-[وَقَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. وَذَكَرَ أَبُو الوَلِيدِ الوَقَّشِيُّ (٣) ﵀
_________________
(١) الموطَّأ "رواية يحيى" (١/ ١٨)، ورواية أبي مُصْعَبٍ (١/ ٢٠)، ورواية مُحَمَّد بن الحسن (٣٥)، ورواية سُوَيدٍ (١/ ٥٣)، وَروَايَة القَعْنَبِيِّ (٩٥)، وتفسير غريب الموطأ لابن حَبِيبٍ (١/ ١٨٨)، والاسْتِذْكَار (١/ ١٥٦)، والمُنْتَقَى لأبي الوَليد (١/ ٥٤)، والقبس لابن العَرَبِيِّ (١/ ١٣٨)، وتنوير الحوالك (١/ ٣٩)، وشرح الزُّرْقَاني (١/ ٤٢).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٣) في (س): "وَذَكَرَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ " وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَذَا مَشْهُوْرٌ في الكُتُبِ، قَدِيمِ الذِّكْرِ فِيهَا، قال ابنُ جِنِّي في سرِّ الصِّناعة (١/ ١٢٣): "فأَمَّا مَا يَحْكِيهِ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵀ عَنْهُ من أنَّ البَاءِ للتَّبْعِيضِ فَشَيءٌ لا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُنَا، ولا وَرَدَ بِه ثَبْتٌ" ولعلَّه يَعْنِي بـ "أَصْحَابِنَا" أَهلُ العِرَاقِ الأحْنَافِ. يُراجع: الأمُّ للإمام الشَّافعي (١/ ٢٦)، والمجموع للنَّوَويِّ (١/ ٤٠٠). وقَال الفَقِيه العَدْلُ أَبُو مُحَمَّدٍ عبدُ اللهِ بن أحمد بن قُدامة ﵀ في المُغْنِي (١/ ١٧٥): "ومِمَّن قَال بمَسْحِ البَعض الحَسَنُ والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي" وَكَانَ قَدْ قَال قَبْل ذَلك: "وَرُويَ عَنْ أَحْمَدَ يُجْزِئُ مَسحُ بَعْضٍ" ثُمَّ قَال: "إِلَّا أنَّ الظَّاهِرَ عن أَحْمَدَ ﵀ في حَقِّ الرَّجُلِ وُجُوْبَ الاسْتِيعَابِ، وأنَّ المَرْأَةَ يُجْزؤهَا مَسْحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا" وَقَوْلُ المُؤَلِّفِ هُنَا: "وَمَا قَال الشَّافِعِيُّ غَير مَعْرُوْفٍ فِي كَلامِ العَرَبِ" قَال ابنُ قُدَامَةَ ﵀: وَقَوْلُهُم: البَاءِ للتَّبْعِيضِ غَيرُ صَحِيحٍ، ولا يَعْرِفُ أَهْلُ العَرَبِيَّةُ ذلِكَ. قَال ابنُ بَرَهَان: مَنْ زَعَمَ أنَّ البَاءَ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ فَقَدْ جَاءَ أَهْلُ اللُّغَةِ بِمَا لَا يَعْرِفُوْنَهُ"، وَمَا قَالهُ ابنُ بَرَهَان في "شَرْحِ اللَّمَعِ" لَهُ (١/ ١٧٤) وَذَكَرَ جمْلَةً مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَّة وَقَال: "أيُّ تَبْعِيضٍ فِي شَيءٍ مِنْ هَذَا" وَالصَّحِيح أَنَّ جَمَاعَةَ مِنَ العُلَمَاءِ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ وُرُوْدِهَا بمَعْنَى "مِنْ" فَتكوْنُ للتَّبْعِيضِ، =
[ ١ / ٥١ ]
قَوْلَ الشَّافِعِيِّ إِنَّ البَاءَ عِنْدَهُ للتَّبْعِيضِ فَقَال (١): هَذَا خَطَأٌ، وإِنَّمَا البَاءُ للإلْصَاقِ، وَمَا قَالهُ الشَّافِعِيُّ غَيرُ مَعْرُوْفٍ في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْنَى قَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أَلْصِقُوا المَسْحَ بِرُؤُوْسِكُمْ، وَيَجُوْزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً للتَّأْكيدِ كالَّتِي في قَوْلهِ تَعَالى (٣): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾، وقَال الرَّاجِزُ (٤):
_________________
(١) = مِنْهُمُ الأصْمَعِيُّ، وَابْنُ قُتَيبَةَ، وَأَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ، وَبِهِ قَال جَمَاعَةٌ من الكُوْفِّيِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابنِ مَالِكٍ وَأَبِي حَيَّانَ، وَكَثيرٍ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ. يُراجع: البحر المحيط (٣/ ٤٣٦)، والجنى الداني (٤٢)، وغيرهما. والحَدِيثُ هُنَا يَطُوْلُ، وَهُوَ مُفَصَّل فِي المُطَوَّلَاتِ النَّحْويَّةِ. وَخُلاصَةُ القَوْلِ: أنَّه يُوَافِقُ الإمَامَ الشَّافعيَّ جماعةٌ من الفُقَهَاء في جَوَازِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وهو مَنْقُولٌ عن الإمَامِ أَحْمَدَ، وهو جَائِزٌ لُغَةً وَافَقَهُ على ذلِكَ جَمَاعَةٌ من أَهْلِ اللُّغَةِ والنَّحْو كَمَا سَبَقِ. فَجَزَاهُ اللهُ خَيرًا منْ إمامٍ مَا أوْسَعْ عِلْمَهُ؟ ! .
