قَال كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَويِّين: خَطَبَ عَلَى المِنْبَرِ خُطْبَةً، بِضَمِّ الخَاءِ، والمَرْأةُ خِطْبَةً بِكَسْرِهَا. وَقَال ثَعْلَبٌ (٢): خِطْبَةٌ -بِكَسْرِهَا- المَصْدَرُ، وبِضَمِّهَا: اسمُ مَا يُخْطَبُ بِهِ. وقَالَ ابنُ دُرُسْتَوَيهِ (٣): هُمَا اسْمَانِ لا مَصْدَرَانِ وَلكِنَّهُمَا وُضِعَا مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وَلَوْ اسْتُعْمِلَ مَصْدَرُهُمَا عَلَى القِيَاسِ لَخَرَجَ مَصْدَرُ مَا لَا يَتَعَدَّى فِعْلُهُ مِنْهُمَا عَلَى فُعُوْلٍ -بِضَمِّ الفَاءِ- فَيَقُوْلُ: جَعَلْتُهُ خُطُوْبًا، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي: عَلَى فَعْلٍ فَيُقَالُ: خَطَبَ خَطْبًا، ولكِنْ تُرِكَ اسْتِعْمَالُ ذلِكَ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ وَوُضِعَ غَيرُهُ مَوْضِعَهُ فَأَغْنَى عَنْهُ ولَمْ يَلْتَبِسْ بِشَيءٍ، قَال: والخِطْبُ -بِكَسْرِ الخَاءِ- اسمُ مَا يُخْطُبُ بِهِ في النِّكَاحِ خَاصَّةً، وبالضَمِّ: اسمُ مَا يُخْطَبُ بِهِ في كُلِّ شَيءٍ. ورُويَ عَنْهُ ﵇: إِنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ خُطْبَةَ النِّكاحِ والحَاجَةِ.
_________________
(١) المُوطَّأ رواية يحيى (١/ ١٧٧)، ورواية أبي مصعب (١/ ٢٢٧)، ورواية محمد بن الحسن (٨٨)، ورواية سُوَيدٍ (١٦١)، ورواية القَعْنَبِيِّ (٢٥٨)، والاستذكار لأبي عمر (٧/ ٩)، والمنتقى لأبي الوليد الباجي (١/ ٣١٥)، والقَبَسُ لابنِ العَرَبِيِّ (١/ ٣٧١)، وتَنوير الحوالك (١/ ١٨٩)، وشرح الزُّرقاني (١/ ٣٦٢).
(٢) الفَصِيحُ (٣٠٢).
(٣) هو عبدُ الله بنُ جَعْفَرِ بنِ المَرْزُبان الفَارِسِيُّ الأصْلِ البَغْدَادِيُّ (ت ٣٤٧ هـ)، له تآليفُ جَلِيلَةٌ مِنْهَا: "شَرْحُ الفَصِيحِ" و"الإرْشَادُ" و"الهِدَايَةُ" و"شرح كِتَابِ الجَرْمِيِّ" وغيرها. أَخْبُارُهُ في: طبقات النَّحويين للزُّبيدي (١٢٧)، وإنباه الرُّواة (٢/ ١١٢)، والنَّصُّ في تصحيح الفصيح له، ورقة (١٧٨).
[ ١ / ٢٠٩ ]
رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثُ بِضَمِّ الخَاءِ.
- قَوْلُهُ: "إِنَّ هَذَينِ يَوْمَانِ " إِلَى آخِرِ الكَلامِ. [٥]. كَلامٌ فِيهِ حَذْفٌ واخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَحَدُهُمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ، أَوْ أَوَّلُهُمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ فَحَذَفَ؛ لأنَّ قَوْلَهُ: "والآخَرُ" يَدُلُّ عَلَيهِ؛ لأنَّ الآخَرَ لا يُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ أَوَّلٍ يَتَقدَّمُ ذِكُرُهُ، ألا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِرَجُلَينِ زَيدٌ وآخَر عَمْرٌ ولم يَجُزْ إلَّا عَلَى الحَذْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وإِنَّمَا الوَجْهُ؛ أَحَدُهُمَا زَيدٌ، والآخَرُ عَمْرٌو، ونَظِيرُهُ قَوْلُ عَبِيدٍ (١):
جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَينِ مِنْ نَشَمٍ وآخَرُ مِنْ ثُمَامَهْ
تَقْدِيرُهُ: عُوْدَينِ عُوْدًا مِنْ نَشَمٍ، والآخرَ مِنْ ثُمَامَة؛ لأنَّكَ إِنْ لَمْ تُقَدِّرْهُ كَذَا وَعَطَفْتَ "آخرَ" عَلَى "عُودَينِ" كَانَتِ الأعْوَادُ ثَلاثَةً، وَقَدْ قَال أَصْحَابُ المَعَانِي: إِنَّمَا هُمَا عُوْدَانِ.
