- ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ إِنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ السَّاعةِ فِي هذَا الحَدِيثِ إِنَّمَا هِيَ أَجْزَاء مِنْ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّيءَ إِذَا كَانَتْ أَجْزَاؤُهُ مُتَشَابهةَ غَيرَ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنَّ العَرَبَ رُبَّمَا سَمَّتْ كُلَّ جُزْء مِنْ أَجْزَائِهِ باسْمِ جُملَتِهِ، وهذَا يَجِيءُ كَثيرًا في الأجْنَاسِ والأنْوَاعِ الَّتِي لَيسَتُ لأجْزَائِها أَسْمَاء تَخُصُّها مِنْ حَيثُ هِيَ أَجْزَاء، أَلا تَرَى أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ المَائِعَاتِ كُلّها يُسَمَّى بِاسْمِ جُمْلَتِها، وَلَوْلا ذلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَال: شَرِبْتُ مَاءً، وَلَا أَكَلْتُ عَسَلًا؛ لأنَّه لَمْ يَأكُلْ جَمِيعَ العَسَلِ، ولا شَرِبَ جَمِيعَ المَاءِ، وَلأجْلِ هذَا اسْتَجَازُوا جَمْعَ الأجْنَاسِ والأنْوَاعِ وإِنْ كَانَتْ أَلْفَاظُها تُغْنِي عَنْ ذلِكَ، وَقَالُوا في جَمعِ مَاءٍ: أَموَاهُ ومِيَاهٌ، وَفِي جمعٍ عَسَلٍ: عُسْلانٌ وعُسُلٌ، وَقَد يَكُوْنُ ذلِكَ أَيضا لاخْتِلافِ الأنْوَاعِ، كَمَا قَال النَّابِغةُ (٢):
_________________
(١) الموطأ رواية يَحيَى (١/ ١٠١)، ورواية أبي مُصعَب (١/ ١٦٦)، ورواية محمد بن الحسن (٨٦)، ورواية سُوَيد (١٢٣)، ورواية القَعنَبِي (٢٠٥)، وتفسير غريب المُوطَّأ لابن حَبِيب (١/ ٢٣٠)، والاستذكار (٢/ ٢٦٥)، والمُنْتَقَى لأبي الوَليد (١/ ١٨٣)، والقَبَس لابن العَرَبِي (١/ ٢٥٩)، وتنوير الحوالك (١/ ١٣١)، وشَرح الزَّرقاني (١/ ٢٠٦).
(٢) هو النَّابغة الجَعدِيُّ، وَيَظْهرُ أَنَّ البَيتَ من شَوَارِدِ قَصِيدَتِهِ الَّتِي أوَّلها: هلْ بالدِّيَارِ الغَدَاةِ مِنْ صَمَمِ أَم هلْ بِرَبْعِ الأنِيسِ مِنْ قِدَمِ وَلَعَل مَوْقع البَيتِ بعدَ قَوْلهِ: عُلَّتْ بِها قُرْقُفٌ سُلافَة أَسـ ـفنْطِ عُقَارٌ قَلِيلَةُ النَّدَمِ =
[ ١ / ١٥١ ]
بَيضَاءَ مِنْ عَسلِ ذِرْوَةٍ ضَرَبٍ شِيبَتْ بِمَاءِ القُلاتِ مِن عَرِمِ
فَعَلَى هذَا يَجُوْزُ أَنْ يُسَمَّى كُلَّ جُزْءٍ مِنَ السَّاعَةِ سَاعَةً، وأَيضًا فَإِنَّا وَجدنَا العَرَبَ قَدْ أَوْقَعَتِ السَّاعَةُ عَلَى المُتَعَارَفِ المَشْهُوْرِ مِنْ أَمرها، وَأَوْقَعَتْها أَيضًا عَلَى مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْها، وَعَلَى مَا يَحتَمِلُ الأمرَينِ جَمِيعًا. فَأَمَّا إِيقَاعُهُم إِيَّاها عَلَى المُتَعَارَفِ فَكَقَوْلهِم: نُمْتُ ثَلاثَ سَاعَاتٍ، ولَقِيتك، في السَّاعَةِ الأوْلَى مِنَ النَّهارِ أَوْ نحو ذلِكَ، وأَمَّا إِيقَاعُهُم إِيَّاها عَلَى الجُزْءِ فَقَوْلُهُم. اجْلِسْ مَعَنَا سَاعَةً قَصِيرَةً، وسَاعَةً صَغَيرَةً، فَقَد نَابَ هذَا مَنَابَ قَوْلهِم: بَعضُ سَاعَةٍ وجُزْءٌ مِنْ سَاعَة، ومَنَابَ سُوَيعَةٍ، ومِنْ ذلِكَ قَوْلُهُم: خَرَجْتُ فِي السَّاعَةِ الأوْلَى، وجَاءَ زَيدٌ في الثَّانِيَةِ، وَقَد عُلِمَ أن الخُرُوْجَ والقُدُوْمَ لَمْ يَكُوْنَا في الْسَّاعَةِ كُلها، وَإِثَّمَا كَانَا في