(٢) في (س): "فيقالُ".
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٤) سورة العلق.
(٥) قبله: نَحنُ بَنِي جَعْدَةَ أرْبَابَ الفَلَجْ نَحْنُ مَنَعْنَا سَيلَهُ إِذَا اعْتَلَجْ وهو على هَذِهِ الرِّوايةِ للنَّابِغَةِ الجَعْدِيِّ، وهو في مُلْحَقَاتِ ديوانه (٢١٦). ويُروى: * نُحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أَرْبَابَ الفَلَجْ * فَلَا يَكُوْنُ على هَذ الرِّوايةِ لَهُ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ ضَبَّةَ ولا تَرْبُطُهُ بِهِمْ صِلَةٌ. ويُراجع: تَأْويل مُشْكِل القُرآن (٢٤٩)، والمُخصص (١٤/ ٧٠)، والمدخل للسَّمَرْقَنْدِيِّ (٣٤٣)، وشرح التُّبْرِيزِيِّ (١/ ١٩٧)، والفَلَجُ المذكورة في البيت: "مَدِينَةٌ بأرضِ اليَمَامَة لِبنَي جَعْدَةَ، وقُشَير، وكَعْبُ بنِ رَبِيعَةَ بن عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ" كَذَا قال الحَمَويُّ في مُعْجَمِ البُلدان (٤/ ٣٠٧)، وأَنْشَدَ بيتَ النَّابِغَةِ الجَعْدِيِّ المذكور هُنَا. ونَقَلَ يَاقُوت أَنَّها بَلَدُ مُضَرَ، وضَبَّةُ وجَعْدَةُ من مُضَرَ.
[ ١ / ٥٢ ]
* نَضْرِبُ بالسَّيفِ ونَرْجُو بالفَرَجْ *
- وَذَكَرَ (١) قَوْلَ مَالِكٍ في إِدْخَالِ المِرْفَقَينِ في الوَضُوْءِ فَقَال: وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٢): ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) فَمَا بَعْدَ "إِلَى" في هَذَينِ المَوْضِعَينِ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا، وَهِي بِمَنْزِلَة "مَعَ"، قَال: وحَكَى يَعْقُوْب (٤) وَغَيرُهُ: أَنَّ "إِلَى" تَكُوْن بِمَعْنَى "مَعَ" وَتَقُوْل العَرَبُ: إِنَّ فُلانًا لَظَرِيفٌ عَاقِلٌ إِلَى حَسَبٍ ثَابِتٍ، أَي: مَعَ حَسَبٍ، وأَنْشَدَ لِذِي الرُّمَّة (٥):
بِهَا كُلُّ خَوَّارٍ إِلَى كُلِّ صَلْعَةٍ [ضَهُوْلٌ] وَرَفْضُ المُذْرَعَاتِ القَراهِبِ
أَي: مَعَ كُلِّ صَلْعَةٍ.
_________________
(١) في (س): "وحكى".
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٥٢، وسورة الصَّف، الآية: ١٤.
(٣) سورة النِّسَاء، الآية: ٢.
(٤) هو: أَبُو يُوْسُفَ يَعْقُوْبُ بن إِسْحَاقَ السِّكِيتُ، والسِّكِيتُ لَقَبُ أَبِيهِ إِسْحَق، وكَانَ أَبُوهُ عَالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ والآدابِ، من أَصْحَابِ الكَسَائِيِّ. وبَرَع هُوَ في النَّحْو واللُّغَةِ والشَّعر، فأخَذَ عن أَبِي عَمْرٍو الشَّيبَانِي والفَرَّاءِ، وابنِ الأعْرَابِيِّ وَصَنَّف وَدَرَسَ حَتَّى تُوفي سنة (٢٤٤ هـ). أَخْبُارُهُ في: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٧٣)، وشذَرَات الذَّهب (٢/ ١٠٦).
