رَحَلَ أبو الوَليْدِ إلى بَلَنْسِيَةَ في ظِلِّ هَذِهِ الظُّرُوْفِ المُتَلاحِقَةِ في طُلَيْطُلَةَ الَّتِي مِنْهَا وَفَاةُ المَأْمُوْنِ، ثُمَّ بَطْشُ حَفِيْدِه القَادِرِ بِاللهِ وَظُلْمُهُ، وَمُحَاصَرَةُ الفِرِنْجةِ لِلْبَلدَةِ، ثُمَّ الاسْتِيْلاء عَلَيْهَا. وَلَا أَدْرِي مَتَى كَانَ رَحِيْلُهُ عَمهَا، إلاَّ أَنَّه مِنَ المُؤَكَّدِ أَنّهُ كَانَ بِبَلَنْسِيَةَ قَبْلَ سَنَةَ (٤٨٥ هـ) فَقَدْ جَاءَ في تَرْجَمَةِ تِلْمِيْذِهِ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَان
_________________
(١) نفح الطِّيب (١/ ٦٤٤) فما بعدها.
(٢) يراجع: نفح الطيب (١/ ٤٤٠).
(٣) البَيَان المُغرب (٣/ ٣٠٥)، والحلل السندسيَّة (١/ ٤٥١، ٢/ ٢٩).
(٤) نفح الطيب (٤/ ٣٥٢).
[ مقدمة / ٣٩ ]
بنِ حُسَيْنٍ البَكْرِيِّ الحِجَارِيِّ في التَّكْمِلَةِ لابْنِ الأبَّارِ (١) أَنَّهُ سمِعَ بِبَلْدَةِ وَادِي الحِجَارَةِ سَنَةَ (٤٦٥ هـ) وَأَنَّ أَبَا الوَليْدِ الوَقَّشِيَّ كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَنْسِيَةَ سَنَةَ (٤٨٥ هـ).
وَذَكَرَ ابْنُ الأبَّارِ أَيْضًا في تَرْجَمَة قَاضِي بَلَنْسِيَةَ عَبْدِ اللهِ بنِ مَرْوَانَ بنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ وَالِدَهُ مَرْوَانَ قَدْ أَجَازَ لَهُ وَلأخِيْهِ أَحْمَدَ أبَا الوَليْدِ الوَقَّشِيَّ في عَقِبِ رَجَبَ سَنَةَ (٤٧٧ هـ) (٢) وَإِنْ كَانَ هَذَا التّأرِيْخُ لَيْسَ فِيْه دَلالة قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ أبَا الوَليْدِ كَانَ في بَلَنْسِيَةَ نَفْسِها كَمَا هِيَ صَرِيْحَة في سَابِقِة؛ لأنَّهُ مِنَ المُحْتَمَلِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمَا بِالإجَازَةِ وَهُوَ في طُلَيْطُلَةَ، إلا أَنّهُ مِمَّا يُؤنَسُ بِهِ؛ لأنَّهُ احْتِمَالٌ وَارِدٌ، بَلْ هُوَ قَويٌّ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَقَد اسْتَقَرَّ أَبُو الوَليْدِ في بَلَنْسِيَةَ. وَكَانَ القَاضِي جَعْفَرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الجَحَّاف القَاضِي بِبَلَنْسِيَةَ (٣) قَدْ ثَارَ ضِدَّ القَادِرِ بن ذِي النُّوْنِ أَمِيْرِ طُلَيْطُلَةَ الَّذِي سَلَّمَ بَلَدهُ لِلْفِرِنْجَةِ، وَأَغَارَ عَلَى بَلَنْسِيَةَ، وَخَلَعَ أَمِيْرَهَا عُثْمَانَ بنَ مُحَمَّدٍ العَامِرِيَّ سَنَةَ (٤٧٨ هـ) (٤) فَخَافَ أَهْلُهَا أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الفِرِنْجَةِ أَيْضًا، فَبَايَعُوا القَاضِي المَذْكُوْرَ، وتَسَلَّمَهَا وَقَتلَ القَادِرَ بن ذي النُّونِ، فَحَاصَرَهَا القَنْبيطور، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا حَتَّى تَرَدَّتْ أَحْوَالهَا إِلَى دَرَجَةٍ كَبِيْرَةٍ جِدًّا، حَتَّى أَكَلُوا الفِئْرَان والكِلابَ، وَلَمْ يَبْقَ فِيْهَا مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، فَصَالحَ أَهْلَهَا، وَدَخَلَهَا سَنَةَ (٤٨٨ هـ)، وَكَانَ السَّاعِي في الصُّلْحِ هُوَ صَاحِبُنَا القَاضِي أَبُو الوَليْد
_________________
(١) التكملة (١/ ٤٢٢).
(٢) المعجم (٢١٤)، وتكملة الصِّلة (٢/ ٨٢٢).