جُزْءٍ مِنْها. وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُم: تَحَدَّثنا سَاعَةً مِنَ اللَّيلِ أَوْ مِنَ النَّهارِ، فَإِنَّهم لَا يُرِيدُوْنَ السَّاعَةَ عَلَى الحَقِيقَةِ؛ لأنَّ ذلِكَ لَا يُعلَمُ إلَّا بِوَزْنِ الشمسِ وَتَعدِيلِهِا، إِنَّمَا يُرِيدُوْنَ الوَقْتَ مِنَ الزَّمَانِ، والقَطْعَةَ مِنَ اللَّيلِ، ولا يُبَالُوْنَ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ السَّاعَةِ الحَقِيقِيّةِ أَم أَقَلَّ، كَمَا أَنّهُم قَالُوا (١): زَيدٌ يَخْرُجُ الآنَ، لَا يُرِيدُوْنَ الآنَ الحَقِيقِيَّ، وَلأنَّهُم يَجْعَلُوْنَ مَا قَرُب مِنْهُ آنًا، وعَلَى هذَا المَعنَى قَالُوا: كَانَ فُلانٌ يَنْظُرُ في عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ السَّاعَةَ ينْظُرُ في كَذا، لَا يَخُصُّونَ سَاعَةً بِعَينها، وَقَد يَسْتعمِلُوْنَ اليَوْمَ مَكَانَ ذلِكَ فَيقُوْلُونَ: هُوَ اليَوْمَ يَقْرَأُ كَذَا، ولا
_________________
(١) = بَيضَاءُ لبيت وهو في اللسَان: (عَسَلَ) قَال: "القُلات: جَمعُ قَلْتٍ، والعَرِمُ: جمع عَرِمَةٍ، وهي الْصُّخُوْر تُرْصَفُ ويُقْطَعُ بِها الوَادِي عَرضا لِتكوْنَ رَدًّا للسَّيلِ".
(٢) في الأصل: "أنَّه قَال ".
[ ١ / ١٥٢ ]
يُرِيدُوْنَ نَهارًا مُعَيَّنًا، وَقَد سَمَّى اللهُ القِيَامَةَ سَاعَةً، وَلم يُرِدْ السَّاعَةَ المَعرُوْفَةَ، وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَيضًا: أَنَّ الرَّوَاحَ والتَّهْجِيرَ لَا يُسْتعمَلانِ في الغُدُوِّ، وأَيضًا فَقَد رَوَى أَبُو هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: "إذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَامَ عَلَى كُلِّ باب مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ مَلائِكَةٌ يكتُبُوْنَ الناسَ الأَوَّلَ فالأوَّلَ، فَالمُهجِّرُ إلَى الجُمُعَةِ كَالمُهْدِي بَدَنَةً، والَّذي يَلِيهِ كالمُهْدِي بقرَةً " حَتَّى ذَكَرَ البَيضَةَ فَلَم يَذْكُر في هذَا الحَدِيثِ السَّاعَاتِ، وإِنَّمَا ذَكَرَ تَرتيبَ النَّاسِ في الإقْبَالِ، والمُهجّرُ لَا يُقَالُ لَهُ: مُبَكَّرٌ، وَكَذلِكَ المُبَكِّرُ لَا يُقَالُ لَهُ: مُهجَّر، وَكَذلِكَ الرَّوَاحُ هذَا المَعرُوْفُ مِنَ اللُّغَةِ، قَال لَبِيدٌ (١):
وَإِنَّا وإِخْوَانًا لَنَا قَدْ تَتَابَعُوا لَكَلْمُغْتَدِي والرَّائِحِ المُتَهجِّرِ
وَقَال عُمَرُ بنُ أَبِي رَبِيعَةِ (٢):
أَمِنْ آلِ نُعمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ غَدَاةَ غدٍ أَم رَائِح فَمُهجَّرُ
وأَمَّا حَدِيثُ: "مَنْ بكَّرَ وابْتَكَرَ" فالتَّبْكِيرُ في اللِّسَانِ في ضَربَينِ:
الخُرُوْجُ في بُكْرَة النَّهارِ، والتَّعجِيلُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ لَيلٍ أَوْ نَهار، تَقُوْلُ: أَنَا أُبكِّرُ إلَيكَ العَشِيّة، وَمِنْه باكُوْرَةُ الفَاكِهةِ لاسْتِعجَالها قبلَ غَيرِها. قَال (٣):
_________________
(١) ديوانه (٥٧) من قَصِيدَتِهِ التِي مطْلَعها: أَعَاذِلُ قَوْمُي فَاعذِلِي الآن أَوْ ذَرِي فَلَسْتُ وإنْ أَقْصَرتِ عَني بِمُقْصِرِ
(٢) ديوانه (٨٤).
