يُقَالُ: رَعَفَ ورَعُفَ (١) يَرْعُفُ ويَرْعَفُ رَعْفًا رُعَافًا، وَهُوَ المَشْهُوْرُ،
_________________
(١) = يَا عُمَرَ الخَيرِ جُزِيتَ الجَنَّهْ اكْسُ بَنَاتِي وَأُمُّهنَّهْ أُقْسِمُ بِاللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ فَقَال عُمَرُ: وإِنْ لَمْ أَفْعَلْ يَكُوْنُ مَاذَا؟ فَقَال: إِذًا أَبَا حَفْصٍ لأَمْضِيَنَّهْ قَال: فَإِنْ مَضَيتَ يَكُوْنُ مَاذَا؟ فَقَال: وَاللهِ عَنْهُنَ لَتُسْأَلَنَّهْ يَوْمَ يَكُوْنُ الأُعْطِيَاتُ ثنَّهْ أَي: ثَمَّة أَبْدَلَ المِيمَ نُوْنًا وَهِيَ لُغَةٌ. والوَاقِفُ المَسْؤُوْلُ يُنْهَيَنَّهْ إِمّا إِلَى نَارٍ وَإِمَّا جَنَّهْ فَبَكَى عُمَرُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَقَال لغُلَامِهِ: يَا غُلَامُ: أَعْطِهِ قَمِيصِي هَذَا لِذلِكَ اليَوْمِ لَا لِشِعْرِهِ، ثُمَّ قَال: وَاللهِ لَا أَمْلِكُ غَيرَهُ.
(٢) ساقطة من (س).
[ ١ / ٨٠ ]
وَحُكِيَ في المَاضِي رَعُفَ وَرَعِفَ بالرَّفْعِ والكَسْرِ، ولَا يُقَالُ: رُعِفَ على صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمِّ فَاعِلُهُ، وَكَانَ الأصْمَعِيُّ يَقُوْلُ: رَعَفَ، ولَا يُجِيزُ غَيرَ ذلِكَ، وَهُوَ القِيَاسُ بِدَلِيلِ قَوْلهِم في المَصْدَرِ: رُعَافٌ؛ وفُعَالٌ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ فَعَلَ المَفْتُوحِ العَينِ كَالسُّعَالِ وَالنُّبَاحِ وَالصُّرَاخَ، وَلَا يَكَادُ يُوْجَدُ مِنْ فَعِلَ المَكْسُوْرِ العَينِ وَلَا المَضْمُوْمِهَا (١) بِهَذَا المِثَالِ. ويُرْوَى أَنَّ سِيبَوَيهِ قَال لِحَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ مَا تَقُوْلُ في رَجُلٍ رَعُفَ في الصَّلَاةِ؟ فَقَال لَهُ حَمَّادٌ: لَحَنْتَ يَا سِيبَوَيهِ! لَا تَقُلْ: رَعُفَ -بِضَمِّ العَينِ- إِنَّمَا قُلْ: رَعَفَ -بِفَتْحِ العَينِ- فَخَجَلَ سِيبَوَيهِ، وَقَال: سَأقرَأُ عِلْمًا لَا تُلَحِّنُنِي فِيهِ، ونَهَضَ إِلَى الخَلِيلِ فَشَكَى إِلَيهِ قِصَّتَهُ، فَقَال الخَلِيلُ: رَعَفَ هي الفَصِيحَةُ، ورَعُفَ لُغَةٌ غَيرُ فَصِيحَةٍ أَعْنِي بِضَمِّ العَينِ، وَلَزِمَ سِيبَوَيهِ الخَلِيلَ فَكَانَ سَبَبَ بَرَاعَتِهِ في صِنَاعَةِ النَّحْو (٢) وأَصْلُ الرَّعْفِ: التَّقَدُّمُ وَالسَّبْقُ، يُقَالُ: رَعَفَ
_________________
(١) في (س): "ولا المَضموم".
