أَغْلَبُ مُؤَلَّفَاتِ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشيِّ تَعْلِيْقَات وتَنْبِيْهَات عَلَى كُتُبِ السَّابِقِيْنَ، هِيَ أَشْبَهُ بنَقْدِ الكُتُبِ وَإِصْلاحِ أَخْطَائِهَا، والزِّيَادَة عَلَيْهَا، أَوْ تَهْذِيْبِهَا، في عَبَارَاتٍ مُخْتَصَرةٍ، لكِنَّها في غَايَةِ الإجَادَةِ والإفَادَةِ، وَإِلَيْكَ أَسْمَاءَ مَا عَرَفْتُهُ مِنْهَا:
١ - "التَّعْلِيقُ على الكَامِلِ لِلْمُبَرِّد": من أَشْهَرِ مُؤَلَّفِاتِهِ، ورُبَّمَا عُرِفَ بـ "طُرر الكَامِلِ" أو "نكَتِ الكَامِلِ" و"حَاشِيَةٍ عَلَى الكَامِلِ" وَهُو عَلَى تَسْمِيَتِهِ تَعْلِيْقَاتٌ مُخْتَصَرة مُفِيْدَة كَمَا قُلْنَا عَلَى كِتَابِ "الكَامِلِ في اللُّغَةِ وَالأدَبِ" لأبِي العَبَّاسِ مُحَمَّدِ بنِ يَزِيْدَ المُبَرِّدِ (ت ٢٨٥ هـ) وَ"الكَاملُ" كِتَابٌ مَشْهَوْرٌ جَدًّا يتَدَارَسُهُ العُلَمَاءُ وَطَلَبَةُ العِلْمِ جِيْلًا بَعْدَ جِيْلٍ، مُنْذُ تأْلِيْفِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَنَحْنُ الآنَ نُدَرِّسُهُ لِلطُلَّابِ في جَامِعَةِ أُمِّ القُرَى "كليّه اللُّغَةِ العَرَبِيّة" بمكَّة المُكَرَّمة فِي مادة "كِتَابٍ قَدِيْمٍ في اللُّغة" لِذَا كَانَ لِلْعُلَمَاءِ مَعَ كَثرةِ دِرَاسَتِهِم لَهُ، وَالوُقُوْفِ عَلَى غَوَامِضِهِ مَلْحُوْظَاتٌ وَتَعْلِيْقَاتٌ عَلَيْهِ، مَنْهَا تَعْلِيْقُ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو الوَليْدِ بِدْعًا فِي هَذَا فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذلِكَ عَدَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ.
مِنهُم: أبُو الحَسَنِ الأَخْفَشُ الأصْغَرُ- عَليُّ بنُ سُلَيْمَان (ت ٣١٥ هـ) وَتَعْلِيْقَاتُهُ مَوْجُوْدٌ أَغْلَبُهَا في صُلْبِ كِتَابِ "الكَامِلِ" المَطْبُوع، مُصَدَّرَةٌ بِـ "قَال أَبُو الحَسَنِ" وَهِيَ كَغَيْرِهَا مَلْحُوْظَاتٌ مِنْ وجْهة نَظِرِ أَبِي الحَسَنِ قَدْ تُرَدُّ وَقَدْ تُقْبَلُ؛ لذَا انتَقَدَهُ عَليُّ بنُ حَمْزَةَ البَصْريُّ (ت ٣٧٥ هـ) في "تنبيْهَاتِهِ" فَرَدَّ مِنْهَا وَقَبِلَ.
- وَمِنْهُم: أبُو جَعْفَرَ أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ النَّحَّاسُ (ت ٣٣٨ هـ)، في ذَكَرَهَا عَلِيُّ بنُ حَمْزَةَ البَصْريُّ المَذْكُور في "تَنْبِيْهَاتِهِ" قَال: فَمِمَّنْ أَخَذَ عَلَيْهِ في
[ مقدمة / ٤٧ ]
هَذَا الكَتَابِ فَأَصَابَ أَبُو جَعْفَرَ بْنُ النَّحَّاسِ.
- وَمِنهُم: عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ البَصْرِيُّ (ت ٣٧٥ هـ) في كِتَابِهِ "التّنبِيهَاتُ عَلِى أَغَالِيْطِ الرُّوَاةِ" فَمِنَ الرُّوَاةِ الَّذِيْنَ نبَّهَ عَلَى غَلَطِهِمْ أَبُو العَبَّاسِ المُبَرِّدُ في "الكَامِلِ" وَهَذَا الجُزْءُ مَطْبُوع. وَهَؤُلاءِ كُلُّهُمْ مَشَارِقَةٌ وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الأنْدَلُسِ شَرَحَهُ أَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ قَبلَ أَبِي الوَليدِ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ الأنْدَلُسِ رَوَوْهُ قَدِيْمًا. وَأَجْوَدُ رِوَايَاتِهِ عِنْدَهُم هِي رِوَايَةُ مُحَمَّد بنُ أَبِي عَلاقَةَ البَوَّابِ القُرْطُبِيِّ (ت ٣٢٥ هـ) الَّذِي رَحَلَ إِلَى المَشْرِقِ، وَأَخَذَ عَن أَبِي إسْحَاق الزَّجَّاجِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الأنْبَارِيِّ، وَأَبِي الحَسَن عَلِيُّ بْنِ سُلَيْمَان الأخْفَشِ، وَأَبِي عَبْدِ الله نِفْطُوَيْهِ. قَال ابنُ عَبْدِ الملك المُرَّاكُشيُّ (١): "مِمَّا سَمِعَ عَلَى الأخْفَشِ "كَامِلَ المُبَرِّد" وَصَارَ أَصْلُهُ مِنْهُ إِلَى الحَكَمِ المُسْتَنْصِرِ بِاللهِ. قَال الحَكَمُ: لَمْ يَصِحَّ كتَابُ "الكَامِلِ" عِنْدَنَا بِرِوَاية إلا مِنْ قِبَلِ ابنِ عَلاقَةَ".
