القُنُوْتُ: لَفْظَةٌ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ يَرجِعُ جَمِيعِها إِلَى أَصلٍ وَاحِدٍ. فالقُنُوْتُ: القِيَامُ، وَمِنْهُ: "أفْضَلُ الصَّلاةِ طُوْلُ القُنُوت". والقُنُوْتُ: الصَّلاةُ، ومِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿أمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ أَي: أَمَّنْ هُوَ مُصَلٍّ، فَسَمَّى الصَلاةَ قُنُوْتًا لِمَا فِيها مِنَ القِيَامِ، ومِنْهُ قَوْلُهُ - ﷺ -: "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله كمَثَلِ القَانِتِ الصَّائِمِ" يعنِي: المُصَلَّى، والقُنُوْتُ: الدُّعَاءُ في الصَّلاةِ سُمِّيَ بِذلِكَ؛
_________________
(١) يُراجع: الفَصِيح لثعلب (٢٦٠)، وهي أَوَّلُ لَفْظَةٍ في فَصِيحِ ثَعْلَب، ويُراجع ما قاله شُراحُ الفَصِيحِ.
(٢) هو قَيس بنُ زُهير العَبْسِي، والبيتُ في شعره (٢٩)، وهو في: كتاب سيبويه (٥٩١)، ومعاني القرآن للفرَّاء (١/ ١٦١)، وإعراب القراءات (١/ ٣١٦، ٢/ ٤٧)، وسر صناعة الإعراب (٧٨، ٦٣١)، والمُنصف (٢/ ٨١)، وأمالي ابن الشَّجَرِي (١/ ١٢٦، ١٢٧)، ونَوَادر أبي زَيدٍ (٥٢٣)، وكتاب الشِّعر (١٢٦)، وضرائر الشعر (٤٥)، والخِزَانة (٣/ ٥٣٣)، وشرح شواهد الشَّافية (٤٠٨). في الأصل: "ألم يأتيك .. البيت" وأكمله في الهامش وفوقه كلمة "طرة".
(٣) سورة الزُّمَر، الآية: ٩.
[ ١ / ١٩٦ ]
لأنَّه في القِيَامِ يَكُوْنُ. والقُنُوْتُ: الإمسَاكُ عَنِ الكَلامِ، ومِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، والقُنُوْتُ: الطَّاعَةُ والإقْرَارُ بالعُبُوْدِيّة، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾. وقَد قِيلَ في قَوْلهِ: ﴿قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ مُطِيعِينَ.
- قَوْلُهُ: "ونَخلَعُ ونَتْرُكُ مَنْ يكفُرُكَ" كَذَا وَرَدَتِ الروَايَةُ عَلَى إِعمَالِ الفِعلِ الثانِي وَهُوَ "نَتْرُكُ" وَتَعلِيقُ الأوَّلِ، فَإِن أعمَلْتَ الأوَّلَ قُلْتَ: ونَخْلَعُ ونَتْرُكُهُ مَنْ يَكْفُرُكَ.
- قَوْلُهُ: "وَإلَيكَ نَسْعَى ونحفِدُ". قَدْ تَقَدَّمَ السَّعيُ. والحَفْدُ: هُوَ التَّصَرُّفُ في الخِدمَةِ، يُقَالُ: حَفَدَ يَحفِدُ فَهُوَ حَافِدُ: إِذَا خَدَمَ وتَصَرَّفَ بجدٍّ، ومِنْهُ قِيلَ لِلأعوَانِ: حَفَدَةٌ، وَاحِدُهُم حَافِدٌ مِثْلُ كَافِرٍ وَكَفَرَةٍ وَسَاحِر وسَحَرة [] (٣) ويُقَالُ لأوْلادِ البنِينِ حَفَدة؛ لأنَّ بَعضُهُم يَحْفِدُ بَعضًا، ويُقَالُ: حَفَدَ البَعِيرُ يَحْفِدُ: إِذَا أَسْرَعَ، وأَحفَدَهُ رَاكِبُه (٤).
و"الجِدُّ": ضِدُّ الهزْلِ، أَي: نَخَافُ عَذَابَكَ الحَقَّ الَّذِي لَا مِريَةَ فِيهِ والعَرَبُ تُسَمِّي مَا لا بُدَّ مِنْهُ وَلَا شَكَّ فِيهِ جِدًّا، فَعَذَابُ اللهِ لَا يَمتَرِي فِيهِ إلَّا الكُفَّارُ، قَال الرَّاجِزُ (٥):
_________________
(١) سورة البقرة.