(٥) ديوانه (١٨٨)، وَجَاءَ فِي شَرْحِ الدِّيوان: "ضَهُوْلٌ: قَلِيلَةُ اللَّبَن. وَكُل خَوَّارٍ يُريدُ بذلِكَ الغَزَال ويَخُوْرُ إلى أُمِّهِ، وَهِيَ الصَّلْعَةُ؛ لِأنَّها صَغِيرَةُ الرَّأْسِ، يُرِيدُ الظَّبْيَةَ، وبِهَا رَفْضُ المُذْرَعَاتِ، والرَّفْضُ فِرَقٌ، وهي: مَا ارْفَضَّ وتَفَرَّقَ. والمُذْرَعَاتُ: البَقَرُ مَعَهُنَّ أَوْلادُهُنَّ والوَلَدُ يُسَمَّى ذَرْعًا، والقَرَاهِبُ: المُسِنَّاتُ، والوَاحِدَةُ قَرْهَبٌ". والبَيتُ في: أَدب الكَاتب (٥١٦)، وشرحه للجَوَالِيقيِّ (٣٧٠)، والاقتضاب لابن السِّيد (٣٧٧)، واللِّسَان، والتَّاج (ضَهَلَ).
[ ١ / ٥٣ ]
وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِخِلافِ قَوْلِ مَالِكٍ، قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ واللَّيلُ لَيسَ بِدَاخِلٍ في الصِّيَامِ، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ مَا بَعْدَ "إِلَى" إِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنَ الدُّخُوْلِ فِيمَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَ مِن غَيرِ جِنْسِهِ. وأَمَّا إِذَا كَانَ مِن جِنْسِهِ فَبَابُهُ، أَنْ يَكُوْنَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ حَتَّى يَقُوْمَ دَلِيلٌ عَلَى غَيرِ ذلِكَ، أَلا تَرَى أَنَّ البَصْرِيِّينَ قَدْ أَجَازُوا ضَرَبْتُ القَوْمَ حَتَّى زَيدٍ ضَرَبْتُهُ بالخَفْضِ، وَقَالُوا: يُجْعَلُ ضَرَبْتُهُ تَوْكِيدًا، بَعْدَ مَا مَضَى كَلامُكَ عَلَى الخَفْضِ، ولَوْلَا أَنَّ زَيدًا قَدْ دَخَلَ في المَضْرُوْبِينَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُوْنَ تَوْكِيدًا، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ مَا بَعْدَ "إِلَى" لَمَّا كَانَ قَدْ يَجُوْزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ، وَقَدْ يَجُوْزُ أَنْ لَا يَكُوْنَ، كَانَ إِدْخَالُ المِرْفَقَينِ في الغَسْلِ أَحْوَطَ وأَرْفَعَ للشُّبْهَةِ، والخِلافُ في الكَعْبَينِ كَهُوَ في المِرْفَقَينِ، وَذَكَرَ أَنَّ الوَاوَ العَاطِفَةَ لا تُعْطِي رُتْبَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَى ذلِكَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالى (٢): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي مَوْضِعَ آخَرَ (٣): ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾، وَقَال أَبُو كَبْشَةَ (٤):
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧، وفي الأصل: "وَأَتِمُّوا".
(٢) سورة البقرة، الآية: ٥٨.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٦١.
(٤) يبدو أَنَّ "كَبْشَةَ" جَدَّةُ امْرئ القَيسِ لأمِّه؛ لأنَّهُ يَقُول [في ديوانه: ١٣٨]: خَالِي ابنُ كَبْشَةَ قَدْ عَلِمْتِ مَكَانَهُ وَأَبُو يَزِيدَ وَرَهْطُهُ أَعْمَامِي ولا يَمْنَعُ ذلك أَنْ يُكْنَى امرؤ القَيس أَيضًا بهذه الكُنْية، والبَيتُ الَّذي ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ من مُعَلَّقَتِهِ المَشْهُوْرَةِ، وصَدْرُهُ: * فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ *
[ ١ / ٥٤ ]
* وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ *
وإِنَّمَا يُرْدِفُ بِأعْجَازٍ بَعْدَ أَنْ يَنُوْءَ بِكَلْكَلِهِ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ عَنِ البَصْرِيِّينَ والكَوْفِيِّينَ.