وَرَوَاهُ أَيْضًا: سعِيْدُ بنُ جَابِرِ بنِ مُوْسَى، أَبُو عُثْمَانَ الأشْبِيْلِيُّ (ت ٣٢٥ هـ).
قَال المَقَّرِيُّ (٢): "وَكَانَ ابنُ جَابِرٍ الأشْبِيْلِيُّ قَدْ رَوَاهُ قَبْلُ بِمِصْرَ بمُدَّة، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا رَوَاهُ عيْرهُمَا. وَكَانَ ابنُ الأحْمَرِ القُرَشِيُّ يَذكُرُ أَنّهُ رَوَاهُ، وَكَانَ صُدُوْقًا، وَلكِنَّ كِتَابُهُ قَدْ ضَاعَ، وَلَو حَضَرَ ضَاهَى الرَّجُلَين المُتَقَدِّمَيْنِ".
أَقُوْلُ -وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ-: رِوَايَةُ ابنُ جَابِرٍ أَكْثَرُهَا انْتِشَارًا في الأنْدَلُسِ.
- وَمِن رِوَايَاتِ "الكَامِل" للمُتَقَدِّمِيْنِ مِنْ أَهْلِ الأنْدَلُسِ "رِوَايَه يَحْيَى بنِ
_________________
(١) الذَّيل والتَّكملة (٦/ ٤٣٢).
(٢) نفح الطِّيب (٢/ ١٥٠).
[ مقدمة / ٤٨ ]
مَالِكِ بنِ عَائِذٍ (ت ٣٧٥ هـ) "رَحَلَ إِلَى المَشْرِقِ قَبْلَ سَنَةَ (٣٤٧ هـ) وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الآمِدِيِّ، عَنِ الأَخْفَشِ، عَنِ المُبَرِّدِ (١).
وَطُرَرُ أَبِي الوَليْدِ أَوْ تَعْلِيْقَاتُهُ عَلَى الكَامِلِ ذَكَرَهُ المُتَرْجِمُوْنَ لِسِيْرَتِهِ في أَغْلَبِ كُتُبِ التَّرَاجِمِ، وَرُبَّمَا اقْتَصَرُوا في تَرْجَمَتِهِ عَلَيْهِ؛ نَظَرًا لِشُهْرَتِهِ وَتَميُّزِه عِنْدَهُمْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَحَدٍ نَقَلَ عَنْهُ أَوْ أَفَادَ مِنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الأنْدَلُسِ.
وَلَا أَبْعُدُ أَنْ يَكُوْنَ ابْنُ السِّيْدِ قَدْ أَفَادَ مِنْهُ في طُرَرِهِ عَلَى الكَامِلِ أَيْضًا فَهُوَ في دَرَجَةِ تَلامِيْذِه، وَتَأثُّرُهُ فِيْه وَاضِحٌ لِمَنْ قَارَنَ بَيْنَ نُصُوْصِ الكِتَابَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ السِّيْدِ قَدْ اجْتَمَعَ بِأبي الوَليْدِ عَلَى سَبِيْلِ المُذَاكَرَةِ لَا التَّلْمَذَةِ (٢). وَيَظْهَرُ أَنَّ تَعْلِيْقَاتِ أَبِي الوَليْدِ كَانَتْ عَلَى هَوَامِشِ نُسْختِهِ مِنَ "الكَامِلِ" وَلَمْ تُفْرَدْ فِي كِتابٍ. وَقَدْ تأثَّرَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ السِّيْدِ بِعَمَلِ أَبِي الوَليْدَ فَصَنَعَ كَمَا صَنَعَ، وَوَضَعَ هَوَامِشَ عَلَى نُسْخَتِهِ هُوَ مِنَ "الكَامِلِ" (٣) حَتَّى قَيَّضَ اللهُ الشَّيْخَ الإمامَ عَلِيَّ بنَ
_________________
(١) أخبار يحيى في: تاريخ علماء الأندلس (٢/ ١٩٣)، وجذوة المقتبس (٣٧٩) وغيرهما.
(٢) الذَّيل والتكملة (٦/ ٤٦٠).
(٣) عرف كتاب ابن السِّيد بـ "الطُّرر" أو "شرح الكامل" ونقل عنه الحافظ مُغلطاي في سيرة النَّبي - ﷺ - المعروف بـ "الرَّوْضُ البَاسِم " في عدَّة مواضع. يُراجع الكتاب المَذْكُور بخطِّ مُصَنِّفِهِ ورقة (١١٢، ٢٥٣)، وسمَّاهُ الحَافِظُ بـ "غُرَر المَسَائِلِ في شَرْح الكَامِلِ" وفي الوَرَقَاتِ (١٧٦، ١٧٧، ١٨١)، وسمَّاهُ أخْرَى بـ "شرح الكامل" وَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ الحَافِظُ مُغلطاي المذكورُ في كتابه "الإيْصَال في مُشْتبَهِ النَّسَبِ" بخَطهِ أَيْضًا وَرَقَة (٤٨، ٩٦)، وَنَصُّهُ: "وَهَذَا الخَبَرُ مذكورٌ في كُتُب العُلمَاءِ من المُحَدِّثين والمُؤَرِّخِيْن منهم: الزُبَيْر بن بَكارٍ، وَأَبُو العَبَّاسِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيْدَ الثُّمَاليُّ، وابنُ السِّيْدِ في كِتَابِهِ "غُرَرِ المَسَائِلِ " وَأبُو الوَليْدِ الوَقَّشيُّ وغيرُهُم".
[ مقدمة / ٤٩ ]
إِبْراهِيْمَ بن سَعْدِ الخَيْرِ البَلَنْسِيَّ (٥١٠ - ٥٧١ هـ) الَّذِي قَال ابْنُ عَبْدِ المَلِكِ المَرَّاكُشِيُّ أنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بْن السِّيْدِ، وَاخْتُصَّ بِهِ (١). فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا في كِتَابٍ وَسَمَّاهُ "القُرْطَ عَلَى الكَامِلِ". وَأَضَافَ هُوَ إِضَافَاتٍ يَسِيْرَة عَلَيْهِمَا، يَذْكُرُ أَوَّلًا تَعْلِيْقَاتِ أَبِي مُحَمَّدِ بنِ السِّيْدِ وَيَرْمُزُ لَهُ بِـ "ط" ثُمَّ يَذْكرُ تَعْلِيْقَاتِ الوَقَّشيِّ وَيَرْمُزُ لَهُ بِـ "ش" هكَذَا حَتَّى نِهَايَةِ الكِتَابِ.