(٢) سورة البقرة، وسورة الرُّوم، الآية: ٢٦.
(٣) كلمتان لم تظهرا في الصُّورة؛ من تصحيح على هامش الورقة. لعلها: "والحَفَدَةُ: الأخْتَانُ" كما جاء في الزَّاهر لابن الأنباري (١/ ٦٥).
(٤) يُراجع: فعلت وأفعلت للزَّجَّاج (٢٧)، واللِّسان (حفد)، وفيه: "وفي الحَفْدِ لُغَةٌ أُخْرَى: أَحْفَدَ إِحفَادًا".
(٥) الأبيات في اللّسان (عرد) عن ابن الأعرابي.
[ ١ / ١٩٧ ]
إني إذَا مَا الأمرُ كَانَ جِدّا
وَلَم أَجِدْ مِنْ اقْتِحَامٍ بُدّا
لاقِي العِدَى في حَيَّةٍ عِرْبَدّا
و"مُلْحِقٌ" بِكَسْرِ الحَاءِ، كَذَا الرِّوَايَةُ، وَهُوَ مَعْنَى لاحقٍ، يُقَالُ: لَحِقْتُهُ وأَلْحَقْتُهُ: إِذَا أَدرَكْتُهُ بِمَعَنى (١). ويَجُوْزُ مُلْحَقٌ -بِفَتْحِ الحَاءِ- عَلَى مَعْنَى إِنَّ الله أَلْحَقَهُ بِهِم فالله مُلْحِقٌ وَالعَذَابُ مُلْحَقٌ (٢).
_________________
(١) فعلت وأفعلت لأبي حاتم (١٨١)، وفعلت وأفعلت لِلزَّجَّاج (٨٤)، وفيه: "مُلْحَقٌ: بالفتح والكسر" وفي كتاب أبي حاتم: "وسألتُهُ [يعني الأصمَعِي] إنَّ عذابك الجدَّ بالكفار مُلْحِقٌ أو مُلْحَق فلم يقل فيه شيئًا، قَال: لا أقولُ شَيئًا؛ لأنَّ هذَا قُرآن في مُصحفِ أُبي بنِ كَعبٍ، قَال أَبُو زَيدٍ: مُلْحِقٌ بالكَسْرِ عَنِ العَرَبِ، قَال أَبُو حَاتِم: قَال مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ، يرويه عن عِمرَانَ بن حُدَيرِ، عن أبي مُجلزِ مُلحِق بالكسر".
(٢) جَاءَ في كِتَابِ الزَّاهِرِ لابن الأنْبَاري -﵀- (١/ ١٦٦): "قَال أَبُو عُبَيد: الروَايَةُ (مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الحَاءِ، مَعنَاه: إِنَ عَذَابَكَ لاحِقٌ، يُقَالُ: أَلْحَقْتُ القَوْم بمعنَى لَحِقْتُ القَوْمَ، وكَذلِكَ: اتَّبَعتُ القَومَ بِمعنَى تَبِعتُهم، قَال اللهُ ﷿: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠]. معنَاهُ: فتَبِعَهُ شِهابٌ ثَاقِبٌ، وَقَال الشَّاعِرُ: فَأتْبَعَ آثَارَ الشَّيَاهِ وَلِيدُنَا يَمُرُّ كَمَرِّ الرَائِحِ المُتَحَلِّبِ أَرَادَ: تَبعَ وَلِيدُنَا. قَال أَبُو بَكْرٍ: وَقَال في أَبِي: سَمِعْتُ الحَسَنَ بنَ عَرَفَةَ قَال: قَال القَاسِمُ بنُ مَعنٍ (مُلْحَقٌ) بفَتح الحَاءِ أَصْوَبُ من (مُلْحِق) ذَهبَ إلى أَنَّ المَعْنَى: أَلْحَقَهُم اللهُ عَذَابَهُ، أنْشَدَ النحويوْنَ: أَلْحِقْ عَذَابَكَ بالقَوْمِ الذِينِ طَغَوا وَعَائِذٌ بِكَ أَنْ يَعْلُوا فَيُطْغُوني أقوْلُ -وعلى اللهِ أَعتَمِدُ-: مَا نَقَلَهُ عن أَبِي عُبَيدٍ في غرِيبِ الحَدِيثِ له (٣/ ٣٧٥)، والبيت الأول الذي أَنْشَدَهُ لِعَلْقَمَةَ بنِ عَبَدَةَ التمِيمِي الفَحْلِ في ديوانه (٩٤). والرائِحُ: هو السَّحَابُ =
[ ١ / ١٩٨ ]