(٢) المَشْهُوْرُ في كُتُب تَرَاجِمِ النُّحَاةِ وغَيرِهَا: أَنَّ سِيبَوَيهِ كَانَ يَسْتَمْلِي حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ المَذْكُوْرَ هُنَا قَوْلَ النَّبيِّ - ﷺ -: "لَيسَ مِنْ أَصْحَابِي إلَّا مَنْ شِئْتُ لأخَذْتُ عَلَيهِ لَيسَ أبَا الدَّرْدَاءِ" فَقَال سِيبَوَيهِ: لَيسَ أبُو الدَّرْدَاءِ، وظَنَّهُ اسمَ "لَيسَ" فَقَال: لَحَنْتَ يَا سِيبَوَيهِ فَقَال سِيبَوَيهِ: "لَا جَرَمَ، لأَطْلُبَنَّ عِلْمًا لَا تُلَحِّنُنِي فِيهِ أَبدًا فَطَلبَ النَّحْوَ وَلَمْ يزلْ يُلَازِمُ الخَلِيلَ". يُراجع: طَبقات النَّحويين للرُّبَيدي (٦٦)، ونُور القَبَسِ (٩٥)، وإنباه الرُّواة (٢/ ٣٥٠)، وإشارة التَّعيين (٢٤٣)، والبُلغة (١٧٤) .. وغيرها. وحَمَّاد بنُ سَلَمَةَ المَذْكُوْرُ هُنَا: من كِبَارِ أئمَّةِ الحَديثِ، ولَقَّبَهُ الحَافظُ الذَّهَبِيُّ في السَّيَرِ بـ "شَيخِ الإسْلَامِ" وَقَال: "كَانَ بَحْرًا من بُحُوْرِ العِلْمِ، ولَهُ أَوْهَامٌ مَعَ سَعَةِ مَا رَوَى، وهو صَدُوْقٌ، حُجَّةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ" وَقَال أَيضًا: "وَكَانَ معَ إِمامَتِهِ في الحديثِ إمامًا كَبِيرًا في العَرَبِيَّةِ، فَقِيهًا، فَصِيحًا، رَأْسًا في السُّنَّة، صاحبَ تَصَانِيفَ" (ت ١٦٧ هـ). أَخْبَارُهُ في: طَبَقَات ابن =
[ ١ / ٨١ ]
الفَرَسُ الخَيلَ (١): إِذَا تَقَدَّمَهَا. وقِيلَ لَهُ: رُعَافٌ؛ لأنَّه دَمٌ يَنْدُرُ مِنَ الأنْفِ وَيَنْدَفِعُ، قَال الأَعْشَى (٢):
بِهِ تَرْعُفُ الألْفُ إِذْ أُرْسِلَتْ غَدَاةَ الصَّبَاحِ إِذَا النَّقْعُ ثَارَا
- وَقَوْلُ عُمَرَ: "ولَا حَظَّ في الإسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" [٥١]. يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّه لَا كَبِيرَ حَظٍّ لَهُ في الإسْلَامِ، وَلَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ جُمْلَة، كَقَوْلِهِ - ﷺ -: "لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ"، و"لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ" وَنَحْو ذلِكَ مِمَّا أُرِيدَ [بِهِ] نَفْيُ الكَمَال والتَّمَامَ لا نَفْيَ الأَمْرِ كُلِّهِ.
والعَرَبُ تَحْذِفُ الصِّفَةَ وَهِيَ تُرِيدُهَا إِذَا فُهِمَ المَعْنَى، فَتَقُوْلُ: فُلَانٌ رَجُلٌ وَهَذَا ثَوْبٌ، أَي: رَجُلٌ كَامِلٌ، وَثَوْبٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَال لَهُ ثَوْبٌ، ولَا يُرِيدُوْنَ أَنَّه وَاحِدٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالثِّيَابِ؛ لأنَّ ذلِكَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ (٣):
_________________
(١) = سعد (٧/ ٢٨٢)، والجرح والتَّعديل (٣/ ١٤٠)، ومعجم الأدباء (١٠/ ٢٥٤)، وسير أعلام النُّبلاء (٧/ ٤٤٤)، والشَّذرات (١/ ١٦٢).
(٢) في العُبَاب (الفاء) ص (٢٢٠): "وأَصْلُ الرَّعْفِ: التَّقَدُّمُ، من قَوْلهِم: فَرَسٌ راعِفٌ إِذَا تَقَدَّمَ الخَيلَ ".
(٣) دِيوانُ الأَعْشَى "الصُّبْحُ المُنِيرُ" (٤٠) من قَصِيدةٍ له مَشْهُوْرَةٍ في ديوانه أولها: هُوَ الوَاهِبُ المَائَةَ المُصْطَفَا ةَ إِمَّا مَخَاضًا وإِمَّا عِشَارَا وَكُلَّ طَويلٍ كَأَنَّ السّلِيـ ـطَ في حَيثُ وَارَى الأدِيمُ الشِّعَارَا والشَّاهِدُ في العُباب واللِّسان (رعف) وغيرهما.