وَقَدْ وَقَفَ الحَافِظُ مُغْلطَاي عَلَى كِتَابِ أَبِي الوَليْدِ وَأَفَادَ مِنْهُ في شَرْحِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّة "الرَّوْضُ البَاسِمِ" -كَمَا قُلْنَا-، وَوَقَفَ عَلَيْهِ البَغْدَادِيُّ وَنَقَلَ عَنْهُ في "خِزَانَةِ الأدَبِ" وَيَبْدُو أَنَّ النُّسْخَةَ التُّرْكِيّةَ الآتية مِنَ الكِتَابِ كَانَتْ هِي النُّسْخَةُ الَّتي اطَّلَعَ عَلَيْهَا العَلَّامَةُ البَغْدَادِيُّ.
وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِ أَبِي الوَليْدِ نُسْخَتَانِ خَطِّيَّتَانِ إِحْداهُمَا نُسْخَةٌ مَحْفُوْظَةٌ في مَكْتَبِةِ إسْمَاعِيْل صَائِب بَأنْقَرَة بتُرْكِيا رقم (١١٧٣ لغة)، مَنْسُوْخَةٌ سَنَةَ (٦٥٨ هـ) بِخَط أَنْدَلُسِيٍّ جَمِيْل إلَى حَدٍّ مَا، والأُخرَى في المَكْتبَةِ الحَمْزَاويَّةِ بالمَغْرِبِ هِيَ الآنَ في الخَزَانَةِ العَامَّةِ بالرِّباطِ رَقَم (١٨٩). كَانَ لِي -وللهِ المِنَّةُ- شَرَفَ جَلْبِهِمَا إِلَى مَكْتبَةِ مَرْكَز البَحْثِ العِلْمِيِّ، وَوَضْعهما مَا بَيْنَ أَيْدي البَاحِثِيْن.
حَقَّقَ الكِتَابُ الأُسْتاذُ ظُهُوْرِ أَحْمَدَ أَظْهَر مُعْتَمِدًا عَلَى نُسْخَةِ مَكْتبَةِ إِسْمَاعِيْل صَائِب في رِسَالةٍ عِلْمِيّةٍ تَقَدَّمَ بِهَا لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُوْرَاه مِنْ جَامِعة البِنجَاب سَنَةَ (١٩٦٩) وَطُبعَ مِنْ منْشُوْرَاتِ الجَامِعَةِ المَذْكُوْرَةِ سَنَةَ (١٤٠١ هـ)،
_________________
(١) لا نُوافق ابن عبد المَلِكِ على ذلك فَقَدْ تُوفِّيَ ابنُ السِّيدِ وابن سعْدِ الخَيْرِ في حُدُوْدِ الحَادِيَة عَشْرَةَ من عُمرِهِ؟ ! .
[ مقدمة / ٥٠ ]
وَزَارَني مُحَقِّقُ الكِتَابِ فِي مَكَّةَ وَزَوَّدَنِي بنُسْخَةٍ مِنَ الكِتَابِ قَابَلْتُهَا بِمَزِيْدٍ مِنَ الشُّكْرِ والتَّقْدِيْرِ. ثُمَّ حَقَّقَهُ الدُّكْتُوْر حَمَدُ الزَّايدِيُّ فِي رِسَالِةٍ عِلْمِيَّةٍ لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُوْرَاه أَيْضًا بِكُلِيَّة اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بجَامِعَةِ أُمِّ القُرَى بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةَ مُعْتَمِدًا عَلَى النُّسْخَتَيْنِ مَعًا، وَوَقَفَ عَلَى طَبْعَةِ البَاكِسْتَان المذكورة، وَعَقَّبَ عَلَيْهَا وَتَتبَّعَ بَعْضَ أَخْطَاءِ مُحَقِّقها. ونُوْقِشَت الرِّسَالة سَنَةَ (١٤٠٩ هـ).
٢ - التَّعْلِيْقُ عَلَى المُوَطَّأ: هُوَ كِتَابُنَا هَذَا الَّذِي نُقَدِّمُ لَهُ سَنُفرِدُ الحَدِيْثَ عَنْهُ مُفَصَّلًا فِي مَبْحَثٍ خَاصٍّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
٣ - تَهْذِيْبُ الكُنَى لمُسْلِمٍ واسْمُهُ: "عَكْسُ الرُّتْبَةِ وَقَلْبِ المَبْنَى لِكِتَابِ مُسْلِمٍ فِي الأسَامِي والكُنَى" هَذَّبَ فِيْهِ كِتَاب "الكُنَى وَالأسْمَاءِ" لِلإمَامِ مُسْلِمِ بنِ الحَجَّاجِ صَاحِب "الجَامِعِ الصَّحَيْحِ" (ت ٢٦١ هـ) وَقَلَبَ تَرْتيْبَ الكِتَابِ فَذَكَرَ الاسمَ أَوْلًا والكِنْيَةَ ثَانِيًا وَهَذَا التَّرْتيبُ أَيْسَرُ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ أَبِي الوَليْدِ، وَانْتَقَدَ فِيْهِ الإمَامَ مُسْلِمًا فِي بَعضِ المَوَاضِعِ كَمَا يُفْهَمُ مِن نُصُوْصِ الحَافِظِ ابنِ نَاصِرِ الدِّيْنِ الآتِيَةِ. ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ، وَإِسْمَاعِيْل بَاشَا البَغْدَادِيُّ، وَاقْتَبَسَ مِنْهُ الحَافِظُ ابنِ نَاصِرِ الدِّين الدِّمَشْقِيُّ نُصُوْصًا فِي كِتَابِهِ "التَّوَضِيْحِ" (١/ ٢٠٢، ٣٧٨، ٢/ ٢٧٨، ٥/ ٤٢٩، ٩/ ٩٢). وَقَال الحَافظُ في المَوْضِع الأوَّل: " وَكذلِكَ ذَكَرَهُ الفَقِيْهُ أَبُو الوَليْدِ هِشَامُ بنُ أَحْمَدَ الوَقَّشِيُّ في كِتَابِهِ: "عَكْسُ الرُّتْبَةِ وَقَلْبُ المَبْنَى كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي الأَسَامِي والكُنَى" لِكِنَّهُ قَدَّمَ اسْمَهُ عَلَى كُنْيَتِهِ عَلَى مَا بَنَى عَلَيْهِ الكِتَابَ.