(٣) أخباره في: تاريخ بالإسلام (٢٣٩) وفيات سنة (٤٨٨ هـ)، والبيان المغرب (٣/ ٣٠٥).
(٤) البيان المغرب (٣/ ٣٠٤).
[ مقدمة / ٤٠ ]
الوَقَّشِيُّ ﵀، (١) ثُمَّ اتَّهَمَ القَنبيطورُ الأميرَ القَاضِي، ابنَ الجَحَّاف بِأَنَّه أَخْفَى عِنْدَه بعْضَ الأمْوَالِ والمُدَّخَرَاتِ والنَّفَائِسِ الَّتِي كَانَتْ للقَادِرِ بْنِ ذِي النُّوْنِ، فَأَقْسَمَ أَنّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ إِنْ وَجَدَهَا عِنْدَه قَتَلَهُ، فَاتَّفَقَ أَنّهُ وَجَدَهَا عِنْدَهُ فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ في حَادِثَةٍ مُخِيْفَةٍ جِدًّا، هَيَ مِنْ أَبْشَعِ الحَوَادِثِ الَّتِي ارْتُكبَتْ هُنَاكَ (٢) وَمِثْلِ ذلِكَ فعَلَ بكَثِيْرٍ مِنَ العُلَمَاءِ والأُدَبَاءِ وَغَيْرِهِم، وللعُلَمَاءِ والشُّعَرَاءِ والكُتَّاب أَشْعَارٌ وأَخْبَارٌ في هَذَا الحَادِثِ المُفْجِعِ (٣) مِنْهَا قَصِيْدَةٌ لصَاحِبِنَا أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ فُقِدَتْ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَرْجَمَةٍ لَهَا باللُّغَةِ الأسْبَانِيّةِ (٤).
وَيَظْهَرُ أَنَّ صَاحِبَنَا أَيْضًا الْتزمَ للمُسْلِمِيْنَ بِالقَضَاءِ، فَقَدْ جَاءَ في "مُعْجَمِ البُلْدَانِ" نَقْلًا عَن القَاضِي عِيَاضٍ ﵀ في "مَشْيَخَةِ ابنِ فَيْرُوْز" (٥)، وَلكِنْ لَا أَدْرِي هَلْ هُوَ بَعْدَ هَذِهِ الحَادِثَةِ أَوْ قَبْلَهَا زَمَنَ إِمْرَةِ القَاضِيْ ابْنِ الجَحَّافِ الَّذِي اسْتَمَرَّ مُلْكُهُ عَلَى بَلَنسِيَةَ مُدَّةً تَزِيْدُ عَلَى ثَلاثِ سِنِيْن. وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا في إمْرةِ ابنِ الجَحَّافِ؛ لِذَا قَدَّمَهُ أَهْلُ بَلَنْسِيَةَ للقِيَامِ بالصُّلْحِ؛ نَظَرًا لشُهْرَتِهِ العِلْمِيّة وَوَجَاهَتِهِ وَنزاهَتِهِ، وَمَنْصِبِهِ المَرْمُوْقِ الَّذِي يُضْفِي شَيْئًا مِنَ الشَرعيّةِ عَلَى قِيَامِهِ بِمِثْلِ هَذَا الدَّوْرِ الهَامِّ، فَفَعَلَ وَتَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ، وَحَقَنَ بِذلِكَ
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) البيان المغرب (٤/ ٣٩).
(٣) يُراجع: البيان المغرب (٣/ ٣٠٥)، والذَّخيرة (٣/ ١ / ٩٥)، ونفح الطِّيب (٤/ ٢١)، والحلل السندسيَّة (٣/ ٧٨).
(٤) الأعلام (٨/ ٨٤).
(٥) معجم البُلدان (٥/ ٢٣٣).
[ مقدمة / ٤١ ]
دِمَاءَ كَثيْرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ. وإِنْ صَحَّ أَنَّه وَلِي قَضاء بَلَنْسية فَإِنَّهَا مُدةٌ وَجِيْزةٌ، فَلَدَيْنَا نَصَّان يؤكِّدُ أَحَدُهُمَا أَنَّ القَاضِي ابن الجَحَّاف لَمَّا وَلِيَ الإمَارَةَ في بَلَنْسِيَةَ قَدَّمَ ابنَ عَمِّه عَبْدَ الله بن عَبْدِ الرَّحمن بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن جحَّافٍ المعافريَّ للقَضَاءِ بِهَا، كَذَا قَال ابن الأبَّار (١)، ويؤكِّد النَّصُّ الآخر أَنَّ القنبيطور لَمَّا دَخَلَ بَلَنْسِيَةَ صُلْحًا -كَمَا أَشَرْنَا- خَلَعَ القَاضِي عَن الحُكْمِ والمُلْكِ وأَبْقَاهُ في القَضَاءِ (٢).