وَقَال ثَعْلَبٌ (١): الوُضُوء -بِضَمِّ الوَاو- الفِعْلُ، وبِفَتْحِهَا: المَاءُ، وهو قَوْلٌ مَشْهُوْرٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ. وأَمَّا سِيبَوَيهِ وأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: بالفَتْحِ في المَصْدَرِ والمَاءِ جَمِيعًا، وذَكَرُوا أَنَّ المَصَادِرَ حُكْمُهَا أَن تَجِيءَ على فُعُوْلٍ -بِضَمِّ الفَاءِ- كالقُعُودِ ونَحْوهِ، والأسْمَاءُ بالفَتْحِ، إلَّا أَسْمَاء شَذَّتْ عَنِ المَصَادِرِ فَجَاءَتْ مَفْتُوْحَةَ الأوَّلِ وَهِيَ: الوَضُوْءُ، والطَّهُوْرُ، والوَلُوع، والوَقُوْدُ، والوَزُوْعُ، كَمَا شَذَّت أَشْيَاءٌ مِنَ الأسْمَاءِ فَجَاءَتْ بالضَمِّ كالسُّدُوْسِ والعُكُوْفِ، الأُتِيِّ، وقَال الأَصْمَعِيُّ (٢): الوُضُوْءُ -بالضَمِّ- لَيسَ في كَلامِ العَرَبِ (٣)، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ
_________________
(١) هو: أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ يَحْيَى الشَّيبَانِيُّ، إمامُ الكُوفيين في عَصْرِهِ كَانَ في زَمَنِ المُبَرِّدِ وبينهما ما بينَ المُتَعَاصِرَينِ، رَوَى عَنه اليَزِيدِيُّ، وابنُ الأنْبَارِيِّ، أَبُو عْمَرَ الزَّاهِد وغَيرُهُم، وألَّف "الفصيح" المنسوب إليه، و"المجالسَ" ورَوَى وشَرَحَ مَجْمُوعةً من دَوَاوينِ الشُّعراء في الجَاهليةِ والإسْلامِ تُوفي سنة (٢٩٢ هـ). أَخْبَارُهُ في: إنباه الرُّواة (١/ ١٣٨)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٤١٠)، وغيرهما، وقوله هَذا في كتابه "الفصيح" (٢٩٣).
(٢) هُوَ عَبْدُ المَلِكِ بنُ قُرَيب البَاهِلِيُّ، أَبُو سَعِيدٍ، كَانَ إِمَامًا في رِوَايَةِ اللُّغَةِ، والأشْعَارِ، والأخْبَارِ، مُتَحَرِّيًا في التَّفْسِير، ثِقَةً فِيمَا يَنْقُلُ عن العَرَبِ، ألَّف كُتُبًا، مِنْهَا: "الفرقُ" و"خَلْقُ الإنْسَانِ" واختيارته الشِّعْرِيَّة المشهورة بـ "الأصمَعِيَّات" وغيرها، توفي سنة (٢١٠ هـ). أَخْبَارُهُ في: إنباه الرواة (٢/ ١٩٧)، وتاريخ بغداد (١٠/ ٤١٠)، وغيرهما.
(٣) في "تَهْذيب اللُّغة" للأزهري (١٢/ ٩٩): "قَال الأصْمَعِيُّ: قلتُ لأَبِي عَمْرِو بن العَلَاءِ: مَا الوَضُوْءُ؟ فَقَال: المَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قَال: قُلْتُ: فَمَا الوُضُوءِ -بالضَمِّ-؟ فَقَال: لا أَعْرِفُهُ". وفي "الزَّاهِرِ" للأزْهَرِيِّ أيضًا (٣٦): "أَمَّا الوُضُوْءُ -بالضَمِّ- فإِنَّه لا يُعْرَفُ ولا يُسْتَعْمَلُ في بابِ =
[ ١ / ٥٥ ]
قَاسَهُ النَّحْويُّوْنَ، والوَضُوْءُ: مِنَ الوَضَاءَةِ، وَهِيَ: الحُسْنُ والنَّظَافَةُ، [يُقَالُ] رَجُلٌ وَضِيءُ الوَجْهِ، وكُلُّ عُضْوٍ غَسَلْتَهُ فَقَدْ وَضَّأتَهُ.
- و"الاسْتِجْمَارُ": التَّمَسُّحُ بالأَحْجَارِ، وَهِيَ الجِمَارُ (١)، وبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ، ويُقَالُ: جَمَّرَ الرَّجُلُ تَجْمِيرًا: إِذَا رَمَى بالجِمَارِ، وَوَاحِدَةُ الجِمَارِ جَمْرَةٌ.