أَقُوْلُ: لَمْ أَقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا أَعْلَمُ الآنَ لَهُ وُجُوْدًا.
[ مقدمة / ٥١ ]
٤ - تَهْذِيْب "المُؤْتلفِ والمُخْتَلِفِ" في أسْمَاءِ القَبَائِلِ لابنِ حَبِيْبَ البَغْدَادِيِّ (ت ٢٤٥ هـ) ذَكَرَهُ ابنُ خَيْرٍ الأَشْبِيْلِيُّ فِي فَهرسته (٢١٩)، قَال: "كِتَابُ المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ فِي أَسْمَاءِ القَبَائِلِ تأْلِيْفُ مُحَمَّدِ بنِ حَبِيْبَ النَّحْويِّ تَهْذِيْبُ القَاضِي أَبِي الوَليْدِ هِشَامِ بنِ أَحْمَدَ الوَقَّشِيِّ -﵀- حَدَّثَنِي بِهِ الشَّيْخُ الفَقِيْهُ أَبُو بَحْرٍ سُفْيَان بن العَاصِي الأَسَدِيُّ -﵀- إِجَازَةً، عَن أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ مُهذِّبه" وَذَكَرَ بَعْدَهُ تَهْذِيْبٌ آخَرُ لأبِي عُبَيْدٍ البَكْرِيِّ (ت ٤٧٨ هـ) ذَكَرَ سَنَدَهُ إِلَيْهِ أيضًا، ثُمَّ قَال: "نَقَلْتُ كِتَابِي مِنْهُ بِخَطِّي مِنْ خَطِّ أَبي عُبَيدٍ -﵀- ". وَكِتَابُ ابنُ حَبِيْبٍ نشره وسْتِنْفِلْد في غوتنجن في ألْمَانْيَا سَنَةَ (١٨٥٠ م) عَن نُسْخَةٍ بِخَطِّ المَقْرِيْزِيِّ، وَجَدَ أَصْلَهَا بمَكَّةَ المُشَرَّفَةَ لَمَّا حَجَّ سَنَةَ (٨٣٩ هـ) ثُمَّ أَعَادَ طَبْعَهُ أُسْتَاذُنَا المِفْضَالُ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ حَمَدُ الجَاسِرِ - حَفِظَهُ الله - مَعَ كِتَابِ "الإيْنَاسِ" فِي المَوْضُوع نَفْسِهِ لِلْوَزِيْرِ أَبِي القَاسِم الحُسَيْن بنِ عَلِيٍّ المَغْرِبِيِّ (ت ٤١٨ هـ) وَهُمَا مِن مَنْشُوْرَاتِ النَّادِي الأدَبِيِّ فِي الرِّيَاضِ الطَّبْعَة الأُوْلَى سَنَةَ (١٤٠٠ هـ).
والسُّؤَالُ الَّذِي يَرِدُ فِي الذِّهْنِ: مَاذَا يَجِدُ أَبُو الوَليْدِ وَأَبُو عُبَيْدٍ - رَحِمَهُمَا الله - فِي كِتَابِ ابنِ حَبِيْبَ هَذَا المَطْبُوع مَا يَخْتَصِرَانِ فِيهِ مَعَ شِدَّةِ إيْجَازِهِ؟ ! فَهَلْ المَطْبُوع هُوَ أَصْلُ كِتَابِ ابنِ حَبِيْبٍ أَوْ مُخْتَصَرًا عَنْهُ؟ ! . لَعَلَّهُ انْتِقَاءٌ مِنَ الكِتَابِ انتقَاهُ المَقْرِيْزِيُّ لِنَفْسِهِ، وَالمَسْأَلةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَزِيْدٍ مِن البَحْثِ والتَّحْقِيْقِ. وَاعْتَمَدَ الحَافِظُ ابْنُ ناصِرِ الدِّيْنِ الدِّمَشْقِيُّ (ت ٨٤٢ هـ) فِي كِتَابِهِ "تَوْضِيْحِ المُشْتَبه" عَلَى كِتَابِ أَبِي الوَلِيْدِ، وَنَقَلَ عَنْهَ نُصُوْصًا كَثيْرَة فِي جَمِيع أَجْزَاءِ الكِتَابِ هِيَ - كَمَا جَاءَ فِي فَهَارِسِ الكِتَابِ - كَالتَّالِي: (١/ ٣٩٩، ٢/ ٢٣، ١٤٤، ١٨٤، ٢٤١،
[ مقدمة / ٥٢ ]
٤٢٠، ٥٤٤، ٣/ ١٨٩، ٢١٤، ٢٢٧، ٣٠٥، ٣٠٦، ٤٤٣، ٤٩٣، ٤/ ٦٤، ٦٦٩، ٢٣٢، ٥/ ١١٠، ١٤٦، ٢٣٩، ٢٤٥، ٤١٧، ٦/ ١٠١، ١٢١، ١٢٥، ١٦٤، ٢٩٣، ٣٢٢، ٣٧٦، ٤١٠، ٤١٤، ٧/ ٦٣، ٩٨، ١٩٨، ٢١١، ٢١٢، ٨/ ٥٣، ٩/ ١٥٦، ٢٣٣. وَكِتَابُ أَبِي الوَليْدِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَهْذِيْبٍ وَاخْتِصَارٍ كَمَا يُفْهَمُ مِن عنْوَانِه، بَلْ يَتَجَاوَزُ هَذَا -كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي التَّعْلِيْقِ عَلَى الكُتُبِ المُهِمَّةِ- إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ من ذلِكَ. وَكَانَ لَدَى أَبِي الوَليْدِ أَكْثَرُ مِن نُسْخَةٍ مِن كِتَابِ ابنِ حَبِيْبِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَقِّقُ نُصُوصَهُ قَبْلَ أَنْ يُسَارعَ إِلَى الانْتِقَادِ فَقَدَ جَاءَ في التَّوْضِيْحِ (٣/ ٤٩٣): "وَنَقَلَهُ القَاضِي أَبُو الوَليْدِ الكِنَانِيُّ فِي "تَهْذِيْبِ كِتَابِ ابنِ حَبِيْبٍ" أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ - يَعْنِي بالكِتَابِ - بِفَتْحِ الحَاءِ وَالبَاءِ، وَفِي بَحْضِهَا "حَبْشِيَة" بِإسْكَانِ البَاءِ وَتَخْفِيْفِ اليَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالتَّشْدِيْدِ أَيْضا". وَظَهَرَ لَنَا مِنْ خِلالِ النُّصُوْصِ الَّتِي نَقَلَهَا الحَافِظُ ابنُ نَاصِرِ الدَّيْنِ أَنَّهُ يُقَيِّدُ وَيَضْبطُ كَمَا جَاءَ فِي (٥/ ١١٠، ٦/ ١٢٥، ٤١٤، ٧/ ٦٣، ٩/ ٢٣٣) وَيَنْتَقِدُ: كَقَوْله: "كَذَا وَهُوَ تَصْحِيْفٌ" (٥/ ١٤٦، ٦/ ٢٩٣)، وَيَسْتَدْرِكُ كَمَا فِي (٥/ ٤١٧)، وَيُصْلحُ كَمَا جَاءَ فِي (٦/ ١٦٤)، وَيُخطِّئُ كَمَا جَاءَ في (٧/ ٩٨، ١٩٨)، وَيُصَحِّحُ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيْبٍ فِيْمَا جَاءَ فِي المَصَادِرِ الأُخْرَى فَصَحَّحَ عَنْ "جَمْهَرَةِ اللُّغةِ لابْنُ دُرَيْدٍ" (٢/ ٥٤٤)، وَصحَّحَ عَنِ ابنِ قُتَيْبَةَ (٣/ ٤٠٦)، وَصَحَّحَ عنِ ابنِ الكَلْبِيِّ (٦/ ٣٢٢، ٤١٠)، وَصَحَّحَ عَنِ الدَّارَقُطْنِي (٦/ ٢٧٦)، وَرُبَّمَا نَقَلَ كَلامَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَتَصْحِيحِهِمْ وَضَبْطِهِم لكِنَهُ يُقَوِّي ضَبْطَ أَهْلِ النَّسَبِ كَمَا جَاءَ فِي (٤/ ٦٥)، قال: "وَأَهْلُ النَّسَبِ يُرَدُّ إِلَيْهِم هَذَا العِلْمُ".
[ مقدمة / ٥٣ ]
وانْتَقَدَه الحَافِظُ ابنُ نَاصِرِ الدِّيْن في (٨/ ٥٤)، قَال: "وَلَمْ يُعَرِّجْ أَبُو الوَليْدِ عَلى مَا ذَكَرَهُ ابنُ الكَلْبِيِّ فِي "الجَمْهَرَة" وَهُو الأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ "مَعَ أَنَّهُ يُجِلُّهُ وَيَصِفُهُ فِي (٢/ ١٤٤) بِـ"الحَافِظِ" وَرُبَّمَا نَقَلَ عَنْ طُرَّةٍ عَلَى كتَابِ أَبِي الوَليْدِ كَمَا جَاءَ فِي (٦/ ١٠٢)، وَيَظْهَرُ أَنَّ أَبَا الوَليْدِ رَتَّبَ كتابَهُ عَلَى تَرْتيْبِ الحُرُوْفِ الأَنْدَلُسِيّهِ لِذَا جَاءَ فِي التَّوْضِيْحِ (٦/ ١٦٦٤): "كَذَا ذُكِرَ فِي بَابِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ منْ تَبْويْبِ القَاضِي أَبي الوَليْدِ الكِنَانِيِّ وَإِصْلاحِهِ". اقْتبَسَ مِنْهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الأُنُفِ (١/ ٣٦٣)، وَرَوَاهُ.
٥ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى أَبِي نَصْرٍ الكَلابَاذِيِّ:
ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "مَشْيَخَةِ ابنِ فَيْرُوزٍ" وَالكَلابَاذِيُّ المَذْكُوْرُ هُوَ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْن (ت ٣٩٨ هـ)، و"كَلابَاذ": مَحَلَّةٌ بِبُخارَى.
وَكِتَابُهُ الَّذِي كَتَبَ عَلَيْهِ أَبُو الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ "التَّنْبِيْهَاتِ" يَظْهَرُ أَنَّهُ "رِجَالُ صَحِيْحِ البُخَارِي" وَيُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ بـ"الهِدَايَةِ وَالإرْشَادِ فِي مَعْرِفَةِ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالسَّدَادِ" الَّذِيْنَ أَخْرَجَ لَهُمُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيْحِهِ" وَهُوَ مَطْبُوعٌ بِالعُنْوَانِ الأَوَّلِ فِي دَارِ المَعْرِفَةِ بِبَيْرُوْت سَنَةَ (١٤٠٧ هـ) بتَحْقِيْقِ عَبْدِ اللهِ اللَّيْثِيِّ.