(٤) هو لِأَبي خِرَاشٍ الهُذَليِّ في شَرْح أَشْعَارِ الهُذَلِيِّين (٣/ ١٢٢٦)، واسْمُهُ خُوَيلُدُ بنُ مُرَّةَ، أَحَدُ بَنِي قِرْد بنِ عَمْرِو بن مُعاويةَ بن تَمِيمِ بن سَعْدِ بنِ هُذَيلِ، صَحَابيٌّ، مَاتَ زَمَنَ عُمَرَ -﵁- من قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا: =
[ ١ / ٨٢ ]
أَمَا وَأَبِي الطَّيرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى عَلَى خَالِدٍ لَقَدْ وَقَعْنَ عَلَى لَحْمِ
أي: عَلَى لَحْمٍ جَلِيلٍ.
- وَقَوْلُهُ: "مِنَ اللَّيلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا" [٥١]. أَي: "صُبْحًا" مِنَ اللَّيلَةِ، فَحَذَفَ اخْتِصَارًا، كَقَوْلكَ: اشْتَرَيتُ مِنَ الثِّيَابِ. تُرِيدُ ثَوْبًا مِنَ الثِّيَابِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ (١):
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رجْلَيهِ بِشَنِّ
أَرَادَ: كَانَّكَ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِ بَنِي ويَشْهَدُ لِهذَا التَّأْويلِ قَوْلُهُ: "وَأَيقَظَ عُمَرُ لِصَلَاةِ الصُّبحِ". ويَجُوْزُ أَنْ تكُوْنَ "مِنْ" بِمعْنَى "في"، كَمَا قَال امْرُؤُ القَيسِ (٢):
_________________
(١) = إِنَّك لَوْ أبْصَرْتِ مَصْرَعَ خَالِدٍ بِجَنْبِ السِّتَارِ بَينَ أَظْلَمَ فَالحَزْمِ لأيقَنْتِ أَنَّ البِكْرَ لَيسَ رَزِيَّةً ولا النَّابَ لانْضَمَّتْ يَدَاكِ عَلَى غُنْمِ تَذَكَّرتُ شَجْوًا ضَافَنِي بَعْدَ هَجْعَةٍ عَلَى خَالِدٍ فالعَينُ دَائِمَةُ السَّجْمِ لَعَمْرُ أَبِي الطَّير يرثي خَالِدَ بنَ زُهَيرٍ الهُذَليِّ، والمُربَّة: المقيمةُ، من أَرَبَّ بالمَكَانِ: إِذَا أَقَامَ بِهِ. والشَّاهد في: التَّخمير (١/ ٢٦٠)، والإسعاف ورقة (٢٢)، والخِزَانة (٢/ ٣١٦).
(٢) ديوان النَّابغة (١٢٦). والشَّاهِدُ في الكِتَاب (١/ ٣٧٥)، وشرح أبياته لابن السِّيرافي (٢/ ٥٨)، والنُّكت عليه للأعلم (١٤٦، ٦٤٦)، والمُقتضب (٢/ ١٣٨)، وسرُّ صناعةِ الإعراب (١/ ٢٨٤)، والخِزَانة (٢/ ٣١٢). وبنو أُقَيشٍ: فخذٌ من أشجع، ويُقال: هم من عُكْلٍ، وإبلُهُم غَيرُ عِتَاقٍ فَيُضْرَبُ بنفَارها المَثَلُ، كَذَا في شَرْح ديوان النَّابِغَةِ، وفي جَمْهَرَةِ أنساب العرب لابن حزمٍ (١٩٨، ١٩٩): "وبَنُو أُقَيشِ بن عَبْدٍ هَؤلَاء هُمْ أَهْلُ بَيتِ عُكْلٍ". و"الشنُّ، القِرْبَةُ البَالِيَةُ أو الجِلْدُ البَالِي، وَقَعْقَتُهُ صَوْتُهُ.
(٣) ديوانه (٢٧) والبيتُ بِتَمَامِهِ: =
[ ١ / ٨٣ ]
* فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ *
أَي: مِنْ.
- و"يَثْعَبُ": ينْفَجِرُ. ثَعْبُ المَاءِ، ومَثْعَبُ الحَوْضِ: الثُّقْبُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ المَاءُ.