، وابنُ مُطَرِّفٍ (٢/ ٢٩٢، ٣٥١).
والدَّرَاوَرْدِيُّ (٢/ ٦)، وابنُ نَافعٍ (٢/ ١٠٩، ١٩٥، ٣١٥)، وابنُ كِنانة (٢/ ٣٨٢) أو بعض الرِّوايات (هكذا؟) وَلَمْ يَذْكُر رِوَايَةَ مُحَمَّد بنِ الحَسَنِ، وَلَا رِوَايَةَ أَبِي مُصْعَبٍ، وَلَا رِوَايَةَ الحَدَثَانِيِّ .. وربَّمَا ذَكَرَ خِلافًا في الرِّواية وَعَزاهُ إلى (بَعْضِ نُسَخِ المُوطَّأ) دُوْنَ نِسْبَةٍ للرِّواية كَمَا جاء في (١/ ١٣١، ١٤٣، ٣٠١، ٣٠٨، ٣١٣، ٣١٥، ٣٢٨، ٣٤٥، ٣٤٧، ٣٥٣، ٣٥٧، ٣٧٢، ٢/ ١٠، ٧٧، ٨٤، ٩٤، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٥٧، ٢٦٥،، ٣٤٣).
ورُبَمَا قَارَنَ مَا جَاءَ في "المُوطَّأ" بطُرُقٍ للحَدِيْثِ في غَيْرِ المُوَطَّأ كما جاء في (١/ ١٢٣، ٣٠١، ٣٤٩، ٢/ ٤٧، ٣٠٥، ٣١١).
[ مقدمة / ٧٠ ]