- و"الاسْتِنْثَارُ": أَخْذُ المَاءِ بالأَنْفِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ من النُّثْرَةِ، وَهِيَ الأنْفُ كَأَنَّهُ أَخَذَ المَاءِ بالنُّثْرَةِ، فَهُوَ عَلَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ الاسْتِنْشَاقِ سَوَاء، وقِيلَ:
_________________
(١) = التَّوَضُّؤ بالمَاءِ" وَمَا حَكَى المُؤَلِّفُ ﵀ من الفَتح فِيهِمَا هُوَ رَأْيُ الخَلِيلِ. يُراجع: العين (١/ ٧٦)، ومُخْتصره (٢/ ١٦٨)، وَجَاءَ في حَاشية نُسخة "الاقتضاب" لليَفرُنِيِّ الخَطيَّة في هَذَا المَوْضِع: "الوَضُوْءُ -بالفَتح- إذَا كَانَ المَاءُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الوَضُوْءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وبِالضمِّ إِذَا أَرَدْتَ الفِعْلَ، وقَال الخَلِيلُ: الفَتح في الوَجْهَين، ولا يُعْرَفُ الضَمِّ وَكَذَا عِنْدَهُمْ الطَّهُوْرُ والطُّهُوْرُ، والغَسْلُ والغُسْلُ، وحُكَى غَسْلًا وغُسلًا بمعنًى. قال ابن الأنْبَاري: والوجْهُ الأوَّل، وهو التَّفرِيقُ بَينهما، وهو المَعرُوف الَّذي عليه أَهْلُ اللُّغَةِ". يُراجع: الزَّاهِرُ لابن الأنْبَارِيِّ (١/ ١٣٣)، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (وَضُؤَ). قَال الجوْهَرِيُّ فِي "الصِّحَاح" (وَضُؤَ): "ذَكَرَ الأخْفَشُ في قَولهِ تَعَالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٤]، فَقَال: الوَقُود: الحَطَبُ بِالفَتح، والوُقُود -بالضَمِّ- الاتِّقَادِ، وهو الفِعْلُ. قَال: وَمِثْلُ ذلِكَ: الوَضُوْءُ وهو المَاءَ، والوُضُوْءُ وهُوَ الفِعْلُ ثمَّ قَال: وَزَعَمُوا أنَّهمَا لُغَتَان بِمَعْنًى وَاحِدٍ، تَقُولُ: الوَقُوْدُ والوُقوْدُ " ويُراجع: الزَّاهِرُ للأزْهَرِيِّ (٢٥)، وَمَعَانِي القُرْآنِ للأَخْفَشِ (٥٧١)، وَمَعَانِي القُرْآن وإِعْرَابُهُ للزجَّاج (١/ ١٠١)، وَإِعْرَابُ القُرْآن للنَحَّاسِ (١/ ١٥١).
(٢) قَال الحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ في "الاسْتِذْكَارِ" (١/ ١٧٣): "الجمَارُ عِنْدَ العَرَبِ: الحِجَارةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَصْرِيفَ هَذِهِ اللَّفْظة في اللُّغَةِ وشَوَاهِدِ الشِّعْرِ عَلَى ذَلِكَ في "التَّمْهِيدِ". يُراجع: التَّمْهِيدُ (١١/ ١٤ - ١٦)، والزَّاهرِ لابنِ الأنباريِّ (١/ ١٣٧)، والزَّاهر للأزهريِّ (٤٦)، ومَعَانِي (جَمَرَ) فيه (١٨٢، ٣٩٠).
[ ١ / ٥٦ ]
الاسْتِنْثَارُ: رَمْيُ المَاءِ مِنَ الأنْفِ بَعْدَ استِنْشَاقِهِ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ قَوْلهِمْ: نَثَرْتُ الشَّيءَ نَثْرًا: إِذَا رَمَيتَهُ مُتَفَرِّقَّا، وَيُقَالُ نَثَرَتِ الدَّابَّةُ نَثرًا ونَثيرًا إِذَا عَطَسَتْ، قَال ذُو الرُّمَّةِ -يَصِفُ حُمُرَ وَحْشٍ وَرَدَتِ المَاءَ- (١):
فَمَا أَفْجَرَتْ حَتَّى أَهَبَّ بِسُدْفَةٍ عَلاجِيمَ عَينَا ابْنَي صُبَاحٍ نَثيرُهَا
يُرِيدُ: إِنَّها أَيقَظَتِ الضَّفَادعَ بِأَصْوَاتِ أُنُوفِهَا. وَهَذَا القَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بالاسْتِنْثَارِ المَذكُوْرِ في الوَضُوْءِ؛ ولأنَّه قَدْ جَاءَ في حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِي - ﷺ -: "إِذَا تَوَضَّأ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخَرِهِ مِنَ المَاءِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ" دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الاسْتِنْثَارَ غَيرُ الاسْتِنْشَاقِ (٢).
- وأَصْلُ "المَضْمَضَةُ": الغَسْلُ. يُقَالُ: مَضْمَضَ إِنَاءَهُ وَمَصْمَصَهُ، بالضَّادِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ: إِذَا غَسَلَهُ، حَكَى ذلِكَ يَعْقُوْبُ (٣)، ويَقَالُ: تَمَضْمَضَ النَّوْمُ في عَينَيهِ: إِذَا بَدَا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ، قَال الرَّاجِزُ (٤):
وَصَاحِبٍ نَبَّهْتُهُ لِيَنْهَضَا
إِذِ الكَرَي فِي عَينِهِ تَمَضمَضَا
_________________
(١) ديوانه (٢٤٦). العَلاجِيمُ: هي الضَّفَادِعُ، وَاحِدُهَا عُلْجُوْمٌ. وصُبَاحٌ -بِضَمِّ الصَّادِ-: رَجُلٌ من بَنِي ضَبَّةَ. وابْنا صُباح: صَائِدَانِ.
(٢) في (س): "الاسْتِنْشَاقُ غيرُ الاسْتِنْثَارِ".
(٣) تهذيب الألفاظ (٦٢٨)، وإِصْلَاح المَنطق (٣٨٩).