وَنُسْخَةُ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ مِنَ الكِتَابِ المَذْكُوْرِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَمْرٍو السَّفَاقُسِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى المُؤَلِّفِ مَحْفُوْظَةٌ فِي مَكْتَبِةِ أَحْمَد الثَّالِث بتُرْكيَا رَقم (٢٤) وَهِيَ مُصَوَّرَةٌ بِمَعْهَدِ المَخْطُوْطَاتِ العَرَبِيَّةِ بِالقَاهِرَةِ، قَرَأَهَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ عَلَى شَيْخِهِ المَذْكُوْرِ. لَمْ أَطَّلِعُ عَلَيْهَا وَلَعَلَّ عَلَيْهَا تَنْبِيْهَاتُهُ عَلَى الكِتَابِ، وَهُنَاكَ نُسْخَةٌ مَرْويَّةٌ عَنْ طَرِيْقِ شَيْخَهِ أَبي عَمْرٍو السَّفَاقُسِيِّ
[ مقدمة / ٥٤ ]
مَحْفُوْظَةٌ فِي دَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ رَقَم (١٦ مصطلح حديث) فَاهْتِمَامُهُ وَاهْتِمَامُ شَيْخِهِ بِالكِتَابِ دَلِيْلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنْ تَنْبِيْهَاتِ المُؤَلِّفِ عَلَيْهِ دُوْنَ سَوَاهُ، مَعَ أَنَّ الكَلابَاذِي لَمْ يَكُنْ مُكْثِرًا مِنَ التَّأَلِيْفِ.
٦ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى "المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِفِ" للدَّارَقُطْنِيِّ:
ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "مَشْيَخَةِ القَاضِي ابنِ فَيْرُوْزٍ" (١) وَكِتَابُ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ أَقْدَمِ وَأَجْوَدِ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ فِي المُؤْتَلِفِ وَالمُخْتَلِفِ أَلَّفَهُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت ٣٨٥ هـ). وَهَنَاكَ تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى أَوْهَامِ الدَّارَقُطْنِي لِعَالِمٍ أَنْدَلُسِيٍّ آخر هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَلِيٍّ أبُو مُحَمَّدٍ الرُّشَاطِيُّ (ت ٥٤٢ هـ) مَوْجُوْدٌ فِي المَكْتبَةِ الوَطَنِيَّةِ بتُوْنِس يَنْقُصُ مِنْ أَوَّلِهِ قَلِيْلًا. وَكِتَابُ أَبِي الوَليْدِ لَا أَعْرِفُ الآنَ لَهُ وُجُوْدًا.
٧ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى مَشَاهِدِ ابْنِ هِشَامٍ:
ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "مَشْيَخَةِ القَاضِي ابْنِ فَيْرُوْزٍ" (٢) ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي مُعْجَمِ شُيُوْخِهِ "الغُنْيَةِ" (٣) فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَحْرٍ سُفْيَانُ بنُ العَاصِي الأسَدِيِّ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ تَلامِيذِ أَبِي الوَليْدِ، قَال: "لَقِيْتُهُ بِقُرْطُبَةَ، وَقَرَأَتُ عَلَيْهِ كِتَابُ "المَشَاهِدِ وَسِيْرَةِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ - لأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ هِشَامٍ اخْتِصَارَهُ لِكِتَابِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَق، وَعَارَضْتُهُ بِكِتَابِهِ، وَكَتَبْتُ عَنْهُ مَا أَصْلحَهُ فِيْه القَاضِي الكِنَانِيُّ
_________________
(١) يراجع: معجم البلدان (٥/ ٢٣٣).
(٢) مُعجم البُلدان (٥/ ٢٣٣).
(٣) الغنية (٢٠٦).
[ مقدمة / ٥٥ ]
شَيْخُهُ، حَدَّثَنِي بِهِ عَنِ القَاضِي أَبِي الوَليْدِ هِشَامِ بنِ أَحْمَدَ الكِنَانِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَسَمَاعًا، عَن أَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكي وَسَاقَ سَنَدًا إِلَى ابْنِ هِشَامٍ، وَاعْتَمَدَ السُّهَيْلِيُّ كِتَابَ "التّنبِيْهَاتِ" هَذَا لأَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ فِي مَصَادِرهِ فِي كِتَابِه "الرَّوْضِ الأنُفِ" وَيَقُوْلُ: "حَاشِيَةُ كِتَابِ أَبِي الوَليْدِ" مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أنَّ تَعْلِيْقَاتُ أَبِي الوَليْدِ كَانَتْ عَلَى نُسْخَتِهِ مِنَ الكِتَابِ وَلَمْ تُفْرَدْ، وَنَقَلَ عَنْهُ الحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدَ بن مَسْعُوْدٍ الخُشَنِيُّ (ت ٥٤٤ هـ) فِي كِتَابِهِ "شَرْحِ السِّيْرَةِ النَّبويَّة" وَهُوَ شَرْحٌ لِغَرِيْبِ الشِّعْرِ الوَارِدِ فِي السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وَهِيَ كَمَا جَاءَ فِي طَبْعَةِ المَكْتبَةِ الإسْلامِيّةِ فِي اسْتنابُول مُصَوَّرَةٌ عَنْ مَكْتبَةِ هِنْدِيَّة بمِصْرَ سَنَةَ (١٣٢٩ هـ). يُرَاجَع الصَّفَحَات: (١٤، ٢٢، ٧٠، ١٢٥، ٢٦٦٩)، كَمَا نَقَلَ عَنْهُ أبُو الخَطَّابِ بنُ دِحْيَة (ت ٦٣٣ هـ) فِي كِتَابِهِ "السِّرَاجُ المُنِيْرِ فِي مَوْلدِ البَشِيْرِ النَّذِيْرِ" وَوَصَفَ مُؤَلِّفَهُ أَبَا الوَليْدِ بِـ"عَالِمِ الأَنْدَلُسِ" وَنَقَلَ عَنْهُ السُّهَيْلِيُّ (ت ٥٨١ هـ) فِي الرَّوْضِ الأُنُف (ط) عَبْدَ الرَّحْمَنِ الوَكِيْل سَنَةَ (١٣٨٧ هـ). يُرَاجَع (١/ ٣٦، ٢٣٢، ٢٥٥، ٢٧٢، ٢٩٠، ٣٠٣، ٣٢٥، ٣٩٨، ٤٠٦ ) ومُتَتَبِّعُ الكِتَابِ يَظْفَرُ بِنُصُوْصٍ كَثيْرَةٍ مُهِمَّةٍ. وَنَقَلَ عَنْهُ الحَافِظُ مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ) فِي سِيْرَتهِ المَعْرُوْفَةِ "الرَّوْضِ البَاسِمِ " نُسْخَةٌ بِخَطِّ مُؤَلِّفِهَا يُرَاجع الوَرَقَات (٢٤، ٥١، ٧٣ ) وَغَيْرهم.
