[وَقَوْلُهُ - ﷺ -]: "لَعَلَّكِ نَفِسْتِ" "لَعَلَّ" ههنَا: ظَنٌّ وَتَوَقُّعٌ، والمَعْنَى: أَظُنَّكِ نَفِسْتِ، يُقَالُ: نَفِسْتِ المَرْأَةُ: إِذَا حَاضَتْ، وَكَذلِكَ في الولادَةِ، وحَكَى ابنُ الأعْرَابِيِّ نَفَسَتْ، وَمَعْنَى قَوْلهِمْ: نَفِسَتِ المَرْأَةُ سَال نَفَسُهَا، والنَّفَسُ: الدَّمُ، سُمِّيَ بِذلِكَ؛ لأنَّه يُوْجَدُ بِوُجُوْدِ النَّفْسِ ويُعْدَمُ بِعَدَمِهِ، عَلَى مَذْهَبِهِمْ في تَسْمِيَةِ الشَّيءَ بِاسْمِ غَيرِهِ بالسَّبَبِ، وَقَال إِبْرَاهِيمُ (٣): مَا لَيسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لا يُفْسِدُ المَاءَ إِذَا مَاتَ فِيهِ، وَحَكَى ابنُ الأعْرَابِيِّ: امْرَأَةٌ نُفَسَاءُ ونَفَسَاءُ بِفَتْحِ الفَاءِ والعَينِ في الآخرِ. وحَكَى اللِّحْيَانِيُّ (٤) نَفْسَاءُ بسُكْونِ العَينِ، وَقَدْ نَفَسَتْ نَفَاسَةً
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٦٦.
(٢) بيتان أو ثلاثة أبيات من الرَّجَزِ كُتبت على هامش الورقة فلم تظهر في الصُّورة. ويَسْتَشْهِدُ النَّحْويُّوْنَ والمُفَسِّرُوْنَ في هَذَا المَوْضِعِ بِقَوْلِ الرَّاجز: * أكلَّ عامٍ تَعَم تَحْوُونَهْ * الأبيات والأبيات المذكورة غيرها؟ ! .
(٣) هو النَّخعيُّ، كَذَا في "الاقتضاب" لليَفْرُنِيِّ. وهو: إبراهيمُ بنُ يَزِيدَ بنِ قَيسِ بنِ الأسْوَدِ، أَبُو عِمْرَان المَذْحِجيُّ الكُوْفِيُّ، منْ كِبَارَ التابعِينَ، مَاتَ مُخْتفيًا من الحَجَّاج سنة (٩٦ هـ). أَخْبَارُهُ في: طَبقات ابن سعد (٦/ ١٨٨)، وتهذيب التَّهذيب (١/ ١٥٥).
(٤) هو: عليُّ بنُ حَازِمٍ، وقِيلَ: عَلِيُّ بن المُبَارَكِ، إِمَامٌ في الرِّوَايَةِ عَاصَرَ الفَرَّاءَ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ على الفَرَّاءِ وهو يُمْلِي أَمْسَكَ عَنِ الإمْلاءِ، وَكَانَ الفَرَّاءُ يَقُوْلُ: هَذَا أَحْفَظُ النَّاسِ للنَّوَادِرِ، =
[ ١ / ١٠٥ ]
ونِفَاسَةً، ونَفِسَتْ نَفَاسًا وجَمْعُ نُفَسَاءُ: نُفاسٌ كَكُلَّابٍ، ونفَاسٌ كَضِرَابٍ، ونُفُسٌ كَرُسُلٍ، ونُفَاسٌ كَكُرَاعٍ، قَال الرَّاجِزُ (١):
* اقْعَسَ يَمْشِي مِشْيَةَ النُّفَاسِ *
- "المُسْتَحَاضَةُ": الَّتِي لَا يَرْقَأُ دَمُهَا، وفِعْلُهَا: استُحِيضَتْ، وَهَذَا أَحَدُ الأفْعَال الَّتِي صِيغَتْ لِلْمَفْعُوْلِ ولَمْ تُصَغْ لِلْفَاعِلِ، وَزِيدَتْ فيه الزَّوَائِدُ لِلْمُبَالغَةِ في الحَيضِ، كَمَا قَالُوا: عَلا قِرْنَهُ، فَإِذَا أَرَادُوا المُبَالغَةَ قَالُوا: اسْتَعْلاهُ، وَكَذلِكَ: قَرَّ في مَكَانِهِ، فَإِذَا أرَادُوا المُبَالغَةَ قَالُوا: اسْتَقَرَّ، وَكَذلِكَ الزَّوَائِدُ تَدْخُلُ الأفْعَال لِمَعَانٍ زَائِدَةٍ، يُقَالُ: حَلَى الشَّيءُ، فَإِذَا أَفْرَطَ في الحَلاوَةِ قَالُوا: احْلَوْلَى، وأَعْشَبَتِ الأرْضُ وأَعْشَوْشَبَت، وخَشُنَ الشَّيءُ واخْشَوْشَنَ. ويُقَال لِلْعِرْقِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الاسْتِحَاضَةُ: العَاذِل، واشْتِقَاقُهُ مِنْ قَوْلهِمْ: أَعْذَلَ النَّهَارُ: إِذَا اشْتَدَّ حَرُّهُ، سُمِّيَ العِرْقُ بِذلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ، وَمِنْهُ العَذْلُ وَهُوَ اللَّوْمُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ عَلَى المَعْذُوْل.
- وَقَوْلُهُ: "تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ" يَجُوْزُ فِيهِ فَتْحُ الهَاءِ وتَسْكِينُهَا، فَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ هَرَاقَ المَاءِ حَرَّكَهُ، وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ اهْرَاقَ أَسْكَنَهُ، والهَاءُ عِنْدَ مَنْ أَسْكَنَهُ عِوَضٌ مِنْ ذَهَابِ حَرَكَةِ عَينِ الفِعْلِ مِنْ أَرَاقَ، وَمَنْ فَتَحَهَا فَهِيَ عِنْدَهُ بَدلٌ مِنَ الهَمْزَةِ
_________________
(١) = أَخَذَ عنه أَبو عُبَيدٍ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ وغيره. أَخْبَارُهُ في: طبقات الزّبيدي (١٣٥)، ومقدمة تهذيب اللّغة للأزْهَري (١/ ٢١)، وإنباه الرُّواة (٢/ ٢٥٥)، ومُعْجَم الأدباء (١٤/ ١٠٦).
(٢) أنشده ابن دُرَيدٍ في الجمهرة (٨٤٩) برواية: * أَحْبَن يَمْشِي * قَال: ويُروَى: "أبَدَّ يَمْشِي " ولم يَنْسِبْهُ.
[ ١ / ١٠٦ ]
في أَرَاقَ، وفيهِ كَلَامٌ لا يَلِيقُ بَهَذَا المَوْضِعِ، وَبِالوَجْهَينِ يُرْوَى بَيتُ الأعْشَى (١).
في أَرَاكٍ مُرْدٍ يَكَادُ إِذَا مَا ذَرَّتِ الشَّمْسُ سَاعَةً يَهْرَاقُ
- وَقَوْلُهُ: "لِتَنْظُرَ إلَى عَدَدِ اللَّيَالِي والأيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ" [١٠٥]. هَذَا مِمَّا أَجْرَى العَرَبُ الظَّرْفَ فِيهِ مَجْرَى المَفْعُوْلِ؛ لاتِّسَاعِ الكَلَامِ، وَكَانَ وَجْهُ الكَلَامِ لَوْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الظَّرْفِ أَنْ يَقُوْلَ: تَحِيضُ فِيهِنَّ. والعَرَبُ تَقُوْلُ: أَقَمْتُ ثَلَاثًا مَا أَذُوقُهُنَّ طَعَامًا وشَرَابًا، أي: لا أَذُوْقُ فِيهِنَّ وأَنْشَدَ (٢):
وَيَومٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيمًا وَعَامِرًا قَلِيلٍ سِوَى الطَّعْنِ النَّهالِ نَوَافِلُهْ
- ويقالُ: "قَدْرٌ وَقَدَرٌ" [١٠٥]. وَكَذْلِكَ القَدَرُ الَّذِي هُوَ القَضَاءُ.