_________________
(١) ديوانه (١٢٦)، مِنْ قَصِيدَةٍ فيها بُكَاءٌ علَى بَنِي أَسَدٍ، واسْتِعْطَافٌ لِحُجْرِ، وَالِدُ امْرِئِ القَيسِ -وَكَانَ مَلِكًا عَلَيهِمْ-، واعتِذَارٌ إليه، أَوَّلُهَا: يَا عَينُ فَابْكِي مَا بَنِي أَسَدٍ فَهُمْ أَهْلُ النَّدَامَهْ أَهْلُ القِبَابِ الحُمْرِ والنَّـ ـعَمِ المُؤَبَّلِ والمُدَامَهْ وَذَوي الجِيَادِ الجُرْدِ والـ أَسَلِ المُثَقَّفَةِ المُقَامَهْ حِلَّا أَبِيتَ اللَّعْنَ حِلًا إِنَّ فِيمَا قُلْتُ آمَهْ فِي كُلِّ وَادٍ بَينَ يَثْـ ـرِبَ فَالقُصُورِ إِلَى اليَمَامَهْ تَطْرِيبُ عَانٍ أَوْ صِيَا حُ مُحَرَّقٍ أَوْ صَوْتُ هَامَهْ وَمَنَعْتَهُمْ نَجْدًا فَقَدْ حَلُّوا عَلَى وَجْهٍ تِهَامَهْ بَرِمَتْ بَنُو أَسَدٍ كَمَا بَرِمَتْ بَيضَتِهَا الحَمَامَهْ جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَينِ البيت
[ ١ / ٢١٠ ]
وَقَوْلُهُ: "يَوْمٌ تَأكُلُوْنَ". الصَّوَابُ تَنْوينُ "يَوْمٌ"، وَكَذلِكَ رَوَينَاهُ، و"تَأْكُلُوْنَ" في مَوْضِعِ الصِّفَةِ للْيَوْمِ، كَمَا أَنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُوْرَةَ بَعْدَ اليَوْمِ في قَوْلِهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي ﴾ إلى آخِرِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِيَوْمٍ، ومَنْ رَوَى: "يَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ فَحَذَفَ التَّنْوينَ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ اليَوْمَ عَلَى هَذه الرِّوَايَةِ يَكُوْنُ مُضَافًا إِلَى الجُمْلَةِ، وَلَا يَجُوْزُ ذلِكَ في هَذَا المَوْضِعِ؛ لِأَنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ إِلَى اليَوْمِ فَإِذَا أَضَافَ اليَوْمَ إِلَى مَا فِيهِ ضَمِيرُهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَال: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهِهِ، فَأَضَافَ الشَّيءَ إِلى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجِزِ النَّحْويُّوْنَ: زَيدٌ حَسَنُ العَينِ مِنْهُ، وَأَنكرُوا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى بَيتَ طَرَفَةَ (٢):
رَحِيبُ قِطَابِ الجَيبِ مِنْهَا رِفِيقةٌ بِجَسِّ النَّدّمَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ
بإضَافةِ "رَحِيبٍ" إلى "القِطَابِ" وقَالُوا: الصَّوَابُ: "رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيبِ".
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٤٨، ١٢٣.
(٢) ديوانه (٣٠). ويُراجع: شرح القصائد لابن الأنباري (١٨٩)، وشرحها لابن النَّخَّاس (٢٥٩)، قال ابن النَّحَّاس: "ويروى: "رحيبُ قطاب الجيب" بالإضافة". قال ابن الأنباري: "قال أبو بكر: هَذِهِ رِوَايَةُ الأصْمَعِيِّ، ورَوَاهُ غَيرُهُ: "رَحِيبٌ قَطَابَ الحَبِيبِ" فأَنْكرَ أَبُو جَعْفَرٍ هَذ الرِّواية الثَّانية، وقَال: لا أَعْرِف إلَّا الرَّفْعَ مَعَ التَّنْوين، أي: الجَيبُ الَّذي يَضِيقُ فهو مِنْهَا وَاسعٌ رَحِيبٌ ". وأَبُو جَعْفَر المَذْكُوْرُ في نَصِّ ابنِ الأنْبَارِيِّ، يَظْهَرُ لِي أَنَّه محَمَّدُ بنُ حَبِيب البَغْدَادِيُّ. ويُراجعُ: المُحْتَسَب (١/ ١٨٣)، والخِزَانة (٢/ ٢٠٣، ٣/ ٤٨١).
[ ١ / ٢١١ ]