(٤) البَيتَانِ الأوَّلَانِ في اللِّسان (مَضْمَضَ)، ويُراجع: نوادر أبي زيد (٤٦٦)، وجمهرة اللُّغة (١/ ٢١٢)، والمُخَصَّص (١٠/ ١٥٨)، وَمَقَايِيس اللُّغة (١/ ٨١)، والصِّحاح، والتَّاج (مضمض). ويُنْسَبَانِ إلى الرَّكاضِ الدُّبَيرِيِّ، أو لِرَجُلٍ من بني سَعْدٍ.
[ ١ / ٥٧ ]
فَقَامَ عَجْلانَ وَمَا تَأَرَّضَا
يَمْسَحُ بالكَفَّينِ وَجْهَا أَبْيَضَا
- وَذَكَرَ خَفْضُ الأرْجُلِ في قَوْلِهِ تَعَالي (١): ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾، فَقَال:
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦. وقراءة خَفْضِ الأرْجُلِ هي قراءةُ ابن كَثِيرٍ، وأبي عَمْرٍو، وحَمْزَةَ، وأبي بَكْرٍ عن عَاصِمٍ، وهؤلَاءِ من السَّبْعَةِ، وهي قِرَاءَةُ ابنِ عَبَّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وقَتَادَةَ، وعَلْقَمَةَ والضَّحَّاكَ، ومُجَاهِدٍ، وأَبِي جَعْفَرٍ، وأَنَسٍ، والبَاقِرِ وغَيرِهِم. كَمَا قَرَأ الحَسَنُ، وَالوَليدُ بنُ مُسْلِمٍ، وَالأعْمَشُ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالرَّفْعِ، وهَذ القِرَاءَةُ لا تَعْنِينَا الآنَ، وقِرَاءَةُ الخَفْضِ المَذْكُوْرَةِ ذَكَرَهَا ابنُ مُجِاهِدٍ في السَّبْعَةِ (٢٤٢)، والدَّانيُّ في التَّيسِير (٩٨)، والطَّبَرِيُّ في تفسيره (١٠/ ٦٠)، وابنُ خَالوَيهِ في إعراب القِراءات (١/ ١٤٣)، ومَكِّيُّ بنُ أبي طَالِبٍ في الكَشْفِ (١/ ٤٠٦)، وابنُ الجَوْزِيِّ في زادِ المَسِير (٢/ ٣٠١)، وابنُ عَطِيَّةَ في المُحرَّر الوَجِيز (٤/ ٣٦٥)، والقُرْطُبِيُّ في تفْسِيرِهِ (٦/ ٩١)، وأَبُو حَيَّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ (٣/ ٤٣٧)، وغيرهم. قَال ابنُ خَالويه: "قَال أَبُو عَبْدِ الله -﵁-: وَقَد اختَلَفَ الفُقَهَاء والنَّحْويُّون فِي تَأْويلِ هَذ الآيةِ، فَمَنْ نَصَبَ نَسَقَهُ عَلَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ وأَرْجُلَكُمْ﴾ وَهُو الاختيَارُ بإِجْمَاعِ الكَافَةِ عَلَيهِ، ومَعَ ذلِكَ فإنَّ المَحْدُوْدَ مَعَ المَحْدُوْدِ أَوْلى أن يُؤتَيَا، وذلِكَ أَنَّ اللهَ كَلَّ مَا ذَكَرَهُ من المَسْحِ فَإِنَّهُ لم يُحَدِّدْهُ، وكل مَا حَدَّهُ فهو مَغْسُولٌ نَحْوَ ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾. ومَنْ كَسَرَ فَحُجَّتُهُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ القُرْآنَ بِمَسْحِ الرِّجْلِ، ثُمَّ عَادَتِ السُّنَّةُ إِلَى الغَسْلِ، وكَذلِكَ قَال الشَّعْبِيُّ، وَالحَسَنُ، قَال أَبُو عُبَيدٍ: مَنْ قَرَأَ: ﴿وأَرْجُلِكُمْ﴾ بالكَسْرِ لَزِمَهُ أَنْ يَمْسَحَ، ومَنْ ذَكَرَ أَن مَنْ خَفَضَ ﴿وأَرْجُلِكُمْ﴾ خَفَضَ عَلَى الجِوَارِ فَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ؛ لأن الخَفْضَ عَلَى الجِوَارِ لُغَة لا تُسْتَعْمَلُ في القُرآنِ، وإِنَّما تكونُ لِضَرُوْرَةِ شَاعِرٍ أَوْ حَرْفٍ يَجْرِي كَالمَثلِ، كَقَوْلهِمْ: "جِحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الغَسْلَ مَسْحًا قَال اللهُ تَعَالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٣] " انتَهَى كَلَام ابن خَالوَيهِ. ويُراجع: مَعَانِي القُرْآن وإعرابه للزَّجَّاج (٢/ ١٥٣)، والقَائل بجوازِ جَرِّه على الإتْبَاعِ هُوَ الأخْفَشُ. يُراجع: المَعَانِي له (١/ ٢٧٧)، وابْنُ الأنْبَارِيِّ كَمَا نَقَلَ ابنُ الجَوْزِي عَنْهُ في =
[ ١ / ٥٨ ]
وَفِي ذلِكَ قَوْلانِ، زَعَمَ قَوْمٌ أَنّه خَفْضٌ عَلَى الجِوَارِ، كَمَا قَال امْرُؤُ القَيسِ (١):
* صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ *
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُوْلَ: "أَوْ قَدِيرًا"، وَكَمَا قَال زهُيرٌ (٢):
* سَوَافِي المُوْرِ والقَطْرِ *
وَقَال النَّابِغَةُ (٣):
لَمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيرٌ غَيرُ مُنْقَلِبٍ أَوْ مُوْثَقٍ في حِبَالِ القَدِّ مَسْلُوْبِ
وَقِيلَ: إِنَّ الأرْجُلَ مَعْطُوْفَةٌ عَلَى الرُّؤُوسِ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ العَطْفِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيفَ يَصِحُّ عَطْفُهَا عَلَى الرُّؤُوْسِ، والرُّؤُوْسُ مَمْسُوْحَةٌ وَالأرْجُلُ مَغْسُوْلَةٌ؟ .