(٣) هو: ضَمُرَةُ بنُ ضَمُرَةَ النَّهْسَلِيُّ في الوَحشِيَّات (٢٥٦) وغَيرِهِ، ورَبَّمَا نُسِبَتِ القَصِيدَةُ التي مِنْها البَيت لِحَرِّ بنِ ضَمُرَةَ وهو ابنُهُ. جَاءَ في نَوَادِرِ أَبِي زَيد الأنْصَارِي (١٤٣) "أخْبَرَني الرِّيَاشِي قَال أَخْبَرَنَا أَبُو زَيدٍ قَال: أَنْشَدَنِي المُفَضَّلُ لِضَمُرَةَ بنِ ضَمُرَةَ النَّهْشَلِي وهو =
[ ١ / ١٥٣ ]
بَكَرَتْ [تَلُوْمُكَ بَعدَوَهْنٍ في النَّدَى] (١) بَسَلٌ عَلَيكَ مَلامَتِي وعِتَابِي
والوَهْنُ والمُوْهِنُ: مِقْدَارُ ثُلُثِ اللَّيلِ، قَال النَابِغَةُ (٢):
* فَأَهْدَى لَهُ اللهُ الغُيُوْثَ البَوَاكِرَا *
أَرَادَ: العَجَلَةُ في أَوَّلِ السَّنَةِ، وَعَكْسُهُ لَفْظَةُ الوَاجِبِ، فَقَال: العَرَبُ تَقُوْلُ يَجِبُ عَلَيكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، ولا يُرِيدُوْنَ بِذلِكَ العرضَ واللُّزُوْمَ، وإِنَّمَا يُرِيدُوْنَ تَأكِيدَ الأمرِ عِنْدهُ وَحَضُّهُ عَلَيهِ، وأَنّه وَاجب في ذِكْرِ مَنْ يُرِيدُ بُلُوغ الكَمَالِ، قَال الشَّاعِرُ (٣):
لَعَمرُكَ مَا حَقُّ امرِئٍ لا يَعُدُّلِي عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا عَلَيهِ لَوَاجِبُ
وَقَال آخرُ (٤):
_________________
(١) = جَاهِلِي ". ويُنْظَر: الأمَالِي (٢/ ٢٩)، واللآلي للبَكْرِي (٩٢٢)، والأزْمِنَةِ والأمكِنَةِ (١/ ١٦٠)، والخِزَانَة (٤/ ٤٩). قَال أَبُو زَيد: "فَؤلُهُ: بَكَرَت أَي: عَجّلَتْ، ولم يُرِن بُكُوْرَ الغُدُوِّ، وَمِنْهُ بَاكُوْرَةُ الرُّطَبِ والفَاكِهةِ للشَّيء المُتَعَجَّلِ مِنْهُ، وَتَقُوْلُ: أَنَا أبكَّرُ العَشية فآتِيكَ، أي: أُعجَّلُ ذلِكَ وأُسْرِعُهُ، ولم يُرِن الغُدُوَّ، أَلا تَرى إِلَى قَوْله: بَعدَ وَهْنٍ أي: بَعدَ نَوْمَةٍ ".
(٢) ساقط من الأصل.
(٣) ديوانه (٧٧١)، وصدره: * ألكْنى إِلَى النُّعمَان حَيثُ لَقيتُهُ *
(٤) لم أجده في مصادري.
(٥) بهجة المجالس (٣٢٩) وبعده هناك: وإِلَّا فَقُلْ لَا تَسْتَرح وتُرِح بِها لِئَلَّا يقُوْلَ النَّاسُ إنكَ كَاذِبٌ ونَسَبَهُمَا البُختُرِيُّ في حَمَاسَتِهِ (٢٢٠) إلى هرِم بنِ غَنَّام السلُوْلي، ويُراجع: المستطرف (١/ ٢٣٤).