٨ - تَنْبِيْهَاتٌ عَلَى "تَارِيْخِ خَلِيْفَةَ بنِ خَيَّاطٍ":
تَارِيْخُ خَلِيْفَةَ بنِ خَيَّاطٍ العُصَيْفِرِيُّ اللَّيْثِيُّ (ت ٢٤٠ هـ)؟ مِنْ أَهَمِّ المَصَادِرِ التَّاريْخِيَّةِ القَدِيْمَةِ الَّتِي تَهْتَمُّ بالحَوَادِثِ والرِّجَالِ مَعًا، وَقَدْ اهْتَمَّ بِهِ العُلَمَاءِ،
[ مقدمة / ٥٦ ]
اهْتِمَامًا بَالِغًا فرَوَوْهُ بالسَّنَدِ عَنْ مُؤَلِّفِهِ. وَقَدْ وَصَلَ إِلَى الأنْدَلُسِ فِي زَمَنٍ مُبَكِّرٍ جِدًّا فَقَدْ رَوَاهُ بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ القُرْطُبِيُّ الحَافِظُ (ت ٢٧٦ هـ) وَهُوَ مِن كِبَارِ حُفَّاظِ الإسْلامِ وَنُقَّادِ الحَدِيْثِ كَالإمَامِ أَحْمَدَ والبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ صَنَّفَ "المُسْنَدَ" وَرَتَّبَهُ عَلَى أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ وَرَتَّبَ حَدِيْثَ كُلِّ صَحَابِيٍّ عَلَى أَبْوَابِ الفِقْهِ. وَلَهُ "تَفْسِيْرٌ للقُرْآنِ" قَال ابْنُ حَزْمٍ: لَمْ يُؤَلِّفْ مِثْلُهُ لَا تَفْسِيْرُ الطَّبَرِيِّ وَلَا غَيْرِهِ. كَمَا رَوَى عَنْهُ أَيْضًا كِتَابَهُ "الطَّبَقَاتِ". وَرِوَايَةُ أَغْلَبِ الأنْدَلُسِيِّين مُتَّصَلَةٌ بِهِ -﵀- والنُّسْخَةُ المَطْبُوْعَةُ مِنْ "تَارِيْخِ خَلِيْفَةَ" الَّتِي حَقَّقَهَا الدُّكْتُوْر الفَاضِل أَكْرم ضِيَاء العُمَرِيُّ اعْتَمَدَ فِي تَحْقِيْقِهَا عَلَى نُسْخَةٍ مَحْفوْظَةٍ فِي المَعرِبِ مِن أَصْلٍ أَنْدَلُسِيٍّ قَدِيْمٍ مُتْقَنٍ مَرْويٍّ بِالسَّنَدِ إلى بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ثُمَّ إِلَى مُؤَلِّفَهِ خَلِيْفَةَ، هِيَ مِنْ رِوَايَةِ صَاحِبِنَا أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيِّ -﵀- مَكْتُوْبَةٌ بِخَطِّ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الأشْعَرِيِّ سَنَةَ (٤٧٧ هـ) قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي الوَليْدِ بِمَا يَزِيْدُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ عَامًا. نَقَلَ مُحَقِّقُ الكِتَابِ سَنَدَ رِوَايَتِهِ نَقْلًا عَنْ وَرَقَةِ العُنْوَان هكَذَا: "حَدَّثَنَا بِهَذَا التَّارِيْخ الإمَامُ الأَوْحَدُ، الفَقِيْهُ، القَاضِي أَبُو الوَليْدِ هِشَامُ بنُ أَحْمَدَ، قَال: حَدَّثَنِي الفَقِيْهُ المُقْرِئُ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّد الطَّلَمَنكيُّ - ﵄ - قَال: حَدَّثَنِي الفَقِيْهُ القَاضِي أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ مُفَرِّجٍ، قَاضِي الجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ -﵀- قَال: حَدَّثَنِي أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ المُبَارَكِ بنِ حَبِيْبِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ الوَليْدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ أَمِيْرِ المُومِنِيْنَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ عَمِيْرَةَ الضَّبِّيُّ أَنَّ أبَا القَاسِمِ أَحْمَدَ بنَ عَبْدِ اللهِ رَوَى عَنْ بَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ. فَيَكُوْنُ سَنَدُ النُّسْخَةِ مُتَّصلًا". وَفِي هَوَامِشِ النُّسْخَةِ تَعْلِيْقَاتُ أَبِي الوَليْدِ وَحَوَاشِيْه نَقَلَهَا مُحَقِّقُ الكِتَابِ جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا
[ مقدمة / ٥٧ ]
إِلَى هَوَامِشِ الكِتَابِ تَجِدْهَا هُنَاكَ.
٩ - مُخْتَصَرٌ في الفِقْه:
انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ الصفَدِيُّ فِي "الوَافِي بالوَفَيَاتِ" كَمَا فِي "مُعْجَمِ المُؤَلِّفِيْن" (١) وَأَخْشَى أَنْ يَكُوْنَ اشْتبَهَ عَلَيْهِ بِكِتَابِ "مُخْتَصَرِ الطُّلَيْطُلِيّ" فِي الفِقْهِ وَهُوَ مَشْهُوْرٌ عِنْدَهُمْ بِالأنْدَلُسِ (٢)، والوَقَّشِيّ يُنْسَبُ "الطُّلَيْطُلِيَّ" أَحْيَانًا كَمَا تَقَدَّمَ.