فَالجَوَابُ عَن ذلِكَ مِنْ وَجْهَينِ، كِلاهُمَا مُقْنِعٌ.
أَحَدُهَا (٤): أَنَّ العَرَبَ قَدْ تَعْطِفُ الشَّيءَ عَلَى الشَّيءِ وإِن اخْتَلَفَ مَعْنيَاهُمَا
_________________
(١) = زَادِ المَسِيرِ (٢/ ٣٠٢).
(٢) ديوان امرئ القَيس (٢٢)، وصدره: * وَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ * ويُرَاجَعُ: شَرْحُ أَبِي عَاصِم البَطَلْيَوْسِيِّ (١/ ١٠٦)، وشرح القَصَائِدِ لابنِ الأنْبَارِيِّ (٦٧)، وَشَرْحُهَا لابنِ النَّحَّاسِ (١/ ١٨٣).
(٣) شَرْحُ ديوان زُهَيرٍ (٨٧) والبيتُ بتمامه هُنَاكَ: لَعِبَ الرِّياحُ بها وغَيَّرَهُ بَعْدِي سَوَافِي المُوْرِ والقَطْرِ وقال: لأنَّهَ لا سَوَافِيَ للقَطْرِ، كَمَا قَالُوا: "جِحْرُ ضَبٍّ خَرِبِ".
(٤) ديوانه (٥٢).
(٥) ساقط من (س).
[ ١ / ٥٩ ]
إِذَا كَانَ لَهُمَا وَجْهٌ يَجْتَمِعَانِ فيه كَقَوْلِ الرَّاجِزُ (١):
* شَرَّابُ أَلْبَانٍ وَتَمْرٍ وأَقِطْ *
والتَّمْرُ وَالأقِطُ يُؤكَلَانِ وَلَا يُشْرَبَانِ، وَلَكِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ في أَنَّ كُلَّ وَاحدٍ غِذَاءٌ يُغْتَذَى [بِهِ] (٢)، وَكَذلِكَ قَوْلُ الآخَرِ (٣):
[يَا ليتَ زَوُجَكِ قَدْ غَدَا] مُتَقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحًا
والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولكِنَّ الرُّمْحَ قَدْ يُشَارِكَ السَّيفَ؛ في أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْمُوْلٌ، فَكَذلِكَ الأَرْجُلُ والرُّؤُوْسُ وإِنِ اخْتَلَفتْ في أنَّ بَعْضَهَا مَمْسُوْحٌ وبَعْضَهَا مَغْسُوْلٌ فَقَدِ اتَّفَقَتْ فِي أَنَّ المَسْحَ والغَسْلَ كِلَاهُمَا طَهَارَةٌ.
والآخَرُ: أَنَّ وَاوَ العَطْفِ إِنَّمَا تُشْرِكُ الثَّانِي مَعَ الأوَّلِ بِنَوع الفِعْلِ وَجِنْسِهِ، لَا فِي كَيفِيَّتِهِ ولَا كَمِّيَّتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيدًا وعَمْرًا جَازَ أَنْ تَضْرِبَ أَحَدَهُمَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، والآخَرُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً فَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُ الضَّرْبَينِ وكَيفِيَّتُهُمَا، ولا يُبْطِلُ ذلِكَ عَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ. وكَذلِكَ يَجُوْزُ أَنْ تَضْرِبَ أَحَدَهُمَا قَائِمًا والآخَرَ قَاعِدًا فَتَخْتَلِفُ الكَيفِيَّتَانِ، وكَذلِكَ إِذَا قُلْتَ: أَعْطَيتُ زَيدًا عَمْرًا جَازَ أَنْ تَسْتَوي العَطِيَّتَانِ، وَجَازَ أَنْ تَخْتَلِفَا في القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فتُعْطِي أَحَدَهُمَا دِرْهَمًا والآخَرَ مَائَةَ دِرْهَمٍ. والعَرَبُ رُبَّمَا استَعْمَلَتْ المَسْحَ بمَعْنْى الغَسْلِ، قَال الرَّاجِز (٤):
_________________
(١) البيتُ في الكامل (١/ ٤٣٢، ٤٧٧، ٨٣٦)، والمُقتضب (٢/ ٥١).