[ ١ / ١٥٤ ]
إِذَا قُلْتَ فِي شَيءٍ نَعَم فَأَتِمَّهُ فَإِنَّ نَعَم دَينٌ عَلَى الحُرِّ وَاجِبُ
أَرَادَ: وَاجِبٌ في الحُرّيَّةِ وَكَرَمِ الأخْلاقِ.
- وَقَوْلُ أبِي هُرَيرَةَ [﵁]. "كغُسلِ الجَنابة" [٢] اعلَم أَنَّ تَشْبِيه الشَّيءِ بالشَّيءِ لا يَقْتَضِي المُمَاثَلَةَ لَهُ مِن جَمِيع الجهاتِ، وَلَو اقْتَضَى ذلِكَ لَكَانَ هُوَ هُوَ، ولَم يَكُنْ غَيرَهُ، فَقَوْلنا: زَيدٌ كَالأسَدِ إِنَّمَا يُرادُ بِهِ في الجُرأَةِ والشَّجَاعَةِ، وأَيضا فَقَدْ قَال أَبُو هُرِيرَةَ لِلْمَرأَةِ الَّتِي تَطيّبتْ لِلْمَسْجِدِ: اللهُ لَا يَقْبَلُ مِنْكَ حَتَّى ترجِعِي فَتَغْتَسِلِي كَغُسْلِكِ مِنَ الجَنَابَةِ.
- والصَّوَابُ في قَوْلِهِ: "فَبِها وَنِعمَتْ": أَنْ يَكُوْنَ فعلًا مَاضِيًا لَحِقَتْهُ تَاءُ التّأنِيثِ، وَلَا وَجْة لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ بالهاءِ؛ لأنَّهُ يُرِيدُ: نِعمَتِ الخُطَّةِ أَو الفَعلَةُ.
- و"البدنَة": النَّاقَةُ الَّتِي تُهْدَى إِلَى البَيتِ، وتُسَمَّى البقَرَةُ بَدَنَة، وجمعُ البَدَنَةِ: بُدنٌ كَخَشَبَةٍ وخُشْبٌ، وأَكَمَةٍ وأُكْمٍ، ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ جَمعَ جَمع، جَمَعُوا بَدَنَةٍ عَلَى بَدَنٍ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ، وجَمَعُوا بَدَنًا على بُدنٍ مِثْلَ أَسَدٍ وأُسْدٍ.
وقِيلَ: إِنَّ البُدنَ جَمعُ بَدنٍ، وإِنَّ بَدَنًا لُغَةٌ في بَدَنَةٍ، وذلِكَ غَيرُ مَعرُوْفٍ.
- و"الأقْرَنُ": ذُو القَرنَينِ.
- و"المَقْبُرِيُّ" و"المَقْبَرِيُّ": مَعًا حَكَاهُمَا يَعقُوْبُ (١) في مَقْبُرَةٍ ومَقْبَرَة.
- وَقَوْلُهُ: "أيَّة سَاعَةٍ": الألِفُ هُنَا لِلاسْتِفْهامِ، وَمَعنَاهُ: التَّوْبِيخُ لَهُ عَلَى تأخِيرِهِ والإنكَارِ بِفِغلِهِ مِثْل قَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ معنَاهُ التَّوْبِيخِ
_________________
(١) إصلاح المنطق (١١٩).
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٦.
[ ١ / ١٥٥ ]
لِمَنْ ادَّعَى ذلِكَ عَلَى عَيسَى، وَقَد عَلِمَ اللهُ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْ ذلِكَ.
- وَقَوْلُهُ: "الوَضُوْءَ". الرِّوَايَةُ عَلَى لَفْظِ الخبَرِ، والصَّوَابُ: المَدُّ عَلَى الاسْتِفهامِ؛ لأنَّه تَوْبِيخٌ وتَعنِيفٌ كَالَّذِي قَبْله كَقَوْلهِ تَعَالى (١): ﴿ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وكَقَوْلهِ تَعَالى (٢): ﴿السِّحْرُ إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ﴾ في حَرفِ أَبِي عَمرو، ومَجَازُهُ في العَرَبِيّةِ أَنّه مُبْتَدَأٌ مَحْذُوْفُ الخَبَرِ، لِمَا في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيهِ، كَأَنَّهُ قَال: الوَضُوْءَ أَيضًا مِمَّا فَعَلْتَ، وَلَوْ نَصبَ لَكَانَ جَائِزًا، كَأَنَّهُ قَال: اتَّخَذْتَ الوَضُوْءَ مَعَ عِلْمِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ بالغُسْلِ.