- ويُقَالُ: "استثْفَرَ الرَّجُلُ بِإزَارِهِ". إِذَا لَوَاهُ عَلَى فَخْذَيهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ بَينهِمَا، واسْتَثْفَرَ الكَلْبُ: إِذَا أَدْخَلَ ذَنبَهُ بَينَ فَخِذَيهِ وَأَلْزَقَهُ بِبَطْنِهِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الثَّفْرِ وَهُوَ فَرْجُ كُلِّ ذَاتِ مِخْلَبٍ، ومِنْهُ ثَفْرُ الدَّابَّةِ؛ لأنَّه يَقَعَ عَلَى ذلِكَ المَوْضِع. وَرُويَ: "اسْتَدْفَرَ" بِدَالٍ مُهْمَلَة وغَيرِ مُهْمَلَةٍ مَأْخوْذٌ مِنَ الذَّفرِ -وَهُوَ النَّتَنُ- أَوْ الدَّفَرُ وَهُوَ مِثْلُهُ؛ لأنَّه يُقَالُ: دَفْرٌ بدَالٍ مِهْمَلَةٍ سَاكِنَةِ العَينِ لِلنَّتَنِ خَاصَّةً، وبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ الفَاءِ لِكُلِّ رَائِحَةٍ ذَكِيّةٍ مِنْ طِبِيب أَوْ نَتَنٍ قَالهُ أَبُو عُبَيدٍ (٣).
_________________
(١) ديوانه: "الصُّبح المنير" (١٤١).
(٢) البَيتُ لِرَجُلٍ من بَنِي عَامِر لم يُذْكَر اسمُهُ، أَنْشَدَهُ سِيبَويهِ في كتابه (١/ ٩٠)، ويُراجع شرح أبياته لابنِ خلفٍ (١/ ٧٢)، والمُقْتَضَب (٣/ ١٠٥)، والكامل (١/ ٤٩)، وكتاب الشِّعر لأبي عَليٍّ (٤٥)، وأمالي ابن الشَّجَرِيِّ (١/ ٧، ٢٨٧)، والتَّخمير (١/ ٤٠٢، ٤٠٤، ٤٠٥)، وشرح المفصَّل لابن يعيش (٤٦٢)، والمُقرَّب (١/ ١٤٧)، والمُغني (٥٠٣)، وشرح أبياته (٧/ ٨٤).
(٣) غريب الحديث له (١/ ٢٧٩، ٣/ ٢٣٦، ٢٣٧). ويُراجع: غريب الحَديث لابن قُتيبَةَ (٢/ ١٥٥)، =
[ ١ / ١٠٧ ]
-[وَقَوْلُهُ]: "في البَوْلِ قَائِمًا وَغَيرِهِ"]. رَوَاهُ قَوْمٌ: "وَغَيرَه" بِنَصْبِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى قَائِمٍ، كَأَنَّه قَال: قَائِمًا وَغَيرَ قَائِمٍ، ولَيسَ ذلِكَ بِصَحِيح؛ لأنَّ الحَال لا تُضْمَرُ وإِنَّمَا هُوَ: "وَغَيرِهِ" بِخَفْضِ الرَّاءِ مَعْطُوْفًا عَلَى البَوْلِ؛ لأنَّه ذَكَرَ في أَوَّلِ البَابِ بَوْلَ الأعْرَابِيّ في المَسْجدِ، وفي آخِرِهِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غَسْلِ الفَرْجِ، فَتَضَمَّنَ البَابُ البَوْلَ قَائِمًا وغَيرَ ذَلِكَ.
- وَ"ذَنُوبٌ" [١١١] الذَّنُوْبُ: الدَّلْوُ المَمْلُوْءَةُ مَاءً، وإِنْ كَانَتْ فَارِغَةً لَمْ تُسَمَّ ذَنُوْبًا، هَذَا أَصْلُ الذَّنُوْب، ثُمَّ يُضْرَبُ مَثَلًا للنَّصِيبِ وَالحَظِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلْوٌ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيدٍ (٢) حَدِيثَ الأعْرَابِيِّ وَقَال: إِنَّهُ فَشَجَ وَبَال، وَفَسَّرَهُ: انْفَرَجَ وَفَتَحَ فَخِذَيهِ لِلْبَوْلِ.