(٢) في (س).
(٣) هو: عَبْدُ اللهِ بنُ الزِّبَعْرِى -تقدَّم ذكره- والبَيتُ في شعره (٣٢)، وهُوَ مَشْهُوْرٌ جدًّا، وَصَدْرُهُ في (س).
(٤) اللِّسان (شلا)، عن الصِّحاح. وبعده: =
[ ١ / ٦٠ ]
* أشْلَيتُ عَنْزِي وَمَسَحْتُ قَعْبِي *
والقَعْبُ: القِدْحُ، يُرِيدُ إِنَّه غَسَلَ قِدْحَهُ لِيَحْلِبَ. وَقَدْ حَكَى أَبُو زَيدٍ (١) أَنَّ العَرَبَ تَقُوْلُ: تَمَسَّحْتَ لِلصَّلَاةِ: إِذَا تَوَضَّأَتَ لَهَا، فَلَمَّا كَانَتِ الوَاوُ إِنَّمَا تُوْجِبُ الشَّرِكَةَ في نَوع الفِعْلِ وَجِنْسِهِ لَا فِي كَيفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ، وَكَانَ النَّضْحُ والغَسْلُ كِلَاهُمَا (٢) يُسَمَّى مَسْحًا عُطِفَتِ الأَرْجُلُ عَلَى الرُّؤُوْسِ، وإِنْ اخْتَلَفَتْ الكَمِّيَّتَانِ والكَيفِيَّتَانِ، كَمَا جَازَ أَنْ يُقَال: أَعْطَيتُ زَيدًا وعَمْرًا في المَسْأَلةِ المَذْكُوْرَةِ؛ لأنَّ النَّضْحَ جُزْءٌ مِنَ الغَسْلِ، كَمَا أَنَّ الدِّرْهَمَ جُزْءٌ من المَائِةِ، فَهَذَا أَحْسَنُ تَأْويلٍ حُمِلَتْ عَلَيهِ؛ لأنَّه جَارٍ مَجْرَى كَلَامِ العَرَبِ الفَصِيحِ الذِي لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ دَفْعَهُ، فَأمَّا حَمْلُهُ عَلَى الجِوَارِ فَهُوَ غَلَطٌ؛ لأنَّهُ لَا خِلَافَ بَينَ النَّحْويِّينَ في أنَّ الخَفْضَ عَلَى الجِوَارِ خَارِجٌ عَنِ القِيَاسِ، دَاخِلٌ في بَابِ الشُّذُوْذِ، وَجمِيع مَا أَنْشَدُوْهُ عَلَى أَنَّه مَخْفُوْضٌ عَلَى الجِوَارِ أَوْ حَكَوْهُ يُمْكِنُ تَأْويلُهُ عَلَى غَيرِ مَا قَالُوْهُ، وإِنَّمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ في هَذَا؛ لأنَّهم لَمَّا سَمِعُوا النَّحْويِّينَ يَقُوْلُوْنَ: الوَاوُ تُشْرِكُ الأوَّلَ مَعَ الثَّانِي لَفْظًا ومَعْنَى، ظَنُّوا أَنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ تَسَاويهِمَا فِي الكَمِّيَّة والكَيفِيَّةِ، فَهَذَا مَا يَقْتَضِيهِ لِسَانُ العَرَبِ، وقَدْ جَاءَ في حَدِيثِ الصُّنَابِحِيُّ (٣) "خَرَجَتْ الخَطَايَا مِنْ
_________________
(١) = * ثم تَهَيَّأتُ لشُرب قأب * ولم ينسباهما.
(٢) جاء في كتاب "الحُجَّة" لأبي علي الفارسي (٣/ ٢١٥): " فَإِنَّ مَنْ لَا نَتَّهِمُهُ رَوَى لَنَا عَنْ أَبِي زَيدٍ أنَّه قَال: المَسْحُ: خَفِيفُ الغَسْلِ".
(٣) في (س): "كليهما".
(٤) الصُّنَابِحِيُّ: أبُو عبدِ الرَّحمن بنُ عُسَيلة كَذَا في الاستذكار (١/ ٢٤٩). وقال ابنُ الأثيرِ في =
[ ١ / ٦١ ]
رِجْلَيهِ إذَا غَسَلَهُمَا" وَهَذَا إِفْصَاحٌ بِغَسْلِ الأرْجُلِ.