- وَقَوْلُهُ: "مُعَجِّلًا أوْ مُؤَخِّرًا" [٥]. يَجُوْزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ، والفَتْحُ عَلَى
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٥٩.
(٢) سورة يونس، الآية: ٨١. ذَكَرَ هذه القِرَاءَة أَبو عُبَيدَةَ في مَجَازِ القُرآن (١/ ٢٨٠)، قَال: "وَيَزِيدُ فِيهِ قَوْمٌ أَلِفَ الاسْتِفْهامِ كَقَوْلكَ: السحر " ومِثْلُهُ في مَعَانِي القُرآن وإِعرَابه للزَّجاج (٣/ ٣٠)، وقَال ابنُ مُجَاهِد في السَّبعة (٣٢٨) "واخْتَلَفُوا في المدِّ وتركِ المَدِّ من قَوْلهِ: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ فَقَرَأَ أبو عَمرو وَحدَه: "آلسحرُ " مَمدُوْدٌ بالألفِ، وَكُلُّهم قَرَأَ: "السِّحرُ" بغَيرِ مَدٍّ عَلَى لَفْظِ الخَبَرِ. وشَرَحَ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ كَلامُ ابنِ مُجَاهدٍ في كتابه الحُجةِ (٤/ ٢٩٠، ٢٩١). وشَرَحَهُ أَيضا ابن خَالويه في إعرَابِ القِرَاءَات السَبع وعِلَلِها (١/ ٢٧٢)، قَال: "قَرَأَ أَبُو عَمرٍو وَحْدَهُ ﴿آلسِّحرُ﴾ بالمَدِّ جَعَلَ "مَا" بِمَعنَى أَي، والتَّقدِيرُ: أَيُّ شَيءٍ جِئْتم بِهِ؟ آلسحر هُوَ؟ كَمَا قَال تَعَالى: ﴿أسحر هذا﴾ وهذه الألِفُ تَوْبِيخ في لَفْظِ الاسْتِفْهامِ، فَهُم قَدْ عَلِمُوا أنه سحْرٌ". وَقَرَأَ بِهِ مِنْ غَيرِ السبْعَةِ: أَبُو جَعفر، واليَزِيدِيُّ، والشنبوْذِيُّ، ومُجَاهِدٌ، وابنُ القَعقَاعِ، وأبانٌ عن عَاصِمٍ، وَأبو حَاتِم عن يَعقُوْبَ. يُراجع: تَفْسِير الطَّبري (١١/ ١٠٢)، والكشف عن وجوه القِرَاءات (١/ ٥٢١)، والمُحرر الوَجيز (٧٧٧/ ١٩٥)، وزَادَ المَسِير (٤/ ٥١)، والكشَّاف (٢/ ٢٤٧٧)، وتفسير القُرطبي (٨/ ٣٦٨)، والبَحر المُحيط (٥/ ١٨٢)، والدُّرُّ المَصُوْن (٦/ ٢٤٩)، والمُغني لابن هشام (٢/ ٣).
[ ١ / ١٥٦ ]
الصِّفَةِ لِمصدَرٍ مَحْذُوْفٍ، كَأَنَّهُ قَال اغْتَسَل مُعَجِّلًا أَوْ مُؤَخَّرًا، والكَسْرُ عَلَى الحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الفَاعِلِ في "اغتَسَلَ" ونَظِيرُهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ (١):
وَتُسْقَى إِذَا مَا شِئْتَ غَيرَ مُصَردٍ بِزَوْرَاءَ في حَافَاتِها المِسْكُ كَانِعُ
- ويُقَالُ: لَغَوْتُ أَلْغُو لَغْوًا، ولَغِيتُ أَلْغِي لَغًا، وهُوَ كُلُّ كَلامٍ فَاسِدٍ لَمْ يَقَع المَوْقِعَ الَّذِي تُحِبُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلهِم: لَغَتِ الطَّيرُ ولَغِيَتْ: إِذَا اخْتَلَطَتْ أَصوَاتُها، قَال العَجَّاجُ (٢):
وَرُبَّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظَّمِ
عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ
وَقَال آخَرُ (٣):
* بَاكَرتُهُ قَبْلَ أَنْ تَلْغَى عَصَافِيرُهُ *
ويُقَالُ: عَدَلْتُ الشَّيءَ عَدلًا، وعَدَّلْتُهُ تَعْدِيلًا: إِذَا سَوَّيتُهُ، والتّشدِيدُ فِيهِ أَكْثَرُ.