١٠ - الرِّسَالةُ المُرْشِدَةُ:
ذَكَرَهُ يَاقُوْتُ الحَمَوي في "مُعْجَم البُلدَانِ" (٣): وَإِسْمَاعِيْل بَاشَا البَغْدَادِيّ فِي "هدية العَارِفِيْن" (٤) لَا أَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا وَلَعَلَّهَا فِي الاعْتِقَادِ واللهُ أَعْلَمُ. وَعِبَارَة يَاقُوْتُ: "الفَقِيْهُ الجَلِيْلُ، عَالِمُ الزَّمَنِ، إِمَامٌ، عَالِمٌ فِي كُلِّ فَنٍّ، صَاحِبُ "الرِّسَالةِ المُرْشِدَةِ" تَدُلُّ عَلَى شُهْرَتِهَا بِحَيْثُ عَرَّفَ صَاحِبَهَا بِهَا نَظَرًا؛ لِمَعْرِفَةِ الخَاصِّ والعَامِّ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِهَا، لكِنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذلِكَ فَما نَزَالُ نَجْهَلُهَا كَمَا جَهِلَهَا العُلَمَاءُ قَبْلَنَا، فَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى تَرَاجِمِهِمْ لِلَمَذْكُوْرِ غَيْرُهُ هُوَ وَمَن نَقَلَ عَنْهُ، واللهُ تَعَالى أَعْلَمُ.
- وَأَمَّا الكِتَابُ الَّذِي ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ مَنْسُوْبًا إِلَيْهِ فِي القَدَرِ وَالقُرْآنِ عَلَى مَذَاهِبِ المُعْتَزِلَةِ فَسَيأتي فِي مَبْحَثِ "نِسْبَتِهِ إِلَى الاعْتِزَالِ" أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِنْ تَأْلِيْفِهِ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ.
_________________
(١) مُعجم المؤلفين (١٣/ ١٤٨) عن الوافي بالوفيات.
(٢) الحلل السُّنْدُسِيَّة.
(٣) معجم البُلدان (٥/ ٢٣٣).
(٤) هدية العارفين (٢/ ٥٠٩).
[ مقدمة / ٥٨ ]
- وَأَمَّا كِتَابُ "المُنْتَخَبِ فِي غَرِيْبِ كَلامِ العَرَبِ" الَّذِي نَسَبَهُ إِلَيهِ الأُسْتَاذُ الزِّرِكْلِيُّ فِي "الأعْلامِ" بِنَاءً عَلَى مَا وَرَدَ فِي فَهَارِسِ الخِزَانَةِ العَامَّةِ فِي الرِّبَاطِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ مِنْ مُفَهْرِسِ المَكْتَبَةِ المَذْكُوْرَة جَرَّهُ إِلَى ذلِك مَا جَاءَ فِي آخِرِ النُّسْخَةِ من قَوْل النَّاسِخِ: "نَسَخْتُ كِتَابِي هَذَا وَنَقَلْتُ حَوَاشِيْهِ مِنْ أَصْلِ الفَقِيْهِ القَاضِي العَلَمِ الأَوْحَدِ أَبِي الوَليْدِ الوَقَّشِيُّ -﵀- مَتْنًا وَطُرَرًا بِخَطَهِ -﵀-، وَكَانَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ والإتْقَانِ ". وَقَدْ جَلَبْتُ هَذِهِ النُّسْخَةِ مَعَ مَا جَلَبْتُ مِنَ المَخْطُوْطَاتِ لِمَرْكَزِ البَحْثِ العِلْمِيِّ بجَامِعَةِ أُمِّ القُرَئ، وَعِنْدَ فَهْرَسَتِ الكِتَابِ أَدْرَكْنَا وَللهِ الحَمْدُ صِحَّةَ النِّسْبَةِ فَنَسَبْنَاهُ إِلَى مُؤَلِّفِهِ أَبي الحَسَنِ الهُنَائِيِّ المَعْرُوْفِ بـ"كُرَاعٍ" (ت بعد ٣٠٩ هـ) وَقَدْ قَابَلْنَا بَيْنَ هَذِهِ النُسْخَةِ وَنُسْخَةٍ جَلَبْنَاهَا مِن دَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ فَصَحَّ أَنَّهُمَا نُسْخَتَان لكِتَابِ "المُنْتَخَبِ " لِلْمُؤَلِّفِ المَذْكُوْرِ (١)، وَقَدِ اقْتَرَحْتُ أَنَا وَزَمِيْلِي الدُّكْتُور عَيَّادُ بنُ عِيْدٍ الثبُّيْتِيُّ عَلَى زَمِيْلَنَا الفَاضِلِ الدُّكْتُوْر مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ العُمَرِيِّ أَنْ يَقُوْمَ بِتَحْقِيْقِهِ، وَكَانَ الدُّكْتُوْرُ عَيَّادٌ قَدْ صَوَّرَ لِنَفْسِهِ نُسْخَةً مِنَ النُّسْخَةِ المَغْرِبِيَّةِ فَتفَضَّلَ بِتَقْدِيْمِهَا إِلَى الدُّكْتُورِ العُمَرِيِّ. وَكُنْتُ قَدْ عَثَرْتُ عَلَى نُسْخَةٍ مِنْ كِتَابِ "المُجَرَّدِ" لِلْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ "كُرَاع" فَقَدَّمْتُهَا للدَّكْتُوْر العُمَرِيِّ للاسْتِعَانَةِ بِهَا أَثْنَاء التَّحْقِيْقِ أيْضًا، فَقَامَ بِتَحْقِيْقِهِ، وَنَشَرَهُ مَعْهَدِ البُحُوْثِ العِلْمِيَّةِ بجامعَةِ أُمِّ القُرَى سَنَةَ (١٤٠٩ هـ) (٢).
_________________
(١) يراجع أيضًا: مقالة الدكتور أحمد مختار عمر في مجلة البحث العلمي، العدد الثالث، مركز البحث العلمي بجامعة أم القوى، الذي أثبت فيه أن نسخة دار الكتب المصرية هي كتاب "المُنتَخَبِ".
(٢) كما حقَّق الدُّكتور العُمَرِي أيضًا كتاب "المجرَّد" وطبع الجزء الأول منه.
[ مقدمة / ٥٩ ]